فهم الهيبرغامي
Hypergamy — الانتقائية الجنسية التصاعدية
رولو توماسي — من كتاب «الطب الوقائي» · ترجمة إبراهيم محمد المالكي
صديقتك الدورة الشهرية
ثمة وسائل وحيل اجتماعية وظّفتها المرأة عبر القرون لتضمن انتقاء أفضل جينات الذكر وتأمينها، مصحوبة بأفضل رعاية ذكورية قادرة على جذبها وفق تقديرها الذاتي. في المثال الأعلى يجمع الرجل الأمثل بين الجانبين معا، لكن نادرا ما يتجسّد الجانبان في ذكر واحد (لا سيما في عصرنا)، لذا فإن الأنثى - سعيا لتحقيق مطلبها البيولوجي، ومدفوعة بحاجة فطرية للأمان - كانت بحاجة إلى ابتكار أعراف اجتماعية ومنهجيات (تتطور بتطور بيئتها وظروفها الشخصية) لتحقيق تعظيم ما يُعرف بـ«الهيبرغامي» الفطري لدى المرأة.
قبل سنوات، حين كنتُ أكتب المقالة التي ستصبح فصل «جداول التزاوج» في كتابي الأول، كان محور اهتمامي كيفية ترجمة ديناميكية تطورية (الاستراتيجية الجنسية التعددية للأنثى) إلى ديناميكيات اجتماعية متطورة (الأعراف الاجتماعية التي تُقدّم الأنثى مرجعية أولى). وكان تركيزي على كيفية بناء الثقافة الأنثوية لشروط اجتماعية تُرجّح كفة الهيبرغامي وتُطبّعه عبر التأثير الخفي على التوقعات الاجتماعية - ليس فقط على الرجال الذين يُعظّمون هذا الهيبرغامي، بل على النساء أنفسهن في كيفية تبرير المرأة لدوافعها الخفية (العقل الغريزي، هامستر) اجتماعيا.
كتبتُ مقالة «جداول التزاوج» عام 2005 (على منتدى SoSuave) في محاولة لشرح أسس الهيبرغامي بأسلوب أكثر يُسرا للرجال الذين كانوا لا يزالون يتساءلون لماذا تقول المرأة إنها تريد «رجلا طيبا ذا قلب نبيل» ثم تتناقض مع هذا القول سلوكيا وتختار الرجل الجريء والمتمرد شريكا جنسيا بامتياز. لا أزال أرى في تلك المقالة قيمة حقيقية، وهذا ما دفعني إلى مراجعتها وإدراجها في أولى منشورات «الذكر العقلاني». غير أنني حتى في وقت كتابتها كنتُ أُدرك أن مفهوم الهيبرغامي التطوري وتداعياته الاجتماعية لا يزال يحمل في طياته الكثير مما يستحق الاستكشاف.
الهيبرغامي البيولوجي
فيما يلي اقتباس من دراسة أُجريت عام 2008 حول الهرمونات ونشاط الدماغ من معهد كينزي:
«إحدى مناطق الدماغ التي لاحظنا فيها فارقا في الاستجابة التنشيطية بين الوجوه ذات الطابع الذكوري الأكثر وضوحا وتلك الأقل وضوحا في ذكورتها - تحديدا في الطور الجريبي من الدورة الشهرية - هي قشرة الحزام الأمامي، وهي منطقة تضطلع بدور محوري في اتخاذ القرار وتقييم المكافأة والمخاطرة المحتملة»، قالت العالمة في علم الأعصاب هيذر روب، زميلة باحثة في معهد كينزي لأبحاث الجنس والنوع والتكاثر. «لقد ثبت سابقا ارتباط النشاط في هذه المنطقة بالخيارات ‹عالية المخاطرة› في السياقات غير الاجتماعية، كالمخاطرة المالية، مما يجعله مثيرا للاهتمام حقا أن يُلاحَظ نشاطا أعلى في هذه المنطقة استجابة للوجوه ذات الطابع الذكوري الأوضح، التي قد تُمثّل للمرأة مخاطرة أعلى وفي الوقت ذاته عائدا أكبر.»
ثمة حشد من الدراسات تُشير إلى أن تفضيلات المرأة الجنسية للسمات الفيزيائية تتبدّل تبعا لمرحلة الدورة الشهرية. ويُعتقد أن هذه التفضيلات المتغيرة تعكس تحولات في أولويات تكاثر المرأة ذات أساس تطوري.
عند اقتراب موعد الإباضة، تُفضّل المرأة الوجوه ذات الطابع الذكوري الأكثر وضوحا - أي الوجوه التي تُنبئ بمستويات عالية من التستوستيرون. وهذه المؤشرات الوجهية ترتبط بجودة جينية عالية لدى الذكر، إذ لا يستطيع تحمّل التأثيرات السلبية للتستوستيرون على الجهاز المناعي إلا ذكور من هذا المستوى. وقد يُشكّل التستوستيرون عبئا على شريكات هذا الذكر أيضا، إذ ترتبط مستوياته المرتفعة بمعدلات أعلى من التخلي عن الذرية.
وقُرب الإباضة، يبدو أن تفضيل الأنثى ينتقل من تجنّب الأبوة المهملة إلى اصطياد أفضل جينات لذريّتها. ويُعرف هذا المبدأ في علم النفس التطوري بـ«تحوّل الإباضة».
تُفضّل المرأة في بقية مراحل الدورة الوجوه الذكورية الأقل حدة في ملامحها، إذ قد تُشير إلى استعداد أعلى لدى الذكر للاستثمار في تربية الأبناء.
بلغة الأوساط المعنية بهذه المسألة، ما يمثّله «تحوّل الإباضة» في السياق الاجتماعي هو ما يُعرف في المانوسفير بمبدأ «ألفا للجينات، بيتا للموارد»؛ أي الدافع نحو التوازن الأمثل بين أفضل منفعة جينية مباشرة (الإنجاب الجنسي) وأفضل منفعة غير مباشرة (الاستثمار الوالدي وتوفير الموارد)، وهو سمة مُبرمجة بيولوجيا في وعي الأنثى.
دراسات كهذه ليست مجهولة في أوساط المانوسفير، وحتى المعلمون الأوائل في فن الإغراء (PUA) كانوا يمتلكون فهما شبه غريزي لكيفية تأثير دورة الإباضة لدى المرأة على احتمالات النجاح دون أن يكونوا قد قرأوا عن ذلك. وثمة تطبيقات عملية وفيرة يمكن للرجل بناؤها على معرفة راسخة بكيفية تأثير الدورة الهرمونية للمرأة على مزاجها، وقابليتها لتأثيره، وكيف سيتشكّل تبريرها الذهني بعد العلاقة الجنسية تبعا للمرحلة المحددة من دورتها الشهرية.
في مرحلة «الحبة الزرقاء» - أي قبل الوعي الذكوري بهذه الحقائق - أعتقد أن كثيرا مما يُحسب على نجاحات الرجل العَرَضية مع النساء يُعزى إلى مرحلة الإباضة لدى المرأة والظروف الملائمة. المرحلة الصحيحة، والمكان الصحيح، والوقت الصحيح، ورجل أطلق بشكل كافٍ مؤشرات ذكورية لاوعيية وإشارات «ألفا» - هذا كل ما يلزم لتحقيق العلاقة الجنسية أو منح وضع الصديقة المؤقتة، حتى تبلغ مرحلتها التجريبية التالية ذروتها فتكتشف أنه ليس الـ«ألفا» الذي تصورتْه قبل ثلاثة أسابيع.
مرحلة الألفا
من منظور فن التأثير والاستقطاب، واستنادا إلى ما سبق بيانا، يمكن اعتبار النصف الأخير من الطور الجريبي (التكاثري) من الدورة الشهرية - أي الفترة الممتدة من اليوم السابع حتى اليوم الرابع عشر تقريبا - ما يمكن تسميته «مرحلة الألفا للرجل». إذ تُشير دراسة كينزي (وكثير من الدراسات المشابهة) إلى أن هذه النافذة الزمنية التي تمتد سبعة أيام (وربما عشرة) تُهيّئ المرأة للاستجابة للتأثير الجنسي الذكوري (ألفا)، وتُمثّل الفترة الأمثل للرجل لترسيخ انطباع أولي ألفا دائم الأثر. فالإثارة الجنسية تولد في الغالب في الطور التكاثري.
في هذه المرحلة تكون المرأة أكثر استعدادا للتزيّن الجنسي (الارتداء بجاذبية)، وتطرأ تعديلات على نبرة صوتها، ويصبح عطر جسد الرجل أكثر استرعاء لها، ويشتد ميلها للسمات الجسدية الذكورية الأوضح (العضلية) كمثيرات جنسية. الكيمياء الحيوية للأنثى وأنماط سلوكها المصاحبة تتحول في الطور التكاثري لتعظيم إمكانات التكاثر مع الذكر «ذي أفضل الجينات» (المنفعة المباشرة) الذي تمتلكه المرأة أو تُتيحه لنفسها عبر تصميم لاواعٍ.
لقي مني في الماضي قدرٌ من الانتقاد قولي إن كل امرأة تكنّ «ميولا خفية»، وأن كل ما يحتاجه الرجل هو أن يكون الرجل المناسب في الوقت المناسب لاستدراجها. ويُؤكد فهمُ التغيرات السلوكية لظاهرة «تحوّل الإباضة» خلال الدورة الشهرية هذا الطرح.
الطالبة الجامعية التي تنجرف في نزوة صيفية في كانكون مع شاب وسيم في حفل فوضوي يكون في الغالب في طورها التكاثري. أضف الكحول وستحصل على المعادلة الكيميائية للاندفاع الجنسي - حتى من الفتاة «الجيدة».
حين تفكر أو تقول: «لا أعرف ما الذي استبدّ بي، أنا لستُ هكذا عادة»، فهي تُلاحظ سلوكها في الطور التكاثري من منظور الطور الأصفري اللاحق. هي فعلا ليست «هكذا» في الواحد والعشرين يوما الأخرى من دورتها.
في هذا الجزء من دورة المرأة تصبح حسّاسة لا شعوريا للسمات الذكورية الأوضح، وتبذل جهودا لا إرادية للاستفادة من توافق الإباضة معها. بعبارة أخرى، هذه هي الفترة التي يبلغ فيها الهيبرغامي ذروة قدرته على تجاهل كل الاعتبارات الأخرى. إنها مرحلة «امنحني ذلك الآن، وسأبرره لاحقا».
قد تتساءل الآن: «كل هذا حسن جيد، لكن كيف أُحدّد في أي مرحلة تكون المرأة؟»
لو كان الرجل يقتصر على المقاربات الباردة مع النساء لأمكن فهم هذا الإشكال. ثمة لا حصر من المؤشرات التي تُبديها المرأة في طورها التكاثري.
أجرت الدكتورة مارتي هاسلتون من جامعة UCLA دراسات ممتازة حول التزيّن الأنثوي المتزامن مع الإباضة، وكذلك كيف تنخفض حدة صوت المرأة (نبرة دافئة فاتنة) في هذه المرحلة، لكن إن كنتَ لا تزال غير مقتنع، فاستمع إلى حدسك - إذ يستشعر الرجل غريزيا المرأة في طورها التكاثري. وظاهرة «الحراسة الزوجية» (Mate Guarding) ديناميكية موثقة توثيقا جيدا، ويبدو أنها تطورت لدى الرجل نتيجة وعيه اللاشعوري بالمؤشرات السلوكية للمرأة في فترة إباضتها.
وإن كان لديك الصبر على التعلم، فأحسن المتابعة لسلوكيات النساء في دائرتك الاجتماعية المباشرة، أو لسلوكيات الفتاة التي تفكر في التقرب منها في وقت ما.
مرحلة البيتا
إن كان الطور التكاثري هو «مرحلة الألفا للرجل»، فإن الطور الأصفري يمكن اعتباره «مرحلة البيتا».
استنادا إلى دراسة كينزي وكثير من دراسات الدكتورة هاسلتون كدليل توجيهي، يمكن استنتاج أن المرأة تنجذب خلال النصف الأدنى من دورتها الشهرية الممتدة على أربعة عشر يوما نحو سمات أقل حدة في ذكوريتها لدى الرجل. سمات الجاذبية (لا الإثارة) التي تُعرّف هذه المرحلة مرتبطة بالدفء والألفة والتعاطف والرعاية وما شابه ذلك، مما يُعزز الإدراك بأن الرجل خيار جيد للاستثمار الوالدي الطويل الأمد.
مجددا، هذا ليس جديدا في أوساط المانوسفير. حتى زميلي في المانوسفير «روسي» كتب عدة مقالات حول التطبيق العملي لأسلوب البيتا - في سياقه المحدد. كثير جدا من الرجال يؤمنون بخرافة «ما تراه هو ما ستحصل عليه» (WYSIWYG) فيما يخص متطلبات الجذب المُعلنة لدى المرأة والتي تُصوَّر على أنها ذات طابع بيتا في معظمها.
كما أوضحتُ سابقا، الفتاة التي انجرفت عفويا مع الشاب الجذاب في حفل مثير هي نفسها التي ستقول لك إنك بحاجة إلى كسب ثقتها لأنها تحتاج إلى الشعور بالارتياح معك قبل ممارسة الجنس. الرجل ذو التوجه البيتا يُصدّق هذا بقيمته الحرفية فلا يتحرك في الوقت الذي تكون فيه الأمور في أوجّها (الطور التكاثري)، وينتظرها بصبر ثم يتساءل لماذا يُخبَر بـ«لنبقَ أصدقاء» في نهاية طورها الأصفري.
أعتقد أن أكثر ما يُضلّ الرجل ذا التوجه البيتا هو اعتقاده بأن الجاذبية من نوع البيتا هي (أو ينبغي أن تكون) مرادفة للإثارة من نوع الألفا. كل من هذين المفهومين يُمثّل وجها مختلفا من وجهي الاستراتيجية الجنسية التعددية للمرأة - الهيبرغامي: جينات الألفا وموارد البيتا. الدوافع الجنسية للمرأة يمكن تعريفها بالدرجة التي يمكن بها تبرير استراتيجيتها التزاوجية قصيرة المدى أو تعويضها بالاستراتيجية التزاوجية طويلة المدى.
لا مكان تتجلى فيه هذه الازدواجية بوضوح أشد مما في الحقيقة البيولوجية للدورة الشهرية للمرأة التي أوجدتها.
الهيبرغامي والبيولوجيا
جانب من جوانب الهيبرغامي لستُ متيقنا من أن معظم الرجال يفهمونه حقا هو أن الاستراتيجية الاجتماعية-الجنسية المعروفة بالهيبرغامي ظاهرة بيولوجية في أصلها.
لفهم الخريطة الزمنية التي أعرضها في هذا الكتاب، من الأهمية بمكان عدم الخلط بين الهيبرغامي وكونه بنية اجتماعية (أي «الزواج للأعلى» اجتماعيا).
تتمسك النساء تقريبا بشكل شامل، وأحيانا متعمد، بتعريف الهيبرغامي باعتباره ديناميكية اجتماعية مكتسبة. وهذا يعود في معظمه إلى الحاجة إلى حماية التبريرات الناجمة عن مواجهة الصراع الداخلي المزعزع للاستقرار الذي يُولّده الهيبرغامي فيهن. وستسمعين المرأة تُعذّب نفسها بالتساؤل: «لماذا لا أنجذب للرجل الطيب الذي يُقدّم لي العالم، في حين لا أستطيع الاكتفاء من الرجل الجذاب المتبلّد تجاهي؟»
المنظومة الاجتماعية ذات المرجعية الأنثوية
الحقيقة الجوهرية للهيبرغامي بوصفه ديناميكية اجتماعية هي أنه النتيجة المنطقية للبرمجة الفطرية الهرمونية والنفسية للأنثى. هذا التناقض الجذري في الاستراتيجية الجنسية الثنائية (جينات الألفا / موارد البيتا) أفضى إلى تطور النفسية الأنثوية - لتكون ضمنية، ومخادعة بصورة مقبولة ظاهريا، وذات قدرة نفسية متطورة على التواصل في مستويات متعددة ومتنوعة، مع كونها في الوقت ذاته الراعية الضرورية لتنشئة الجيل القادم. فبدون هذه الملكة في الازدواجية النفسية المُفيدة، لا تستطيع المرأة تعظيم استراتيجيتها الجنسية بالفاعلية ذاتها.
منذ انطلاق الثورة الجنسية، اتُّخذ الميل البيولوجي للذكر نحو العنف والعدوانية مسوّغا بيولوجيا للتأنيث الاجتماعي. فنحن نُقال إننا مسمومون بالتستوستيرون؛ ويُروَّض الذكور من الصغر على كبح تلك النزعات في المدارس إلى الحد الذي بات فيه المعلمون يتوقعون «نشاطا زائدا» من الأولاد، فيُعطى بعضهم أدوية.
ومع ذلك، يمكن القول بالمنطق ذاته إن المسوّغ البيولوجي للهيبرغامي يكمن في الدافع البيولوجي (الشهري) للمرأة الذي يُحرّك تعددها الجنسي. وهذا الدافع البيولوجي بالذات هو الذي قامت في أعقاب الثورة الجنسية على أساسه منظومة اجتماعية تُقدّم الأنثى مرجعية أولى.
وأنت تقرأ الخريطة الزمنية التالية، من الضروري استيعاب المحرّكات ذات المرجعية الأنثوية الكامنة وراء التحولات الشخصية والاجتماعية التي ستمرّ بها المرأة في مراحل نضجها المختلفة.
فهم الهيبرغامي
السبب الذي يجعلني أبدأ بالهيبرغامي قبل الخوض في هذا التسلسل الزمني هو أهمية اكتساب صورة واضحة عن حوافز الهيبرغامي وكيفية تحريكها للمرأة في هذه المراحل.
الجانبان الشخصي والاجتماعي في مسار نضج المرأة يرتكزان على مدى تأثير الهيبرغامي في قرارات المرأة - وما يترتب على ذلك في نهاية المطاف من أثر على الرجال الذين يتفاعلون معها في تلك المراحل من حياتها.
يعمل العنصران الشخصي والاجتماعي للهيبرغامي بتآزر ليُفرزا سلسلة يمكن التنبؤ بها من الأحداث والأزمات الشخصية وقرارات الحياة المصيرية طوال حياة المرأة.
يحلو للكثيرين في المانوسفير تعريف الهيبرغامي بأنه سعي المرأة للحصول على أفضل ما يمكن استثماره بما تملكه من جاذبية، لكن هذا ليس إلا وجها واحدا من الهيبرغامي.
فمن خلال مبدأ «جينات الألفا / موارد البيتا» للاستراتيجية الجنسية الثنائية للمرأة، يتضح أن ثمة دافعا لتحقيق توازن بين هذين النزعتين. كما أوضحتُ في «جداول التزاوج»، يسعى الهيبرغامي إلى إيجاد كلا جانبي معادلته الجنسية في رجل واحد، لكن نادرا ما يتحقق هذا الإشباع الثنائي في شخص واحد، ويتصاعد وعي الرجال بهذه الاستراتيجية يوما بعد يوم.
أعتقد أن دافع التعظيم الهيبرغامي يكمن في النزعة نحو أفضل الجينات (نظرية الابن الجذاب - ألفا) وأفضل الموارد والاستثمار العاطفي (الاستثمار الوالدي - البيتا) بما يُتيحه مستوى جذابية المرأة من تأثير نفوذي.
المشكلة إذن مسألة توظيف هذه الجاذبية في مرحلة بعينها من حياتها والظروف التي تفرضها تلك المرحلة. ومن الواضح أن الظروف الجسدية للمرأة وقراراتها الشخصية والضغوط الاجتماعية الحديثة (النزعة المهنية، النسوية، القناعات الدينية … إلخ) تُؤثر في هذا «التوازن الدقيق»، لكن لا يصح تطبيق الهيبرغامي على الجانب الجيني (ألفا) فحسب - إذ يكون التطبيق منقوصا وناقصا.
أخيرا، من المهم أن ندرك أنه من منظور تطوري، يسعى الهيبرغامي دائما إلى التعظيم الأمثل لكلا دافعَي «ألفا / بيتا»، بما يفوق ما يُتيحه مستوى جذابية المرأة الفعلي بصورة واقعية. الهيبرغامي لا يبحث عن ما هو مكافئ لقيمتها؛ فهو يسعى دائما إلى تحقيق تعظيم أفضل مما تُتيحه قيمتها في سوق الجنسين واقعيا.
وضع في اعتبارك أيضا أن الضغوط الاجتماعية الحديثة (وسائل التواصل الاجتماعي … إلخ) تُفاقم هذه الظاهرة، وتُشوّه تقييمات المرأة الواقعية لقيمتها الجنسية في سوق الجنسين في أي مرحلة من مراحل حياتها. وأكثر الارتباطات الوثيقة والحصرية التي ستُقدم عليها المرأة هي مع الرجل الذي تُقدّر قيمته الجنسية في السوق بما يفوق قيمتها الخاصة بنقطة أو نقطتين.
طرح أحد قراء «الذكر العقلاني» التساؤل التالي على المدونة:
«بمعرفة ما نعرفه عن الهيبرغامي - أنه فطري لا يكترث بأي اعتبار - وما نعرفه عن ميل جذب المرأة نحو الرجال الأكثر ألفاوية خلال الإباضة … هل يستطيع الرجل احتمال فكرة العيش مع شخص يُكافح ضد رغبة فطرية عامة في الانتقال إلى ما هو أفضل، ورغبة خاصة في الانجذاب نحو رجل ألفا خلال فترة الإباضة؟»
الجواب المختصر هو نعم. الرجال في الواقع امتلكوا على مر تطورهم الاجتماعي والنفسي آليات احتياطية للحد من الهيبرغامي منذ عصور الصيد وجمع الثمار. بل يمكن القول إن كثيرا من إنجازاتنا الحضارية على مستوى الفرد والنوع كانت نتاج الدوافع الكامنة لدى الرجال في التعامل مع الهيبرغامي الفطري للمرأة.
الخطأ الشائع هو افتراض أن الحالة الطبيعية للهيبرغامي هي الفراغ المطلق. الهيبرغامي ليس ثابتا راكدا. القدرة التي تمتلكها المرأة الفردية على تعظيم هيبرغاميها خاصة بها. وثمة متغيرات كثيرة ومعقدة تُؤثر في تقييم المرأة الذاتي لقيمتها الجنسية في سوق الجنسين.
فعلى سبيل المثال العام، الطالبة الجامعية في الثانية والعشرين من عمرها تكون في الغالب أكثر ميلا نحو الجانب الجيني (الألفا) من دوافعها الهيبرغامية لأن قدرتها على الاستفادة منه أعلى من المرأة المطلّقة في الرابعة والأربعين أم لطفلين. كثير من الرجال يعتقدون أن الهيبرغامي يستدعي اهتماما لا ينقطع، لكن باستثناء الحالات الاستثنائية، تُنظّم المرأة هيبرغاميها وفق قدرتها الذاتية على تعظيمه.
لمجرد أن الطبيعة الفطرية للمرأة هيبرغامية لا يعني أنها قادرة على تعظيم هذا الهيبرغامي. فقد تنعدم الفرصة (أي غياب رجال ألفا في المكان والوقت المناسبين)، أو قد تنعدم الجاذبية الجسدية، أو قد تكون ثمة قناعات داخلية تجعلها أكثر انكفاء وخجلا، أو قد تعاني من إشكاليات في تقدير الذات (مبالغا فيه أو منقوصا)، أو ببساطة قد تكون مُحاطة بثقافة مجتمعية تفرض قيودا على قدرتها في تعظيم هيبرغاميها. كل هذه القيود تتصارع مع دافعها الهيبرغامي الفطري.
هذا هو الصراع الأساسي الذي تواجهه المرأة: إدارة هذه القيود بالتوازي مع هيبرغامي مُبرمج في جيناتها، وكل ذلك قبل مواجهة التراجع الحتمي التدريجي في قدرتها على التنافس جنسيا. تُقبل على العلاقة مبكرا جدا فتُرافقها شكوك دائمة بأنها ربما كانت قادرة على الاستحواذ على التزام رجل أكثر مثالية. أو تُفرّط في الوقت فتُضطر إلى قبول رجل دون مستوى تطلعاتها ممن أتاحته لها ظروفها («أرامل الألفا»). كل هذا يجري ضمن إطار القيود (أو المزايا) الفردية التي تمتلكها كل امرأة بقدر معين.
الهيبرغامي الطليق
يفهم معظم الرجال الهيبرغامي على نحو خاطئ شائع: أنه يستدعي اهتماما دائما للسيطرة عليه. كثير من المنتمين إلى تيار «رجال يسلكون طريقهم المستقل» (الميغتاو) يتبعون هذا المنطق إلى حد ما، معتقدين أن الجهد اللازم لاحتواء هيبرغامي المرأة يعني قراءة دائمة لعقلها أو القفز عبر حلقات سلوكية لا تنتهي لتحقيق أي توازن وانسجام في أي علاقة مع امرأة. يرون أن المكسب لا يستحق الجهد، وفي حالاتهم الفردية قد يكونون محقين، غير أنهم لا يراعون التوازن الطبيعي القائم أصلا بين الجنسين.
الهيبرغامي أيسر في احتوائه كلما قلّت قدرة المرأة على تعظيمه.
فرض القيود على هيبرغامي المرأة هو في حقيقته مسألة تطبيق. لماذا يكون ردّ فعلنا الفوري هو نعت الرجل الحازم بـ«غير الواثق بنفسه»؟ لأننا نعتقد في أعماقنا أن الرجل ذا السيطرة الصريحة يفتقر إلى القدرة على إلهام الرغبة الحقيقية في المرأة التي تدفعها إلى ضبط هيبرغاميها بنفسها. ومع ذلك لا نزال نُعدّ «الحراسة الزوجية» (سلوكياتها الواعية واللاواعية على حد سواء) حكمة عملية في التطبيق المُقنّن. إذن ها هو الحد في السيطرة على الهيبرغامي - كما في كل شيء تقريبا في فن الإغراء: مارسه بصورة صريحة ظاهرة فتبدو «متعلقا وغير واثق»، ومارسه بصورة ضمنية خفية فتبدو واثقا وممسكا بزمام الأمور.
لفهم هذا حقا، يجب مراعاة ديناميكية الاستجابة بين الألفا والبيتا. الهيبرغامي الفطري للمرأة سيدفع حتى من تتمتع بأكثر الارتباطات أمانا إلى «اختبار ثبات» شريكها.
حين يُدرك الرجل هذا، يرى عقله العقلاني في هذه الاختبارات عدم أمان وإزعاجا يجب التعامل معه باستمرار. غير أن الطبيعة أودعت في نفوسنا آليات للتعامل مع هذه الاختبارات دون وعي كامل منا بذلك. لقد رأيتُ أكثر الرجال انسحابا يضربون الطاولة بعد اختبار قاسٍ بشكل خاص ويُخبر زوجته أو صديقته بحسم أن يكفّوا. جاء ذلك من الإرهاق، لكن تلك الاستفزاز والاستجابة التي تلقتها منه كانت بالضبط الإجابة الصحيحة لاجتياز الاختبار.
بالطبع لم يكونوا يُدركون ما يفعلون، كانوا مجرد مُنفعلين، وعادة ما يعتذرون بإفراط بعد ذلك على تصرفهم. لكن هذا تحديدا كان ما يحتاجه الهيبرغامي ليتأكد من أنه ليس رجلا ضعيفا خانع الإرادة.
«الحراسة الزوجية» هي جهد لاشعوري آخر يُوظَّف للحد من الهيبرغامي. معظم الرجال لا يُدركون أنهم يُمارسون سلوكيات الحراسة الزوجية في اللحظة التي تكون فيها المرأة في فترة إباضتها وتكون أكثر تأثرا بالمؤشرات الذكورية لرجل غريب من نمط الألفا. يتجلّى تهيّؤها في سلوكيات يُسجّلها وعيه اللاشعوري فيُطلق استجابته الاحتياطية الخاصة بالحراسة - كل ذلك في جهد طبيعي للحد من هيبرغاميها الفطري. فالطبيعة على وعي بالهيبرغامي بالفعل وتملك آليات للتقليل منه.
«تحوّل الإباضة» في تفضيلات الشريك والتغيرات السلوكية الظاهرة التي تنجم عنه أوجد حساسية تطورية فائقة تجاهه لدى الرجل. وبدوره أنتج هذا الوعي المحيطي سلوكيات احتياطية (حراسة زوجية) لضمان ألّا يُبذل جهد الاستثمار الوالدي من الرجل في صالح ذرية ليست من نسله.
أود أن أطرح أن استراتيجية احتياطية تطورية للحراسة الزوجية لم تتطور استجابة مباشرة لضغوط المنافسة من نوع الألفا (أو البيتا)، بل نتيجة للهيبرغامي الفطري للمرأة وتعددها الجنسي، والإمكانية الكامنة لخداع الاستثمار الوالدي حين تُترك المرأة مع هيبرغاميها دون رادع.
إن كان تصوّر المرأة السائد عنك أنك من نمط الألفا، وإن كانت نقطة انطلاقها الذهنية هي إدراكها أن قيمتها الجنسية في سوق الجنسين أدنى من قيمتك، فإنها لن تستأذنك في السفر إلى لاس فيغاس مع صديقاتها طوال عطلة نهاية الأسبوع، لأن رغبتها في الرجل الذي تُدركه ألفا (ويُفترض أن تكون أنت ذلك الرجل) ستكون أقوى من تأثير رفيقاتها عليها في أسبوع الإباضة.
نظريا، لن ترغب أي امرأة ترى فيك ألفاها الهيبرغامي الأمثل في «الخيانة» - لذا لا يخطر لها ذلك أصلا. أعلم أن هذا يبدو مُبسّطا حتى تُدرك السهولة التي يعزل بها معظم الرجال أنفسهم اجتماعيا، ويُهمّشون الأصدقاء والعائلة آثرين قضاء وقتهم مع ما يعتبرونه امرأة ذات قيمة عالية.
جانب آخر من جوانب الحد من الهيبرغامي هو المنافسة بين الجنسين لدى النساء أنفسهن. الهيبرغامي في جوهره سباق نحو القمة. الموارد ذات القيمة الأعلى (الرجال ذوو القيمة الجنسية العالية في سوق الجنسين) تُخفّض «التكلفة» (الجهد المبذول) للحصول على الموارد الأقل قيمة. الرجال ذوو القيمة الأعلى تتضاعف قيمتهم بوفرة الرجال الأقل قيمة، لكن من المهم أن نتذكر أن الهيبرغامي لا يبحث عن ما يُكافئه؛ فهو يُقصد دائما نحو تعظيم أفضل. وبالنسبة للمرأة فإن الربح الجنسي الأمثل هو تأمين التزام جيني وموارد شريك تُقدّر قيمته في سوق الجنسين بما يفوقها.
طبيعة الهيبرغامي ذاتها لها أثر انتقائي على النساء. كما لو أن ضغوط التعظيم الهيبرغامي لم تكن ملحّة بما يكفي في ضوء ظروفها الشخصية والانتهاء الحتمي لتنافسيتها الجنسية، يُضاف إليها منافسة بين الجنسين لا رحمة فيها تُقلّص الهيبرغامي.
خرق الطبيعة
إن انجرف الرجل بشدة نحو الطرف البيتا من منحنى الاحتمالات، فقد يُولّد هذا صورة ذاتية جديدة للمرأة ويُعيد إيقاظ دافعها الهيبرغامي. وبالمثل، تجربتنا الحالية على منصات التواصل الاجتماعي تُسهم في إنتاج أجيال جديدة من النساء اللواتي يفتقرن إلى أي صورة ذاتية واقعية فيما يخص قيمتهن الجنسية في سوق الجنسين، ومن ثمّ إدراك زائف بقدرتهن على تعظيم هيبرغاميتهن.
المبالغة في إحساس النساء بقيمتهن الجنسية وكل العوامل المساهمة في ذلك باتت سمة مألوفة في المانوسفير. كل هذه العوامل وسواها تُخلّ بالتوازن بين الدوافع الأنثوية والذكورية وتستدعي الآن تكيّفات اجتماعية ونفسية جديدة (أي فن الإغراء الرسمي المنهجي).
كثير من معلّقي المانوسفير سيُخبرونك كيف انطلق الهيبرغامي الأنثوي طليقا منذ صعود النسوية والدفع متعدد الأجيال لأنثوية كل جانب من جوانب الثقافة الغربية. وإن كان صحيحا أن الهيبرغامي «لا يكترث»، وأن كثيرا من الرجال يعانون عواقب توقعات علائقية متقادمة غير مُستعدّين لها، فإنني لا أرى في التحول الثقافي نحو أسبقية الدوافع الأنثوية نذيرا بانهيار المجتمع الحديث.
من المؤكد أن الثورة الجنسية وانتشار وسائل منع الحمل الهرمونية التي تُهيمن عليها المرأة قد أعادتا تشكيل الأسبقية الاجتماعية لتصبّ في خدمة الدوافع الأنثوية، لكن ما يعنيه ذلك هو ضرورة إعادة معايرة الدوافع الذكورية في المقابل.
مع صعود الإنترنت وظهور «فن الإغراء الشامل» الذي يُمثّله المانوسفير، أعتقد أننا نشهد بدايات هذا التكيّف. في ماضينا طوّر المجتمع والطبيعة طرقا لاحتواء الهيبرغامي ونحن لا ندرك عنها إلا النزر اليسير اليوم، لكنها كانت آليات فاعلة للسيطرة عليه.
سيعود هذا التوازن في نهاية المطاف، إما بانسحاب الرجال من الأطر التقليدية، أو بتوصّل المرأة جيلا بعد جيل إلى إدراك الأزمة التي أوجدها الهيبرغامي الجامح، وعواقب الأكاذيب التي حملتها النسوية الأنثوية المتمحورة إلى أمهاتهن وجداتهن.
المقال مقتبس من كتاب «الطب الوقائي» — رولو توماسي، ترجمة إبراهيم محمد المالكي.