
الكتاب الثالث · 2017
الذكورة الإيجابية
الامتداد التطبيقي للسلسلة التوماسية — قراءة في بناء الذكورة بأدوات رصينة ومنهج واضح.
مقدمة المترجم
حلقة من سلسلة، ومراجعة ثانية لا تكتفي بالأولى
ليس من عادة المترجم أن يطيل الوقوف بين يدَي القارئ قبل أن يُسلِمه إلى النصّ الذي شَقِيَ في تطويعه؛ فالمقدّمات في غالب الأحيان استئذانٌ مهذَّبٌ يُلقيه الناقل على عجل، ثم يُفسح الطريق. لكنّ هذا الكتاب الذي بين يديك، "الذكورة الإيجابية"، يستثني نفسه من هذا العرف مؤقتا، ويستوجب منّي وقفة أطول، إذ يحمل من التعقيد المصطلحي والكثافة الفكرية ما لا يُحسن السكوت عنه، ولا يجوز أن يُترَك القارئ يخوض غماره بلا فنار يُرشده إلى ما اعتمدتُه من منهج، وما تحرّيتُه من أمانة، وما اضطُررتُ إليه من إعادة نظر شاقّة في عمل كنتُ أحسبه قد استوى على سُوقه منذ سنين.
لماذا أُعيد الترجمة؟
لستُ أزعم على القارئ زعما لا أملك دليله؛ فقد ترجمتُ هذا الكتاب، "الذكورة الإيجابية"، منذ ما يزيد على سنتين ونصف، إبّان انكبابي على نقل سلسلة "رولو توماسي" كاملة إلى العربية، تلك السلسلة التي أحسبها، بلا مواربة ولا تواضع زائف، من أخطر ما أُنتِج في حقل "المانوسفير" الفكري من حيث جسارة الطرح وكثافة المصطلح. وقد كان رولو توماسي نفسه، بما تركه من أثر في نفسي وفي القرّاء الذين تتبّعوا هذا المشروع، الحافزَ الأول والدافع الذي شجّعني على المضيّ في هذه الرحلة الترجمية الطويلة، حتى أكملتُ السلسلة بأسرها، كتابا بعد كتاب، فصلا بعد فصل، لا أبتغي من ذلك إلا أن أضع بين يدَي القارئ العربي مادّة فكرية ظلّت حبيسة لغتها الأصلية أمدا طويلا.
فلمّا أتممتُ السلسلة كاملة، ووقفتُ عند خاتمتها أتأمّل ما خلّفته ورائي من جهد، وجدتُ نفسي أمام مفارقة لم أستطع الفرار منها: أن "الذكورة الإيجابية"، وهو من أوائل ما ترجمتُ، قد بقي يُرهقني، ويُثير في نفسي شكوكا متجدّدة، حتى قرّرتُ أن أُعيد ترجمته من جديد، نقضا وبناء، لا عن زهد في الجهد الأول، بل عن مخافة من أن تكون الأمانة في النقل قد شابها شيءٌ لم أنتبه إليه في بداياتي.
ليس من عادة المترجم أن يخفي عن قارئه عيوب صنيعه الأول، فذلك من الغرور الذي لا يأذن به العقل ولا تأذن به الأمانة العلمية. والحقّ أن "الذكورة الإيجابية" يحمل في ثناياه توسّعا مصطلحيا وتنوّعا اصطلاحيا يكاد يُغرِق المترجم في تشعّبات لا تنتهي؛ فالكتاب لا يُكرِّر مصطلحات معدودة بثوب واحد، بل يُعيد صياغة المفهوم الواحد بعشرات الألفاظ، ويستدعي من معجم "الحبة الحمراء" وأخواتها ما يستوجب من المترجم حذرا مضاعَفا، وتدقيقا متكرّرا، ومراجعة لا تكتفي بمرّة واحدة.
ولمّا راجعتُ ترجمتي الأولى بعد مرور هذا الزمن، وجدتُ فيها ما يستدعي إعادة النظر: عبارات نُقلت بأمانة في ظاهرها، لكنّها لم تُحط بكلّ ما تحمله من ظلال دلالية؛ ومصطلحات تكرّرت في مواضع شتّى من الكتاب بصيغ مختلفة، فلم أكن، في القراءة الأولى، على وعي كامل بأن هذا التنوّع اللفظي في الأصل الإنجليزي يحمل دلالات متعمَّدة، وليس تكرارا عبثيا يجوز تسويته بلفظ واحد. فآليتُ على نفسي أن أُعيد الكَرّة، هذه المرّة بتحر أشدّ، وصبر أطول، وإضافة حواش تُوضِّح للقارئ ما قد يخفى عليه من دقائق المصطلح وما وراءه من سياق فكري أوسع.
منهج المصطلح: الأمانة على الأصل
أحبّ أن أُصرِّح للقارئ، بلا التواء ولا مواربة، أنّ القيمة التي حرصتُ عليها أشدّ الحرص، والتي أرجو أن يشهد بها كلّ من تتبّع هذا المشروع من أوّله، هي الأمانة في النقل. لم أسمح لنفسي، في أي موضع من هذا الكتاب، أن أُسقط على النصّ تأويلا شخصيا، أو أن أُلوِّن العبارة بميل ذاتي يُحرِّفها عن مرادها الأصلي، فحسبي من هذا الصنيع أنه خيانةٌ للمؤلِّف وغشٌّ للقارئ معا. وقد كانت غايتي أن يكون النصّ العربي مرآة صادقة للنصّ الإنجليزي، لا تُضيف عليه ولا تُنقِص منه، بل تنقله بكلّ ما فيه من حدّة وجسارة، حتى وإن خالف ذلك ما يستقرّ عليه القارئ من قناعات مسبَقة، إذ ليس من واجب المترجم أن يُرضي القارئ، بل أن يُصدِّق له ما بين يديه من نص منقول.
ومن أهمّ ما أُحبّ أن أُنبِّه القارئ إليه، وهو ما اتّخذتُ فيه قرارا منهجيا واضحا لا أُحبّ أن يُترَك للصدفة أو التأويل، هو مسألة المصطلحات الأساسية التي يقوم عليها هذا الفكر بأسره. فقد لاحظتُ، في تجوالي بين ترجمات ومحاولات سابقة لنقل هذا الحقل المعرفي إلى العربية، نزوعا عند بعض المترجمين إلى "تعريب" المصطلح بترجمته ترجمة حرفية تُفقده طبيعته الاصطلاحية وتُحمّله ثقلا لغويا غريبا عن أصله. فمصطلح "Hypergamy"، مثلا، ترجمه بعضهم بـ"الارتقاء الغريزي" أو "التزاوج الفوقي" أو ما شابه، وهي محاولاتٌ مشروعةٌ في ذاتها، لكنّني أرى أن المصطلح، إذا تُرِك على حاله الأعجمي "هايبرغامي"، يستقرّ في ذهن القارئ بسرعة ووضوح أكثر ممّا لو أُريد ربطه بدلالة عربية قد تُضيف غموضا حيث المراد هو الوضوح. فالمصطلح الأجنبي، حين يستقرّ كاسم علمي متعارَف عليه، يُصبح أيسر تناولا من مقابل عربي مُصطنَع قد يُحمَّل بدلالات لا يقصدها الأصل، أو يُفهَم على غير وجهه الصحيح.
ولذلك، استقرّ رأيي في هذه المراجعة على أن أُبقي على عدد من المصطلحات المحورية بصيغتها الصوتية المُعرَّبة (هايبرغامي، المانوسفير، الغايم، ألفا، بيتا، وما إلى ذلك)، لا تكاسلا عن إيجاد المقابل العربي، بل اقتناعا بأن هذا النهج هو الأقرب إلى الأمانة العلمية والأيسر على القارئ المتابع لهذا الحقل المعرفي، الذي توطّنت في ذهنه هذه الألفاظ بصورتها الأصلية عبر سنين من التداول في "المانوسفير" العربي والأجنبي على حد سواء. وقد أوردتُ، حيث استدعت الحاجة، حواشي توضيحية تُبيِّن للقارئ غير المُطّلع المعنى الكامن وراء هذه المصطلحات، حرصا على ألا يبقى أحدٌ خارج دائرة الفهم.
ولا يفوتني، في هذا المقام، أن أُذكِّر القارئ بأنّ هذا الكتاب لا يقف منفردا في فضائه، بل هو حلقةٌ من سلسلة أكبر، أتممتُ نقلها كاملة إلى العربية، وأن "الذكورة الإيجابية" بالذات قد نال من عنايتي واهتمامي ما لم ينله سواه، لِما يحمله من كثافة فكرية تستدعي قارئا صبورا ومترجما أصبر. وإن كان القارئ يجد، بين دفّتَي هذا الكتاب، تنوّعا مصطلحيا قد يستوقفه أحيانا، فليعلم أن هذا التنوّع ليس من صنيع المترجم، بل هو من طبيعة النصّ الأصلي نفسه، الذي يُكرِّر المفهوم الواحد بصيغ متعدّدة بحسب السياق، وقد حرصتُ على أن أنقل هذا التنوّع كما هو، لا أن أُسوِّيه أو أُبسِّطه تيسيرا زائفا قد يُفقِد النصّ بعض ظلاله الدقيقة.
خاتمة المقدمة
وفي خاتمة هذه المقدّمة، أرجو أن يكون القارئ قد استوعب أنّ ما بين يديه ليس ترجمة عابرة، بل هو نتاج مراجعة ثانية متأخّرة، أُعيدت بعد تحر وتدبّر، وأُضيفت إليها حواش توضيحية، وأُعيد فيها النظر في كثير من خيارات المصطلح، كلّ ذلك في سبيل أن أُقدِّم للقارئ العربي نصّا يستحقّ ثقته، ويُجيبه عن أسئلته، ولا يخذله في لحظة احتياجه إلى الفهم الدقيق. فإن وجد القارئ في هذا العمل ما يُرضي طموحه المعرفي، فالحمد لله أوّلا وآخرا، وإن وجد فيه ثغرة أو هفوة، فحسبي أنّني بذلتُ ما استطعت من جهد، والكمال عزيزٌ على كلّ صنيع بشري.
والله من وراء القصد.
إبراهيم محمد المالكي
ROLLO TOMASSI
مقدمة المؤلف
بقلم رولو توماسي — الترجمة العربية الرسمية
مقدّمة المؤلِّف
كان ذلك في الأسبوع الأول من أغسطس عام 2013، حين تسلّل إلى سمعي صوت أندرو هانسن للمرة الأولى، لا كاسم مكتوب على شاشة، بل كنبرة بشرية تستعيد حضورها من وراء الحروف. فقد كنت أعرفه قبل ذلك معرفة رقمية عابرة، كأحد أولئك الذين يسكنون فضاء الإنترنت بلا ملامح صوتية، غير أنّ صوته ظلّ حتى تلك اللحظة غائبا عني، وكأنّ شخصيته لم تكتمل إلا حين انكشف لها البُعد السمعي. وكان أندرو من أولئك الذين ينتسبون إلى ما يُعرف اليوم بـ"المانوسفير"؛ ذلك الفضاء الذكوري الافتراضي الممتد عبر العالم، حيث يتقاطع الرجال في محاولة لفهم الذكورة التقليدية، وتشريح العلاقات بين الجنسين، وإعادة بناء الذات على ضوء وعي جمعيّ متنازع عليه بين التيارات.
كان يُعرف هناك باسم الرجل الخفي، وهو الاسم الذي اتخذه لمدوّنته، ثم لازمه في تويتر وسائر المنصات، حتى غدا أقرب إلى هوية فكرية منه إلى مجرد لقب، وربما سيبقى ذلك الاسم هو الأشد رسوخا في الذاكرة، متقدّما على اسمه المدني ذاته.
وقد خضتُ معه قبل ذلك البودكاست نفسه في نقاشات فكرية ثرية، كان فيها محاورا رصينا، يمتلك قدرة لافتة على بناء الحجة، ويستند إلى خبرة شبه موسوعية في قضايا العلاقات بين الجنسين، وتجارب الطلاق، وإعادة بناء الحياة من منظور "الرجل الناضج" الذي يبدأ من منتصف الطريق لا من بدايته. ولستُ أزعم اتساقا كاملا بيننا؛ فقد كانت بيننا اختلافات جوهرية في أكثر من موضع، وكنتُ أحيانا أعارض ميله إلى ما يمكن تسميته بـالحبة البنفسجية؛ أي ذلك الاتجاه الذي يحاول تليين خطاب الحبة الحمراء وتخفيف حدته ليكون أكثر قبولا اجتماعيا، ولو جاء ذلك على حساب صرامة الحقيقة كما يراها أصحاب هذا التيار. غير أن ما ميّز "الرجل الخفي" أنه لم يكن يهرب من الوجه القاسي للواقع، بل كان يقيم معه علاقة مواجهة هادئة، كمن يتأمل المرآة مهما كانت صورتها مزعجة، ثم يكتب عنها دون أن يلتفت.
كان كثيرا ما يبدأ بكتابة مقالات نقدية حول محتوى سطحي يصادفه، فيحاول تفكيكه وقياس أثره على وعيه، بينما كنتُ أراه — من مكاني في النقاش — أقرب إلى من يحفر في انفعاله الخاص بحثا عن المعنى الكامن خلفه، لا مجرد ردّ الفعل الظاهر. وهكذا كان الحوار بيننا أشبه بتمرين فكريّ مزدوج: تحليلٌ للعالم من جهة، وتحليلٌ لردود الفعل تجاهه من جهة أخرى.
أما أثره في الفضاء الذكوري، فقد تمثّل بصورة لافتة في قدرته على استقطاب الرجال الأكبر سنّا. وليس ذلك أمرا عرضيا لرجل دخل هذا الحقل في أواخر الخمسينيات من عمره، بل يرتبط بطبيعة الجمهور الذي كان يخاطبه: رجالٌ يشبهونه في التجربة، اصطدمت وعيهم المتأخر بصحوة قاسية، اكتشفوا معها أنّ ما نشؤوا عليه من "تكييف بالحبة الزرقاء" لم يكن سوى سردية غير مكتملة عن العلاقات والحياة. وهذه الفئة بالذات هي من أعسر الفئات استجابة للتغيير؛ إذ حين يُعيد الرجل، في منتصف العمر أو بعده، مراجعة البنية التي شيّد عليها حياته العاطفية منذ السبعينيات، ويكتشف أنّ كثيرا من افتراضاته لم تكن سوى أوهام اجتماعية متوارثة، يكون عرضة إما للانكفاء في مرارة صامتة، أو للاحتراق الداخلي البطيء.
كان الرجل الخفي قادرا على أن ينزلق إلى أحد هذين المسارين، لكنه اختار مسارا آخر؛ فقد جاءت صحوته، رغم تأخرها، محمّلة بنبرة إيجابية نادرة، وكأنها لم تُولد من صدمة فقط، بل من إعادة تأويل للصدمة ذاتها. وأظنّ أن هذا التحول لم يكن طارئا عليه، بل أقرب إلى قدر داخليّ استقرّ في طبعه منذ البدء، فانعكس في كتاباته كلها كاتجاه هادئ نحو التصالح لا نحو الانهيار.
وحين كنتُ أكتب كتابي السابق "الطبّ الوقائي"، كان السؤال الذي يلاحقني بإلحاح شبه وجودي هو: أين كان هذا الوعي حين كنا في بداياتنا؟ لماذا لم يُتح لنا أن نرى الصورة قبل أن ندخل التجربة بكل ما فيها من التزامات وانكسارات؟
كثيرا ما يُطرح هذا السؤال في أوساط الرجال الأكبر سنا، بنبرة لا تخلو من المزاح المرير، وكأنه محاولةٌ متأخرة لمصالحة الندم. غير أنّ هذا الشعور لم يكن حاضرا لديّ حين كنت أستمع إلى "الرجل الخفي". لم يكن في حضوره ما يستدعي الحسرة، كأنه تصالح مع توقيت وعيه، وقَبِل به دون أن يُثقله شعور "لو أنّي". لقد اعترف بأوهامه السابقة دون أن يسمح لهذا الاعتراف أن يتحوّل إلى عدمية أو انهيار قيمي.
ومعلومٌ أن الرجل، حين يمرّ بتحول إدراك الحبة الحمراء، يمرّ غالبا بمرحلة العدمية؛ تلك اللحظة التي تتفكك فيها البنية القديمة للمعنى، فيجد نفسه أمام احتمال إعادة بناء الذات من الصفر، بعد أن تتكشّف له هشاشة كثير من قراراته السابقة. غير أنّ "الرجل الخفي" لم يظهر وكأنه عالقٌ في هذه المرحلة، أو أنه إن عبرها فقد فعل ذلك في صمت تام، دون أن يجعل منها هوية أو سردية مهيمنة. وكان أبرز ما يميّزه — في تقديري — ذلك الميل الإيجابي الجذري الذي يطبع رؤيته للعالم، وهو إيجابٌ لا يُقصد به التفاؤل الساذج، بل القدرة على استبقاء المعنى رغم قسوة الاكتشاف.
وفي أحد الأيام، كنتُ أعرج في طريقي نحو سيارتي بعد إصابة في القدم، وكانت سماعاتي تبثّ صوت "الرجل الخفي" في أحد بودكاستاته، فيما أذكر أنه كان ضمن برنامج يُشبه "راديو الفضاء الذكوري" أو ما يقاربه في الاسم. ظلّ الصوت يرافقني حتى السيارة، ثم امتدّ معي في الطريق إلى البيت، كأنه يثبت وجوده خارج الشاشة لأول مرة في تجربتي معه. وقد تبدو هذه التفصيلة هامشية في ظاهرها، لكنها ستبقى، على بساطتها، اللحظة التي ارتبط فيها اسمه في ذاكرتي بحضور صوتيّ حيّ، لا بمجرد نصوص مكتوبة.
وكان ذلك قبل نحو ثلاثة أشهر من نشر "الذكر العقلاني"، حين كنتُ ما أزال في حالة ترقّب حادّ لتلقيه، مثقلا بسؤال "ماذا لو" الذي يسبق كل عمل جديد. وفي تلك اللحظة تحديدا، حين سمعت صوته وهو يقدّم ما اعتاد تقديمه، تولّد في داخلي يقينٌ هادئ بأنه ليس مجرد صوت عابر في هذا الفضاء، بل رجلٌ يمكن أن يُبنى معه حديثٌ طويل، وربما حتى جلسةٌ واحدة على فنجان دافئ، بلا أقنعة ولا وسائط.
القُرب مهم في جوهره، ليس مسافة تُقاس بالأمتار، بل درجةُ انكشاف بين إنسان وآخر. ونحن، في هذا العصر الرقمي، كثيرا ما ننسى أن ما يمرّ أمامنا من كلمات على الشاشات ليس مجرّد إشارات مجردة، بل آثارُ أرواح حية من لحم ودم، لكلّ منها طبقاتها الخفيّة من الفرح والانكسار. بعضُ تلك الأرواح تأخذك إليه من اللحظة الأولى، وبعضها الآخر يبعث فيك ارتياحا صامتا حين تتراجع عنه ببطء، لا لقصور في الفكرة، بل لاختلاف في النبرة الإنسانية الكامنة خلفها. فقد تكون الفكرة في ذاتها لامعة، بل حدّ العبقرية، بينما تكون الشخصية التي تحملها شيئا آخر تماما، أكثر تعقيدا وغموضا مما تسمح به القراءة السطحية.
وفي طريقة أندرو في الكلام — تلك الجدية التي تتخفّى خلف سخرية هادئة محسوبة — كان المرء يشعر، بلا تكلّف، أنه أمام رجل طيّب في عمقه، لا في ادّعائه. كان يحمل مفارقة لطيفة في ذاته: رجلٌ يختار لنفسه لقب الرجل الخفي، في حين أن حضوره، في حديثه وسلوكه، كان من أكثر الحضور وضوحا وانكشافا. لم يكن خفيّا إلا بالاسم، أما في الجوهر فقد كان أقرب إلى انكشاف إنسانيّ صادق.
وبين عام 2013 ووفاته في 2017، جرت بيننا محادثات شخصية متفرقة، كان هو من بادر في إحداها بطلب رقم هاتفي. كان يعيش وحيدا مع كلبه، على ما أذكر، وكأن العزلة بالنسبة له لم تكن عزلة قطيعة، بل عزلة تأمل تحتاج إلى صوت بشريّ خارج الدائرة المعتادة. وفي مرحلة لاحقة، مرّ بضائقة مالية، وطلب مساعدة بسيطة، غير أن ما كان أكثر حضورا من الحاجة المادية ذاتها هو السياق الذي أحاط بها: قد صار يعلم، في تلك الفترة، أنه يفقد إحدى عينيه بفعل تمدد السرطان، وأن الجسد بدأ يُغادره ببطء محسوب.
إن المرض الخبيث لا يكتفي بمهاجمة الجسد، بل يعيد تشكيل الداخل على نحو أعمق مما يبدو على السطح؛ فهو يبدّل علاقة الإنسان بزمنه، وبذاكرته، وبمعنى استمراره نفسه. ومع ذلك، حين تحدثتُ إليه في تلك المرحلة، كان واضحا أنه يخفي أكثر مما يُفصح، كأن الألم قد تعلّم عنده لغة الصمت بدل الصراخ. ومع كل ذلك، ظلّ محافظا على ذلك النسق الإيجابي الذي عُرف به، كمن يمشي على حافة الانهيار دون أن يسمح لخطوته أن ترتجف، أو لصوته أن ينكسر. ثم جاء الخبر كقضاء محتوم لا مردّ له: أنّ السرطان قد اشتدّ حتى استيأس منه الرجاء، فأيقن أندرو، وكتب بيده في سكينة العارفين، أنه مقبلٌ على القطار الأخير إلى محطة لا عودة بعدها ولا لقاء. والفناء، في جوهره شأنٌ شديد الخصوصية، سرٌّ فرديّ لا يُستعار ولا يُقاس بغيره. ولستُ للإنصاف من الذين يحسنون الإقامة الطويلة في تأمل الموت؛ فالفكرة ذاتها ليست مما تألفه النفس أو تستسيغه. كثيرا ما نسمع الرجال يتحدثون بلغة مهيبة عن "الموت بشرف" و"الرحيل بكرامة"، غير أنّ الحقيقة، حين تُجرّد من زخرف الخطابة، أبسط وأقسى: الميت ميت، والغائب غائب، ولا بلاغة تُعيد ترتيب هذا الانقطاع.
وسأعود إلى هذا المعنى في مواضع لاحقة من هذا الكتاب، غير أنّ ما يكفي قوله هنا: إنّ القلّة النادرة من الرجال هي التي تترك أثرا حقيقيا ممتدّا في نسيج هذا العالم. أما "الرجل الخفي"، فلم يكن في مرتبة أولئك الذين يُقاسون بإنجازات من طراز ستيف جوبز، لكنه مع ذلك خلّف أثرا دقيقا وعميقا في البنية الخفية للوعي الذكوري، أثرا يصعب محوه أو تجاوزه.
لقد تعامل مع حياته كما هي، بلا صخب ولا اعتراض زائد، فتقبّل مصيره بطمأنينة هادئة وقلة كلام، على نحو يشي بنضج داخليّ نادر. وكما استقبل وعي "الحبة الحمراء" لا كصدام أيديولوجي، بل كتجلّ تدريجي للحقيقة استقبل أيضا اقتراب نهايته بالسكينة ذاتها، وكأن الاتساق الداخلي عنده ظلّ ثابتا حتى اللحظة الأخيرة. بل إنه، على نحو يكاد يكون أقرب إلى طقس وجودي، أقام لنفسه حفل وداع قبل رحيله بأسابيع، وقد تُرك تسجيله محفوظا على مدوّنته كأثر يُخاطب من يأتي بعده.
وحين أعلن اقتراب أجله، طلبتُ منه فورا أن يشرّفني بكتابة مقدمة هذا الكتاب الذي بين يديك. لم أكن أطمح إلى شيء بقدر ما كنت أرجو أن يبقى أندرو حاضرا في هذا العمل حضورا مباشرا. غير أنّ القدر لم يمهله، فوجدتُ نفسي أكتب هنا مقام الرثاء بدل المقدمة التي كان يمكن أن يكتبها هو لنفسه.
ولذلك، أعدتُ تسمية هذا الكتاب "الذكورة الإيجابية" تكريما لما أضافه "الرجل الخفي" إلى وعينا الجمعي، ولما مثّله من نموذج مختلف في الفهم والتجربة. وحين تتصفح هذه الصفحات، فاحمل هذا المعنى في خلفية وعيك.
لقد اعتاد منتقدو الحبة الحمراء في صورتها الأصيلة القائمة على قراءة صارمة، وإن كانت مضيئة، لديناميكيات العلاقة بين الجنسين — أن يختزلوها في صورة رجال غاضبين، متجهمين، عدميين، يفرغون إحباطاتهم الاجتماعية في خطاب حاد. وفي زمن يُربّى فيه الصبيان على الارتياب من أي تعريف تقليدي للذكورة، يصبح من السهل تصديق فكرة أن الذكورة ذاتها لا تحمل أي قيمة إيجابية. غير أنّ هذا التصوير، في جوهره، اختزالٌ قاصر لا يصمد أمام التجربة.
ففي الرجل الواعي بـ"الحبة الحمراء" ما يتجاوز بكثير هذا التوصيف السطحي؛ هناك طبقة أعمق من الفهم، ومسارٌ من الإدراك لا يُختزل في الغضب ولا في المرارة. وآمل أن يكون هذا الكتاب بمثابة توازن معرفيّ وإعادة ضبط لصورة شاعت عنها أحكامٌ جاهزة، غالبا ما تكون مقصودة أكثر مما هي بريئة.
لقد كان الرجل الخفي تجسيدا حيّا لمعنى عزّ نظيره في هذا الزمان؛ رجل انطوى في صمت شريف، وترك في الوجود أثرا لا تراه العيون لكنه يسكن الوعي ويجري في خفاء البصائر. ومن اسمه أُهدي هذا العمل، كأنما الاسم ذاته صار شاهدا على المعنى ومفتاحا إليه.
وإن كانت الأعمال تُشيَّد لتبقى بعد أفول أصحابها، فإن هذا الكتاب على تواضع حرفه وقصوره عن بلوغ مقامه ليس إلا نصبا رمزيا، ورثاء هادئا في هيئة نصّ، نحفر به في الذاكرة أثرا لا تمحوه الأيام، ونستبقي به حضور رجل غاب بالجسد وبقي بالمعنى، كظلّ حكمة يمرّ في تاريخ الفكر الذكوري فلا يزول.
رولو توماسي
13 أبريل 2017
المقدّمة التمهيدية
"القرارات الحكيمة تُولد من رحم التجربة، وتولد التجربة من رحم القرارات الخاطئة."
من أعسر ما واجهتُه حين قررتُ الانخراط في النموذج الجديد للذكورة "الحبة الحمراء" كان أن أفهم لماذا أعيرها هذا الشغف الحارق. منذ بداية مساهمتي في منتدى "SoSuave" والفضاء الذكوري عامة، حرصتُ دوما على ألّا أُقيم أفكاري الكبرى على تجاربي الشخصية وحدها. ذلك الخطأ هو الطريقة التي تفكّر بها المرأة بطبيعتها: تُجزّئ العام إلى خاص، ثم تبني من الخاص حكما كونيا عاما. وليس الاستغراق في الذاتية أقصى درجات التمركز حول الذات فحسب، بل هو أيضا قصرٌ ذريع عن رؤية الاستثناءات التي تُثبت القاعدة لا تنفيها.
لهذا أحجمتُ عن تضخيم تجربتي الذاتية. يسهل على القارئ أن يختزلك في الظروف التي شكّلت قناعاتك. وهذه في الواقع من أسهل طرق "قراءة" المرأة: فتجاربها وشعورها بأهمية ذاتها يُصبحان مرجعها الوحيد في تفسير الواقع. أردتُ نهجا أكثر براغماتية، تزامن مع انغماسي في علم النفس السلوكي. "الغايم" — أو ما غدا يُعرف بالوعي التطبيقي بين الجنسين — هو ما دفعني في تلك المرحلة. في أوائل كتاباتي كنت أريد أن أفهم كيف يعمل التلفاز من الداخل، لا أن أكتفي بضغط الزر ومشاهدة ما يُعرض. أردتُ تفكيكه وإعادة تجميعه من الصفر.
ومع ذلك ظلّ السؤال قائما: لماذا يهمّك أصلا أن تُوقظ الرجال؟
لقد "صحوتُ" أنا دون أن يُسندني مجتمع عالمي من الرجال يتشاركون تجاربهم، فلماذا أُكبّد نفسي العناء؟ حين أكتب هذه الكلمات، يمتد ورائي زواج يعدّه معظم الرجال ناجحا استثنائيا بلغ عشرين عاما. لديّ ابنة بالغة ذكية وجميلة. حياتي المادية والمهنية فوق المقبول. فلماذا كلّ هذا الإصرار على أن تُسمع؟
سيقول المشككون إنها حاجة الأنا إلى الإطراء. وفي ذلك بعض الحقيقة دوما؛ كل كاتب يضخّ من ذاته فيما يكتب. لكن حين أُضطرّ للإجابة عن هذا السؤال بصدق، لا مناص من تقديم تجربتي الشخصية شاهدا — وإن كنت أكره ذلك لأن المنتقدين يُسارعون إلى توظيفها: هو مرير، هو مجروح، هذا تنفيسٌ عن مكبوتاته. لكنها ضرورة لا فرار منها من أجل الفهم الأعمق. لن أدّعي الحياد المطلق، فلا أحد محايد تماما، لكنني أسعى إلى أعلى درجات التحليل الذاتي فيما أُقدّمه.
فما الذي يُقلقني؟
يُقلقني أن أعيش في عالم ازدحم بشبان جرى تشكيل وعيهم على أن كل ما يمتّ إلى الذكورة التقليدية بصلة هو مادةٌ للسخرية أو التهجين أو الإدانة، حتى ضاعت في أذهانهم معالمها الأولى، وغاب عنهم أصلها، وانقطع عن مخيلتهم أن يكون فيها معنى الجمال أو الجاذبية أو الوقار.
يُقلقني أن أنتهي بصديق لي، مُصاغ على هيئة "بيتا" في علاقاته، أن يُطفئ حياته برصاصة، لا لشيء إلا لأنه عجز عن احتمال العيش بعد رحيل الحبيبة، وكأن وجوده كله كان معلّقا بها وحدها، فإذا انقطعت انطفأ.
يُقلقني أن أرى زوجة قسّ، فائقة الجمال، تترك زوجها وأربعة أطفال بعد ثمانية عشر عاما من الحياة المشتركة، ثم تنساق وراء موجات رغباتها المتقلبة ذات الطابع الهيبرغامي، بعد أن رُفعت داخل العلاقة إلى مرتبة المعبود، بينما سُحقت صورة الرجل، وسُحقت معها فكرة الرجولة ذاتها.
يُقلقني أن يفضي إليّ رجلٌ في الخامسة والستين، وقد شرب الحبوب الزرقاوية منذ شبابه، وهو يذرف دموعه في حضني، يحكي كيف تحوّل زواجه إلى معادلة ابتزاز عاطفي طويل، وكيف عاش عمره خائفا من الاعتراض، خشية أن يفقد ما لا يجرؤ على خسارته.
يُقلقني أن أجد نفسي أهدّئ صديقا عند الفجر، في ساحة موتيل صامت، وأطفاله الثلاثة يبكون في خلفية سيارة صغيرة، وهو واقفٌ على حافة فكرة قاتمة تجاه زوجته، بعد أن انكشفت له خيانةٌ مزّقت بداخله كل تماسك.
يُقلقني أن أجلس على مائدة عيد الشكر، في مشهد يبدو ساكنا من الخارج، مع امرأة متدينة صارمة وزوجها الثري الجديد، الذي جاء بعد ثمانية أشهر فقط من انطفاء زوجها الأول ذلك "البيتا" الذي أفنى عمره في بناء البيت، ثم أرى كيف تبدّلت الأقدار على الطاولة: إرثُ رجل صبور، ورفاهيةٌ جديدة تُستهلك بلا ذاكرة، وكأن الماضي لم يكن سوى ظلّ عابر. ويُقلقني أن أُحدّق في ملامح الجسد المُجدَّد، وفي البورش التي اشترتها من جهد انطفأ صاحبه في القبر، ولم تمضِ ثلاثة أشهر على دفنه.
يُقلقني أن أعلّم ابن أخي كيف لا يكون نسخة مكررة من أبيه "البيتا"، وأنا في الوقت نفسه أُصارع كي لا أقول له ما أراه خلف الستار من ديناميات الهيبرغامية الانتهازية التي تدور بصمت حوله دون وعيه.
يُقلقني أن أرى أبي، وقد أكل منه الزهايمر أطراف الذاكرة، ما يزال يحاول لعب دور المنقذ، كأنه يراهن على استراتيجية قديمة لم تمنحه يوما إلا الخسارة، ثم يعود إليها رغم أنه كان قد دفع ثمنها في التقاعد المبكر عند الثالثة والخمسين، وبعد أن تركته زوجته الثانية مباشرة.
يُقلقني أن أواسي صديقا له ثلاث بنات من زوجتين، يُعاد عليه المشهد نفسه اليوم مع امرأة ثالثة، أمّ عازبة تستنزفه نفسيا، حتى صار يهرب من بيته إلى عمله، ولا يرى في أيامه إلا انتظار نهايات الإجازات.
يُقلقني أن أرى شابا حسن النية، يظن أنه يخرج عن الرجال الآخرين، فيرتبط بأمّ عازبة لها ثلاثة أطفال من علاقات مختلفة، ثم يُضيف إليها طفلا رابعا، تحت شعار أخلاقي نقيّ: "هذا هو الصواب".
يُقلقني أن أتعامل مع فتاة في السابعة عشرة، شهدت بعينيها طعن حبيبها الجديد ثلاثين طعنة، على يد من كان يرى فيه امتدادا لقدر محتوم، ويؤمن أن فقدها يستحق أن يُقابَل بما يشبه الفناء.
ويُقلقني أخيرا أن أُحاول إقناع "المرأة الحديثة" بأن زوجتي بعد عشرين عاما من الزواج ما تزال تحتفظ بجاذبيتها وثقتها، وما تزال تُقرّ بقراري وتوقّره، لا لأن علاقة هيمنية حطّمت إرادتها، ولا لأننا عُدنا إلى زمن القسر، بل لأن ذلك كان ثمرة التزام واع طويل، ونضج متبادل، وبناء صبور لدور الذكورة الإيجابية كما تُفهم ضمن وعي الحبة الحمراء لا كشعار صاخب، بل كبنية سلوكية داخل الزواج حين يستقيم ميزانه ويثبت. وأكبر مشكلاتي أن أرى شبانا في الرابعة عشرة بيتاوات في طور التشكّل مُهيَّئين سلفا لأن يُقدّموا أنفسهم قرابين على مذبح أسطورة الروح التوأم ومثالية الحب الرومانسي التي تصنعها وسائل الإعلام الجماهيري وتباركها ثقافة البوب المُؤنَّثة وكلّ ذلك لأن البيتاوات الآخرين عالقين في المستنقع ذاته يُصادقون بعضهم ويُشجّعون بعضهم على الغرق أكثر فأكثر، وينشرون هذا الداء إلى كل شاب يمرّ بجانبهم. إنه وباء حقيقي، والتواطؤ كالشقاء يحبّ الرفقة. وخوفي الأكبر أنني رجل واحد، ولا أستطيع أن أكون وحدي ذلك الدافع الذي أخفق فيه آباء هؤلاء الشباب ويأبون الأداء.
لهذا أُعنى بما أُعنى به. وهو فعلا في بعض الأحيان مسألة حياة أو موت.
إنّ فهم "الغايم" — بكل ما تحمله من معنى — هو مهارة بقاء حقيقية. فكّر في حجم الأثر الذي تتركه في حياتنا، وما نظنّه أحكاما بسيطة عن الحبّ والجنس والعلاقات وطبيعة الجنسين، بينما هي في الحقيقة أحكام مشوّهة بُرمجنا عليها. فكّر في الأثر التراكمي لهذه القرارات: على ذواتنا، على عائلاتنا، على أطفالنا، على كل ذلك التسلسل اللانهائي من التداعيات التي قد لا تُدرك خيوطها عند اتخاذ القرار. ما نفعله في هذه الحياة يتردّد صداه ويتموّج إلى الأبد — وهذه ليست حكمة ثقيلة من ورقة بخت، بل هي المنطق الذي يقف وراء إصراري على الدراسة والتعليم والتفكيك وإعادة البناء. نعم، هل نحتاج إلى كتاب آخر؟
تجرأت في سبتمبر 2015، لأول مرة على الظهور علنا في لاس فيغاس في مؤتمر "الرجل الطامح" الذي استضافه صديقي الجيد كريستيان ماكوين. اجتمعنا أنا وهو ومدوّنا "غولدموند" و"تانر غوزي" في يوم سبت أردناه نسخة "TED" للفضاء الذكوري، ملتقى عقول واعية بـ"الحبة الحمراء". وقد كان توليفة متوازنة رائعة من تجارب الرجال.
مَنَحني القدَرُ في ذلك المؤتمر لقاء رجال من شتى مشارب الحياة. التقيتُ شبانا في أوائل العشرينيات ورجالا في أواخر الستينيات. موظفين ومتدرّبين وطلابا جامعيين ومحققا خاصا وضابط شرطة ورجالا جاؤوا خصيصا من قاعدة جوية في كوريا الجنوبية. منحني أحدهم ميدالية عسكرية تقديرا لعملي. التقيتُ بعسكريين وشاب ركب حافلة عبر البلاد لأجل مقابلتي. التقيتُ بآباء أخبروني أنهم سيضعون كتابي الأول في يد أبنائهم حين يبلغون من النضج ما يُمكّنهم من فهمه. والتقيتُ بأبناء جاؤوا مع آبائهم ليسمعوا حديثي الأول وجها لوجه. لا داعي للقول إن ذلك الكرم والتواضع الذي أُغمرت به حين يشكرك الرجال لأن كتابتك أنقذت حياتهم أو حسّنتها — بالمعنيين الحرفي والمجازي — كان من أعمق تجارب حياتي.
سألني في المؤتمر أحدهم: "عم ستكتب حين تستنفد كل ما في "الحبة الحمراء"؟" توقفتُ لحظة؛ لم يخطر ببالي يوما أنني قد أنضب. بل إن حضور كل هذه الوجوه المتنوعة في لاس فيغاس كان وحده دليلا على عمق امتداد وعي "الحبة الحمراء" في سياقات لا تُحصى. ثمة نكتة متداولة بيني وبين متابعيّ تقول: إن لكل موقف وقضية ولقطة خلافية بين الرجل والمرأة مقالة في "الذكر العقلاني". لا أُوافق تماما، لكنني أفهم المشاعر من ورائها — أربعة عشر عاما من الكتابة المتراكمة تُقنعك بذلك.
هل استنفدتُ كل ما يمكن قوله؟ في وقت كتابة هذه السطور بدأ ناسٌ لا يعرفون "رولو توماسي" يُرسلون إليّ اقتباساتي استشهادا بها في نقاشاتهم، مما يعني أن الرسالة باتت أكبر من صاحبها. مكانٌ غريب حقا.
ومع ذلك، لا أعتقد للحظة أنني استنفدت كل ما في ديناميكيات العلاقة بين الجنسين ووعي "الحبة الحمراء". هذا الحقل واسع بقدر اتساع الفوارق بين استراتيجيات الحياة الكاملة للرجل والمرأة. في السنوات الثلاث ونصف التي تلت صدور كتابي الأول، تفرّعت مدوّنات لا تُحصى تتناول تخصصات دقيقة: الرجال من أعراق وخلفيات متعددة، المتزوّجون، و"الميغتاو" والأبعاد الدينية والسياسية.
"الحبة الحمراء" — بمعناها الأصيل القائم على الدينامية النفسية والاجتماعية والشخصية بين الجنسين — لم أحتج يوما لتصنيفها. يسعدني أن عملي أصبح أساسا لهذه التفرّعات، لكن دوري الأول والأهم هو الالتزام بالأسئلة الكبرى والحقائق التأسيسية.
غايتي من الكتابة هي خدمة الرجال؛ وستظل كذلك، أن أُوقظ من وصل إلى حافة النهاية لكنه ما زال يتوق إلى فهم الـ"لماذا" و"الكيف" التي قاده إلى ما هو فيه، وأن أعينه على تجاوز الحواجز التي أعاقت صحوته.
المفهوم الأساسي: البراكسيولوجيا
تُمثّل "الحبة الحمراء" — بالتعريف الذي أتبنّاه — براكسيولوجيا: أي الدراسة الاستنتاجية للسلوك الإنساني القائمة على مبدأ أن الإنسان يتصرّف بقصد ووعي، لا بانعكاس فيزيولوجي لاإرادي كالعطس أو السقوط. وانطلاقا من هذا المحور، يمكن استنتاج أحكام عن السلوك البشري تتسم بالموضوعية والعالمية. فحين نُقرّر أن الإنسان يختار، نُقرّر ضمنا أن له تفضيلات، وهذا لازم لكل من يُظهر سلوكا إراديا مقصودا.
لهذا أواصل استخدام عبارة "وعي الحبة الحمراء" في كل ما أكتب. فحين يُوقظ الرجل وعيه الحقيقي ويُعيد ترتيب حياته وفقه، يمتدّ هذا الوعي إلى كل أبعاد حياته، لا إلى علاقاته بالجنس الآخر فحسب. يصبح قادرا على رؤية من حوله — الرجال والنساء على حد سواء — وهم أسرى التكييف الأزرق ذاته الذي كان هو فيه، يُدركون وجودهم الاجتماعي والشخصي بمنظار التكييف الأنثوي المهيمن الذي شكّل حياتهم حتى غدا لا شعوريا فيهم لا يستطيعون تخيّل الحياة بدونه.
أدعوك في هذا الكتاب، إلى استحضار فكرة "الحبة الحمراء" كبراكسيولوجيا في كل لحظة قراءة. إنها علم رخو بامتياز، لكنها كعلم تبقى منفتحة دوما على البيانات الجديدة والخبرات الإنسانية الواسعة، وبالتالي على إعادة التأويل والتجريب والتقييم المستمر. "الحبة الحمراء" ما زالت في طور التشكّل. وهي دراسة حيّة بكل المعاني.
الذكورة الإيجابية
حين شرعتُ في تأليف هذا الكتاب وتجميع مادته وإعادة صياغتها، كان العنوان الأولي الذي يراودني هو: "الذكر العقلاني — الحبة الحمراء". غير أنه مع تقدّم العمل انعطف مساري نحو "الذكورة الإيجابية". وجدتُ نفسي في لحظة ما قد تحوّلت عن هدفي الأوّل — شرح التعريف الأصيل لمصطلح "الحبة الحمراء" والذود عنه في وجه التشويه المتصاعد الذي طال معناه — لأميل بدلا من ذلك نحو استجلاء الطرق العملية التي يمكن لهذا الوعي أن يُثري حياة الرجل؛ داخل نطاق العلاقات بين الجنسين وخارجه على حد سواء.
كنت قد لامستُ هذه الأفكار في سلسلة "تربية الأبناء وفق الحبة الحمراء" قبل سنوات، وكنت أعلم أنني سأعود إليها وأجعل منها ركيزة أساسية في هذا الكتاب. في صيغته الراهنة، تستأثر تلك السلسلة بربع مضامينه كاملا. لكنني كلّما توغّلت في الكتابة، اقتنعتُ أكثر بأن أجدر طريقة لتعريف "الحبة الحمراء" كما أفهمها هي استعراض الأوجه المتعددة التي يمكن للرجل بها أن يُعيد تعريف ذكورته لنفسه، تعريفا تقليديا راسخا ومبصرا بالحبة الحمراء.
حين أتممتُ قسم التربية أدركتُ أنني كنت في الواقع أضع تصوّرا عاما — وربما معياريا — لكيفية تنشئة الآباء لأبنائهم وبناتهم داخل نظام اجتماعي مُهيمَن عليه أنثويا، نظام مصمَّم أصلا لتشكيل الأجيال القادمة ومحاصرتها. كان هدفي من السلسلة ومن هذا القسم واحدا: تزويد الآباء بأدوات تفكير واعية بالحبة الحمراء، تُمكّنهم من تربية أبنائهم وبناتهم على هذا الوعي ذاته، لمواجهة عالم يتصاعد فيه الإلحاح على إقناعنا بأن الأب ليس ضروريا بل ربما كان خطرا داهما.
من هذه النقطة تحديدا وُلد في ذهني الرابط الجامع: ما كنتُ أفعله هو إرساء مصالحة طال انتظارها مع مفهوم الذكورة التقليدية الإيجابية، ومعناها للأجيال القادمة من الرجال الواعين بالحبة الحمراء. فمنذ مشاركاتي في منتديات "SoSuave" وتأسيس مدوّنتي، وأنا أستخدم مصطلح "الذكورة الإيجابية" — بل جعلتُ له تصنيفا ثابتا في شريط مدوّنتي منذ بدايتها. دافعٌ ظلّ يُلازمني منذ أولى كلماتي: إنصاف الذكورة التقليدية الإيجابية المتطوّرة — وأدوار الجنسين المتطوّرة معها — وتمييزها من ذلك "السمّ الذكوري" المتعمَّد الذي تُرسّخه "قرية الضرورة الأنثوية" باعتباره الوجه السائد للرجولة اليوم.
لطالما رأيتُ ضرورة تصحيح هذا التشويه المتعمَّد للذكورة، وإحلال السمات التقليدية الحقيقية للذكورة المتطوّرة بيولوجيا ونفسيا في موضعها اللائق.
وكما يمكنك أن تتوقّع، ليست هذه مهمة يسيرة حين يجد الرجل الواعي بالحبة الحمراء نفسه محاصرا بأشكال متعددة من تشويه الذكورة. نعيش في عصر تتماهى فيه كل تجل للذكورة التقليدية مع "التنمّر" أو "الذكورة المفرطة". يُعلّمنا التكييف الأزرق أن القوة المتأصّلة في الرجل ينبغي ألّا تُعدّ "ذكورية". إذا تصرّف غلام على نحو ذكوري تقليدي وجب تهدئته بالدواء؛ وباتت الثقافة السائدة تقبل أن يُقرّر صبي لم يتجاوز الرابعة من عمره جنسَه المختار، حتى إن الأطباء باتوا يُحرّفون فيزيولوجيته كيمياويا بحظر الهرمونات وتحويله إلى أنثى.
في نظر "قرية التكييف الزرقاوي"، تعريف الذكورة إمّا غامض شخصي تعسّفي، وإمّا وحش مرعب مثير للسخرية. حتى أبسط تعبير عن الذكورة التقليدية يُضخَّم ليغدو طقسا بربريا أو نوبة مكايدة ومباهاة لا معنى لها. وبين كل هذا الحقد المتراكم على الذكورة، وبين غياب أي معيار واضح لما قد تقبله الثقافة الأنثوية المهيمنة باعتباره ذكورة "مقبولة"، نجد أنفسنا أمام سؤال مشروع: هل في الذكورة شيء إيجابي البتّة؟
لا يبقى أمامنا سوى خلاصة واحدة في ضوء كل هذه الشواهد: ثمة حرب مفتوحة على الذكورة التقليدية تدور في المجتمعات الغربية "التقدّمية" منذ أجيال.
وجدتُ صعوبة حقيقية في تحديد ما تعنيه "الذكورة الإيجابية" للرجل الواعي بالحبة الحمراء. من أشد أساليب التكييف الأزرق غدرا في خصي الذكورة، هو استقطابه للرجال أنفسهم ليُنفّذوا عملية إخصائهم بأيديهم. هؤلاء الرجال في معظم الأحيان لم يتلقّوا أي توجيه حقيقي في مسائل الذكورة التقليدية، ولم يتعرّضوا على تجليّاتها، لأن التكييف الأزرق حرمهم من النضج إلى إدراكها. الأب الأزرق يُربّي ابنا أزرق، وتتكرّر الدورة — لكن في أعماقها يكمن ضمانٌ أن يُحرَم ذلك الابن الأزرق من التعليم الحقيقي في معنى الرجولة.
هذا الكتاب محاولةٌ رحبةٌ لمدّ الرجال بأفكار قابلة للتطبيق في حياتهم، عبر عدسة وعي الحبة الحمراء لا بوصفها عقيدة جامدة، بل إطارا إدراكيا لفهم الذات والعلاقات. وهو ليس كتابا عجائبيا يعدُك بتحويل سحريّ إلى "ذكر ألفا"، ولا هو دليلٌ إجرائيّ مرقّم الخطوات لإعادة برمجة العقل وتحسين الحياة على نحو آليّ ميكانيكي. فإن وقع من ذلك شيءٌ من التحول، فذاك فضلٌ غير مقصود، غير أنّي لا أملك لك ولا لغيرك وصفة جاهزة تُسلَّم كما تُسلَّم المفاتيح، وأُحذّر عن تجربة ومعرفة بطبيعة هذا السوق من الانخداع بصيغ المدرّبين أو مرشدي الحياة الذين يبيعون يقينا مُعلّبا في عبوات مريحة.
إن الحبة الحمراء في أصلها ليست قالبا واحدا يُفرض على الجميع، ولا معيارا يُقاس به الناس على نسق متطابق، بل هي أقرب إلى مرآة متعددة الوجوه، يعكس كل وجه منها تجربة رجل مختلف. ولكل رجل مساره الخاص في الفهم والتطبيق تبعا لموضعه من الحياة، ولظروفه النفسية والاجتماعية، ومدى ما راكمه من تجارب وخسائر وانتصارات، فليست المسألة وصفة واحدة تُعمَّم، بل هندسةٌ فردية دقيقة، يتشكّل فيها الوعي على قدر ما يحتمله صاحبه من الحقيقة، لا على قدر ما يُراد له أن يصدّقه.
ما أملكه لك هو سلسلة من الأفكار والمفاهيم والملاحظات التي تُعينك على صياغة حلولك الخاصة لأكثر المشكلات شيوعا في حياة الرجل في هذا العصر. أُقدّم لك أدوات لبناء حياة قائمة على وعي جديد، يُحرّرك من تبعات الخيارات الجاهلة التي تُلقي بظلالها على حياتك وحياة من تختار إدخالهم فيها.
لكل رجل احتياجاته المختلفة من وعي الحبة الحمراء؛ ويسعى هذا الكتاب إلى إرشادك نحو توظيفه أيا كان وضعك: متزوّجا أو أعزب أو في علاقة مفتوحة أو مطلّقا أو أبا أو تطمح إلى الأبوة يوما ما. كما أشرتُ في مستهل هذه المقدمة، للحبة الحمراء وجوه ديموغرافية متعددة، وإن كنت لا أستطيع صياغة خطة مخصوصة لكل رجل، فإنني آمل أن أمنحك قبضة متينة على كيفية انعكاس هذا الوعي عليك واستثماره في مراحل حياتك المختلفة.
في كتاب "الطب الوقائي" الجزء الثاني من سلسلة الذكر العقلاني رسمتُ للرجال خريطة لما يمكن توقّعه من المرأة في مراحل نضجها وأطوار حياتها المختلفة. أما في هذا الكتاب، فأسعى إلى رسم خريطة مختلفة: لما يمكن للرجل أن يتوقّعه من نفسه داخل نظام اجتماعي مُهيمَن عليه أنثويا، ومن المرأة، ومن الأبناء، ومن المؤسسة الأكاديمية، وكيفية استيعاب ذلك كلّه في إطار وعي الحبة الحمراء.
يزيد على ذلك أنني أطمح إلى منحك لحظات "آها!" لا تحرّرك فقط من أوهام التكييف الأزرق، بل تُشعل فيك شرارة تفكير عملي في كيفية توظيف ما ستعرفه في حياتك فورا. من أجمل ما أتلقّاه من ردود فعل قرّاء الكتابين السابقين تلك القصص عن "لحظة الانكشاف" التي عاشها هؤلاء الرجال حين صادف مقطع بعينه ما يعيشونه تماما. أتوقّع أن يتكرّر ذلك هنا، لكن أملي أنك حين تبلغ تلك اللحظة ستبادر إلى التفكير في كيفية تطبيقها على حياتك في أسرع وقت ممكن.
إرشادات لا قواعد
لا أؤمن بالوصفات الجاهزة كما يعرف معظم قرّائي. لم أثق يوما بقوائم الخطوات الاثنتي عشرة التي تدّعي أنها تصنع "الرجل الألفا الفعّال". بل إن رسالتي الجوهرية ليست في الواقع عن تصحيح حياة الرجل أو تحسينها بالمعنى المباشر. غايتي استكشاف الأفكار وتبديد المفاهيم المغلوطة — المتعمّدة في كثير من الأحيان — عن ديناميكيات العلاقة بين الجنسين. وفي كل كتبي أُكرّر: لستُ في مهنة صناعة رجال أفضل، بل في مهنة مساعدة الرجل على أن يصنع منه هو نفسه الرجلَ الأفضل.
أملي أن يُعينك هذا الكتاب على اتخاذ خيارات أحكم، انطلاقا من فهم أعمق لديناميكيات العلاقة بين الجنسين، وأعمق لانعكاس تلك الديناميكيات على سائر أبعاد حياتك. قد يتجلّى ذلك في بيئة عملك أو في علاقتك بأسرتك، أو ربما يدفعك إلى النشاط الاجتماعي؛ وقد يُعيد توجيه مسارك التعليمي والمهني، أو يُحدث تحوّلا في منهجك الأبوي مع بنيك وبناتك. وربما يُعينك على إعادة بناء ذاتك أو زواجك، وقد يكون من آثاره كذلك تفكيك علاقات غير صحية عجزتَ حتى الآن عن رؤية دورك فيها. للحبة الحمراء طريقة مزعجة بشكل خاص في كشف النتائج بعيدة المدى لحياة أُسّست على أوهام التكييف الأزرق ورفض مواجهتها.
مع كل ذلك، تذكّر أن الحبة الحمراء — بوصفها براكسيولوجيا — قائمة على الاقتراحات لا الأحكام المطلقة. منذ نشأة ما بات يُعرف بالفضاء الذكوري، كان ثمة مسعى دؤوب لإخضاع هذا العلم المرن اللاأخلاقي الفضفاض لعقائد راسخة وقواعد أخلاقية وأيديولوجيات جامدة، تشوّه موضوعيته وتنتهك حياده. ثمة دافع دائم لتبرير هذه الأيديولوجيا أو تلك بالانضواء تحت مصطلح "الحبة الحمراء". وفي عام 2017، كثيرا ما يُطلق المرء عليها هذه التسمية الرنّانة ليُضفي على رأيه أو قناعته قيمة أعلى، باعتبار أنها مجرد استعارة عن "الحقيقة". أُحذّر بشدة من توظيف مصطلح "الحبة الحمراء" لخدمة أجندة بعينها. لهذا أؤمن بالإرشادات والاقتراحات والحقائق الموضوعية القابلة للتطوّر والتأويل، لا بالقواعد الجامدة التي تُكبّل الحبة الحمراء لتُساير أيديولوجيا ما، أو لتبرير ما لا يستطيع البعض التخلي عن وهمه الأزرق الراسخ فيه. ينبغي أن تبقى الحبة الحمراء "مفتوحة المصدر" دوما؛ وأي محاولة للاستحواذ عليها أو فرض خصوصية مُتشدّدة عليها ينبغي أن تُوقظ الريبة في النفس.
كيف تقرأ هذا الكتاب؟
حين كتبتُ "الذكر العقلاني" لم يكن في حسباني كتابة كتاب ثان أو ثالث. لكن مع استمرار انتشار الكتاب الأول اتّضح لي أنه أصبح مرجعا أساسيا تُبنى عليه أعمال مكمّلة. حين أصدرتُ "الطب الوقائي" أدركتُ أن ما يلي "الذكر العقلاني" لا ينبغي أن يكون تكملة بالمعنى التقليدي، بل امتدادا لما أرسى من أسس. وحين كنت في البداية أحشو "الذكر العقلاني" بكل ما أمكن دون مراعاة لما يليه، ظهر لي لاحقا أنه غدا مرجعا حيا بعد نشره. وعليه، أنصحك بقراءة "الذكر العقلاني" أوّلا قبل الغوص في هذا الكتاب. كثيرا مما سأطرحه هنا يفترض إلمامك بمضامين ذلك الكتاب. يمكنك الاستفادة من هذا الكتاب منفردا، لكنّ ثمة مبادئ وأحرفا مختصرة ومصطلحات في لغة الحبة الحمراء لا تجد معناها الكامل إلا بمعرفة الكتاب الأوّل. وإن بدا هذا ضربا من الترويج التجاري فأرجو المعذرة، لكنه نصيحة صادقة: اقرأ "الذكر العقلاني" أوّلا. وبعده إن شئت تناولت "الطب الوقائي"، وفيه مفاهيم كـ"نقطة الانطلاق الذهنية" وهي مهمة، وإن كان "الطب الوقائي" مكمّلا لا أساسا ضروريا. كما أن قراءة هذا الكتاب قبل "الطب الوقائي" لن تُخلّ بتسلسل الفهم.
أخيرا، سأطلب منك شيئا: أن تقرأ هذا الكتاب — وكل كتبي — بعيدا عن المشتّتات قدر الإمكان. أعلم أن ذلك عسير في زماننا. أطلب ذلك لأن التأمّل الداخلي شرط ضروري لاستيعاب وعي الحبة الحمراء. أنت بحاجة إلى منح نفسك مساحة هادئة لهضم هذه المادة ورؤية انعكاسها على حياتك.
نعيش اليوم في عصر ما أسميه "جيل TL;DR" — اختصار لعبارة "طويل جدا، لم أقرأه". وهو ملخص يُقدّم للقارئ الحد الأدنى من المعلومات عن أي منشور أو مقال. أفهم الإغراء في عالم تتشتّت فيه انتباهاتنا من منبّه إلى آخر دون توقّف. قد تبدو هذه الخلاصات البديلة ضربا من البراغماتية، لكنها في ما يخص فهم وعي الحبة الحمراء تضع القارئ في موقع الخسارة. سأشرح لك لماذا.
تتسرّب في المنتديات وعبر وسائل الإعلام ظاهرة (ط.ج.ل.أ) إلى طريقة تفكيرنا: نُريد الوصول فورا إلى الفكرة المحورية لنوافق أو نرفض، ونادرا ما نستثمر وقتا في تفكيك كل التفاصيل التي قادت إلى تلك الخلاصة. هذا يُفسد المنهج الحقيقي للتعلّم؛ وفي حالة إعادة تشكيل الحياة بفهم وعي الحبة الحمراء كاملا، يغدو من الوهم الخالص توقّع استيعاب الأفكار دون بذل الجهد المطلوب. والتعليم الحق يتطلّب جهدا.
طُلب منّي كثيرا في منتدى "ريديت - الحبة الحمراء" أن أُقطّر أفكاري في ملخصات مبسّطة. المشكلة أن في البراكسيولوجيا الخاصة بالحبة الحمراء، المسارَ الذي يُفضي إلى المبادئ لا يقل أهمية عن المبادئ ذاتها. ومن الطريف أن المنتقدين الذين لا يتوقّفون عن المطالبة بدراسات طويلة مراجَعة من الأقران دليلا على جدية الأفكار، هم أنفسهم الأقل استعدادا لقراءتها حين تتاح، بسبب هذه الظاهرة بعينها.
في المرات القليلة التي حاولتُ فيها بصدق تقطير منشور ما إلى جوهره، جرت الأمور هكذا: أُقدّم الخلاصة، فيتحوّل قارئ غير متعمّق إلى ناقد لها قائلا: "صحيح يا رولو، لكن! ماذا عن الأسباب X وY وZ؟ لا أُصدّقك!" وهي أسباب كنتُ قد أخذتُها بعين الاعتبار تماما في مسار استنتاجي، لكنني حين بتُّ أُراعي فضول القارئ العاجل تجاوزتُ هذا المسار. ما يتلو ذلك أنني أُضطر للعودة وشرح تلك الأسباب بالتفصيل، مما يعني أن الملخّص كلّفني من الوقت والطاقة أكثر مما كان سيكلّفه النص الكامل من البداية. (ط.ج.ل.أ) إذن ليس البديل الأذكى؛ في الواقع هو الأبطأ وأبعد عن الفائدة.
في مجالات أخرى قد يكون ذلك مقبولا، لكن في طبيعة وعي الحبة الحمراء الحساسة، مع شبه اليقين بأن أفكارها ستُزلزل القناعات الأزرق الراسخة في النفس وتتحدّاها، يُصبح الالتزام بالوقت اللازم للفهم شرطا أساسيا. لذا أطلب منك بكل تواضع: تأكّد أنك بعيد عن المشتّتات حين تفتح أيا من كتبي.
"الذكر العقلاني" مادة ثقيلة. لا يمر أسبوع دون أن أتلقّى بريدا أو تغريدة من رجل يُثني على ما قرأ، لكنه يُخبرني أيضا أنه يعود باستمرار ليُعيد قراءة أجزاء بعينها مع تغيّر ظروف حياته — وهذا بالضبط ما قصدتُ إليه. أريد لكتبي أن تُقرأ بقلم تحديد يُعلّم على ما يلفت الانتباه، وبقلم رصاص يكتب في الهوامش.
أُكرّر في مقدمات كل كتبي: الذكر العقلاني نص حيّ يُعاد اللقاء به. أريد للرجال أن يتناقشوا فيه مع رجال آخرين — ومع النساء حيث كان ذلك مُجديا. المعرفة والبصيرة بحاجة دائمة إلى نقاش مستمر وتطوير متجدّد. أتخيّل أحيانا مجرد رؤية عنوان "الذكر العقلاني" على الغلاف يستدعي نظرات المرور المُتجهّمة والهمزات الساخرة من النساء والرجال المُؤنَّثين — وهذا كان مقصودا. إنه استفزاز للنقاش لا أكثر. لن أرضى يوما بأن يتحوّل "الذكر العقلاني" إلى راية ترفعها حركة ذكورية "جديدة" في وجه الناشطين النسويين. أُدرك أن بعض القرّاء ميّالون إلى تحويل هذا العمل إلى "إنجيل" يُتلى على هيئة سلاح يُقرَع به على رؤوس "الموصوفين" أو "المُدانين" في خطاب جدليّ جاهز. غير أنّ هذه ليست الروح التي وُلد بها هذا النص، ولا المقام الذي كُتب فيه، ولا الغاية التي يتكئ عليها.
التطوير الذاتي
تذكّر دائما أنّ المادة التي بين يديك ليست إلا دعوة مفتوحة إلى الحوار، لا بيانا مغلقا ولا عقيدة يُراد فرضُها من عَل. إنني أفهم تماما ذلك الميل الإنساني عند من تتغيّر حياتهم نحو الأفضل، حين يندفعون إلى "التبشير" بما اكتشفوه، وكأن التجربة الخاصة تصلح أن تُنقل كما هي إلى الآخرين؛ غير أنّ هذا — على وجاهته العاطفية — لا يُنتج تحولا حقيقيا في العقول. فالتغيير لا يُستورد، بل يتشكّل داخل الذات عبر نقاش هادئ، واحتكاك فكريّ صادق، ومساحة من التساؤل المفتوح.
ولهذا أقول إنني لا أقدّم أكثر من رفع مرآة؛ أما النظر فيها فمسؤولية من يقف أمامها. ذلك هو منهجي في "إيقاظ" الرجال: ليس دفعهم إلى الاعتقاد، بل إتاحة المجال ليصلوا هم إلى الأسئلة بأنفسهم، ثم أكون حاضرا للنقاش حين تنضج إرادتهم لذلك. وأرجو أن تُسهم هذه الكتابات، بما فيها هذا العمل، في تهيئة أرضية أوسع لهذا النوع من الحوار حين يحين أوانه.
وقد تعمّدت أن أُقدّم هذا التوضيح هنا، لأن هذا الكتاب يميل بدرجة أكبر إلى الاشتغال على مسألة التطوير الذاتي للرجل. ومع ذلك، فإنني أتردد في استخدام هذا المصطلح ذاته، لما يحمله في ذهني من ظلال "ثقافة التفكير الإيجابي" وخطاب محفّزي النجاح الذين يختزلون التحول الإنساني في وصفات جاهزة ووعود مُعلّبة. لم يكن همّي يوما أن أُخبر الرجال كيف يصبحون "أفضل" أو كيف يُنتجون نسخة مثالية من "الرجل الحقيقي" وفق معيار واحد.
ما يعنيه هذا العمل في جوهره، هو تزويد الرجال بأدوات تسمح لهم ببناء حياة أكثر اتزانا ووضوحا، عبر تطبيق وعي "الحبة الحمراء" على ظروفهم الفردية الخاصة، بكل ما تحمله من اختلاف في التجربة والفرص والقيود. ولذلك ظللتُ دائم الحذر من أولئك "المدرّبين" الذين يقدّمون مسارات جاهزة لتحسين الحياة والمهنة والعلاقات على شكل خطوات متسلسلة تبدو صالحة لكل زمان ومكان. ومن هنا أقول بوضوح: ليس هدف هذا الكتاب أن "يُحسّن" حياتك بشكل مباشر، وإن كنت أرجو بصدق أن يكون أي تحسّن محتمل فيه نتيجة عرضية لما يُقدّمه من وعي وفهم.
أما بنيته، فقد قُسّم إلى أربعة محاور رئيسية: تربية الأبناء في ضوء وعي الحبة الحمراء، والطبيعة الأنثوية كما تُفهم ضمن هذا الإطار، والضرورات الاجتماعية التي تحكم حركة الرجل داخل بيئته، ثم أخيرا مفهوم الذكورة الإيجابية بوصفه محاولة لإعادة تعريف الحضور الذكوري في صورته المتوازنة والواعية.
تربية الأبناء وفق الحبة الحمراء موجّه بالدرجة الأولى للآباء الذين طالما طلبوا مني التعمّق في كيفية تنشئة أبنائهم وبناتهم في سياق واع بالحبة الحمراء. من بين أقسام الكتاب كلّها أتوقّع أن يكون هذا الأكثر إثارة للجدل — ليس لأن رجال الحبة الحمراء سيجدون فيه ما يُنفّرهم، ولا بسبب طبيعة الأفكار والاقتراحات فيه، بل لأنه يقف في مواجهة مباشرة مع كيفية إعداد المجتمع السائد للأجيال القادمة من الجنسين. سأترك للمادة أن تتكلّم عن نفسها، لكنني أتوقع وابلا من الانتقادات من نظام اجتماعي مُهيمَن عليه أنثويا يرى في هذه النصائح التربوية تهديدا مباشرا. فمعظم ما فيه يُقوّض الكثير من الثرثرة النفسية الشعبية المعاصرة في مجال التربية.
الطبيعة الأنثوية مجموعة من المقالات المُعادة صياغتها ومُنتقاة من مدوّنتي، تتناول تحديدا أكثر السمات النفسية الأنثوية قابلية للتنبّؤ. يقرأ هذا القسم — من حيث كشفه للجذور التطورية والاجتماعية لأكثر سلوكيات المرأة شيوعا — قراءة تُشبه الكتاب الأول في طابعه، لكنه يستعرض أبعادا أكثر تخصصا في عالم النفس الأنثوي.
الضرورات الاجتماعية يرصد كيف ترسم النفسية الأنثوية تضاريس الثقافة الغربية أو المتغرّبة في رواياتها الكبرى وأحكامها الاجتماعية وتشريعاتها القانونية والسياسية. هذا هو الضرورة الأنثوية بأوسع تجلّياتها، وسأستعرض فيه كيف أعادت الحركة النسوية واستراتيجية المرأة الجنسية وأهدافها الحياتية الكبرى رسم ملامح مجتمعاتنا على النحو الذي نأخذه اليوم أمرا مسلّما. رواية "تمكين المرأة" وصعود المساواتية الفارغة تُخفيان في الواقع شكلا من أشكال الهيمنة الأنثوية التي أحدثت تحوّلا جذريا في الثقافة الغربية. تعالج هذه المقالات هذه الظاهرة وتُضيء عليها في تسلسل قرائي متسق.
الذكورة الإيجابية مجموعة من المقالات المُعادة صياغتها والموسَّعة، تمنحك تصوّرا أوضح لكيفية تعريف الذكورة التقليدية العقلانية بنفسك. أبقيتُ هذا القسم لآخر الكتاب لأن كلّما سبقه وصفيّ في طبيعته، مكتوب لتعميق وعيك بالحبة الحمراء تجاه بيئتك الشخصية والاجتماعية الحقيقية. الذكورة الإيجابية — وهذا الكتاب بجملته — أفكار آمل أن تجد فيها ما تودّ تطبيقه في حياتك. في "الطب الوقائي" أردتُ مساعدة الرجال على معرفة ما يمكن توقّعه من المرأة في مراحل نضجها. في "الذكورة الإيجابية" أُحاول أن أُعطيك ما يستحق التأمّل بشأن ما تتوقّعه من نفسك في مراحل نضجك أنت.
لستُ هنا لأدعو إلى عودة مُقنّنة إلى "الذكورة التقليدية" ولا إلى تدوين كتيّب للرجل "الحقيقي"، لكنني سأُقترح خطوطا عريضة لما أراه استعادة للذكورة التقليدية بكرامة. في الفضاء الذكوري جرت محاولات عدّة لتعريف الذكورة الحقيقية، ومعظمها لا يعدو إعادة صياغة لذكورة "المدرسة القديمة" ما قبل الثورة الجنسية والتأنيث الجمعي الشامل. ما سأقترحه هو استرداد الطبيعة الذكورية التقليدية المتطوّرة، المستنبَتة بيولوجيا، من قبل الرجال أنفسهم. وأكثر من ذلك، أؤمن أن هذه الذكورة المؤسَّسة على وعي الحبة الحمراء يمكن أن تكون صالحة خيّرة للرجل نفسه والمرأة التي يختار إشراكها في حياته ولعائلته وللمجتمع بأسره.
أملي أن نتجاوز أنماط خطاب "السمّ الذكوري" و"الذكورة المفرطة" الذي تحرص ثقافة الهيمنة الأنثوية على ترسيخه. أن تكون رجلا في أيامنا هذه هو أن تُوصَم بالتسمّم بالتستوستيرون. الذكورة كلمة مُدانة على لسان الرجل، بينما تتخذها المرأة شعارا لتقوية ذاتها! وفي نظر هذا النظام الاجتماعي، الذكورة إما شيء ينبغي تجنّبه أو شيء يُعاد تعريفه في ضبابية مؤنَّثة. بل إن مجرد قولك إنك تعرف ما معنى "أن تكون رجلا" أو إنك تبنّيت طبيعتك الذكورية يجعلك في نظر البعض مشبوها يستحق التحقيق — أو طفلا سخيفا يحلم بالرجولة.
آمل أن يُغيّر هذا الكتاب تلك الصورة؛ إن لم يكن على مستوى المجتمع الواسع، فعلى مستوى الفرد وأسرته على الأقل، يمكن للذكورة أن تكون إيجابية — بما في ذلك على وجه الخصوص الجوانب التي تُرعب الثقافة المُؤنَّثة. جانب العدوانية والحدة في الذكورة له مكانه في الصورة الكاملة، لكننا مدعوون إلى قبول الذكورة التقليدية في كليّتها دون انتقاء ما يُريحنا منها فحسب، وإلّا بقينا مع ذكورة مخفَّفة مُزيَّفة بلا أسنان، لا تخدم في النهاية إلا إعادة التأويل الأنثوي.
لم تمسّ الثقافة الغربية أمسّ حاجة مما هي عليه اليوم إلى رجال يُجازفون ويُجرؤون وهم يعيشون طبيعتهم الذكورية بصدق وإدراك. بعد قراءة هذا الكتاب سأطلب منك أن تقف مع نفسك وتقف مع ما يجري حولك اجتماعيا. ستقرأ في هذا الكتاب عنما أسميه "عدسة الحبة الحمراء" وأملي أن توظّف هذه الطريقة الجديدة في رؤية الأشياء في جهد بنّاء خاص بك، مُدركا أن الذكورة الخام الحقيقية يمكن أن تكون قوة إيجابية في حياتك.
كما هو دأبي، أرجو أن تُمرّر هذا الكتاب إلى رجل ترى أنه في حاجة إليه، أو إلى من تظنّ أن في قلبه سؤالا لم يكتمل بعد. لستُ أجني من النسخ المطبوعة إلا عائدا ماديا متواضعا، غير أنّها تظلّ الوسيلة التي أُقدّرها أكثر من غيرها، لما تتيحه من أثر إنسانيّ حيّ: تبادلٌ، ومشاركةٌ، وتداولٌ بين الرجال — وهو ما لا تمنحه النسخ الرقمية أو الصوتية بذات الكثافة.
تداولوا هذا الكتاب فيما بينكم، وتناقلوه كما تُتداول الأفكار حين تكون حيّة. ناقشوا محتواه بلا تحفّظ، حتى في المواضع التي تُخالفونني فيها أشدّ المخالفة. ستجدون فيه، كما في أي نصّ صادق، لحظات "آها" تُضيء فجأة كشرارة فهم، وستجدون أيضا ما قد يثير الغضب أو الاعتراض. وهذا، في جوهره، ليس عيبا بل علامة حياة؛ فالمعنى لا يولد من الطمأنينة وحدها، بل من الاحتكاك والتوتّر بين الفكرة ونقيضها.
تلك الشرارة — شرارة الانفعال والدهشة معا — هي ما يفتح مسارب البصيرة، وتلك البصيرة هي ما يُحدث التحوّل الحقيقي في الإنسان.
رولو توماسي، يونيو، 2017
تعليقات القراء على الذكورة الإيجابية
شارك رأيك بشكل مباشر — يكفي كتابة اسمك (أو اسم مستعار) والتعليق.
جارٍ تحميل التعليقات...