
الكتاب الثالث · 2017
الذكورة الإيجابية
الامتداد التطبيقي للسلسلة التوماسية — قراءة في بناء الذكورة بأدوات رصينة ومنهج واضح.
مقدمة المترجم
حلقة من سلسلة، ومراجعة ثانية لا تكتفي بالأولى
ليس من عادة المترجم أن يطيل الوقوف بين يدَي القارئ قبل أن يُسلِمه إلى النصّ الذي شَقِيَ في تطويعه؛ فالمقدّمات في غالب الأحيان استئذانٌ مهذَّبٌ يُلقيه الناقل على عجل، ثم يُفسح الطريق. لكنّ هذا الكتاب الذي بين يديك، "الذكورة الإيجابية"، يستثني نفسه من هذا العرف مؤقتا، ويستوجب منّي وقفة أطول، إذ يحمل من التعقيد المصطلحي والكثافة الفكرية ما لا يُحسن السكوت عنه، ولا يجوز أن يُترَك القارئ يخوض غماره بلا فنار يُرشده إلى ما اعتمدتُه من منهج، وما تحرّيتُه من أمانة، وما اضطُررتُ إليه من إعادة نظر شاقّة في عمل كنتُ أحسبه قد استوى على سُوقه منذ سنين.
لماذا أُعيد الترجمة؟
لستُ أزعم على القارئ زعما لا أملك دليله؛ فقد ترجمتُ هذا الكتاب، "الذكورة الإيجابية"، منذ ما يزيد على سنتين ونصف، إبّان انكبابي على نقل سلسلة "رولو توماسي" كاملة إلى العربية، تلك السلسلة التي أحسبها، بلا مواربة ولا تواضع زائف، من أخطر ما أُنتِج في حقل "المانوسفير" الفكري من حيث جسارة الطرح وكثافة المصطلح. وقد كان رولو توماسي نفسه، بما تركه من أثر في نفسي وفي القرّاء الذين تتبّعوا هذا المشروع، الحافزَ الأول والدافع الذي شجّعني على المضيّ في هذه الرحلة الترجمية الطويلة، حتى أكملتُ السلسلة بأسرها، كتابا بعد كتاب، فصلا بعد فصل، لا أبتغي من ذلك إلا أن أضع بين يدَي القارئ العربي مادّة فكرية ظلّت حبيسة لغتها الأصلية أمدا طويلا.
فلمّا أتممتُ السلسلة كاملة، ووقفتُ عند خاتمتها أتأمّل ما خلّفته ورائي من جهد، وجدتُ نفسي أمام مفارقة لم أستطع الفرار منها: أن "الذكورة الإيجابية"، وهو من أوائل ما ترجمتُ، قد بقي يُرهقني، ويُثير في نفسي شكوكا متجدّدة، حتى قرّرتُ أن أُعيد ترجمته من جديد، نقضا وبناء، لا عن زهد في الجهد الأول، بل عن مخافة من أن تكون الأمانة في النقل قد شابها شيءٌ لم أنتبه إليه في بداياتي.
ليس من عادة المترجم أن يخفي عن قارئه عيوب صنيعه الأول، فذلك من الغرور الذي لا يأذن به العقل ولا تأذن به الأمانة العلمية. والحقّ أن "الذكورة الإيجابية" يحمل في ثناياه توسّعا مصطلحيا وتنوّعا اصطلاحيا يكاد يُغرِق المترجم في تشعّبات لا تنتهي؛ فالكتاب لا يُكرِّر مصطلحات معدودة بثوب واحد، بل يُعيد صياغة المفهوم الواحد بعشرات الألفاظ، ويستدعي من معجم "الحبة الحمراء" وأخواتها ما يستوجب من المترجم حذرا مضاعَفا، وتدقيقا متكرّرا، ومراجعة لا تكتفي بمرّة واحدة.
ولمّا راجعتُ ترجمتي الأولى بعد مرور هذا الزمن، وجدتُ فيها ما يستدعي إعادة النظر: عبارات نُقلت بأمانة في ظاهرها، لكنّها لم تُحط بكلّ ما تحمله من ظلال دلالية؛ ومصطلحات تكرّرت في مواضع شتّى من الكتاب بصيغ مختلفة، فلم أكن، في القراءة الأولى، على وعي كامل بأن هذا التنوّع اللفظي في الأصل الإنجليزي يحمل دلالات متعمَّدة، وليس تكرارا عبثيا يجوز تسويته بلفظ واحد. فآليتُ على نفسي أن أُعيد الكَرّة، هذه المرّة بتحر أشدّ، وصبر أطول، وإضافة حواش تُوضِّح للقارئ ما قد يخفى عليه من دقائق المصطلح وما وراءه من سياق فكري أوسع.
منهج المصطلح: الأمانة على الأصل
أحبّ أن أُصرِّح للقارئ، بلا التواء ولا مواربة، أنّ القيمة التي حرصتُ عليها أشدّ الحرص، والتي أرجو أن يشهد بها كلّ من تتبّع هذا المشروع من أوّله، هي الأمانة في النقل. لم أسمح لنفسي، في أي موضع من هذا الكتاب، أن أُسقط على النصّ تأويلا شخصيا، أو أن أُلوِّن العبارة بميل ذاتي يُحرِّفها عن مرادها الأصلي، فحسبي من هذا الصنيع أنه خيانةٌ للمؤلِّف وغشٌّ للقارئ معا. وقد كانت غايتي أن يكون النصّ العربي مرآة صادقة للنصّ الإنجليزي، لا تُضيف عليه ولا تُنقِص منه، بل تنقله بكلّ ما فيه من حدّة وجسارة، حتى وإن خالف ذلك ما يستقرّ عليه القارئ من قناعات مسبَقة، إذ ليس من واجب المترجم أن يُرضي القارئ، بل أن يُصدِّق له ما بين يديه من نص منقول.
ومن أهمّ ما أُحبّ أن أُنبِّه القارئ إليه، وهو ما اتّخذتُ فيه قرارا منهجيا واضحا لا أُحبّ أن يُترَك للصدفة أو التأويل، هو مسألة المصطلحات الأساسية التي يقوم عليها هذا الفكر بأسره. فقد لاحظتُ، في تجوالي بين ترجمات ومحاولات سابقة لنقل هذا الحقل المعرفي إلى العربية، نزوعا عند بعض المترجمين إلى "تعريب" المصطلح بترجمته ترجمة حرفية تُفقده طبيعته الاصطلاحية وتُحمّله ثقلا لغويا غريبا عن أصله. فمصطلح "Hypergamy"، مثلا، ترجمه بعضهم بـ"الارتقاء الغريزي" أو "التزاوج الفوقي" أو ما شابه، وهي محاولاتٌ مشروعةٌ في ذاتها، لكنّني أرى أن المصطلح، إذا تُرِك على حاله الأعجمي "هايبرغامي"، يستقرّ في ذهن القارئ بسرعة ووضوح أكثر ممّا لو أُريد ربطه بدلالة عربية قد تُضيف غموضا حيث المراد هو الوضوح. فالمصطلح الأجنبي، حين يستقرّ كاسم علمي متعارَف عليه، يُصبح أيسر تناولا من مقابل عربي مُصطنَع قد يُحمَّل بدلالات لا يقصدها الأصل، أو يُفهَم على غير وجهه الصحيح.
ولذلك، استقرّ رأيي في هذه المراجعة على أن أُبقي على عدد من المصطلحات المحورية بصيغتها الصوتية المُعرَّبة (هايبرغامي، المانوسفير، الغايم، ألفا، بيتا، وما إلى ذلك)، لا تكاسلا عن إيجاد المقابل العربي، بل اقتناعا بأن هذا النهج هو الأقرب إلى الأمانة العلمية والأيسر على القارئ المتابع لهذا الحقل المعرفي، الذي توطّنت في ذهنه هذه الألفاظ بصورتها الأصلية عبر سنين من التداول في "المانوسفير" العربي والأجنبي على حد سواء. وقد أوردتُ، حيث استدعت الحاجة، حواشي توضيحية تُبيِّن للقارئ غير المُطّلع المعنى الكامن وراء هذه المصطلحات، حرصا على ألا يبقى أحدٌ خارج دائرة الفهم.
ولا يفوتني، في هذا المقام، أن أُذكِّر القارئ بأنّ هذا الكتاب لا يقف منفردا في فضائه، بل هو حلقةٌ من سلسلة أكبر، أتممتُ نقلها كاملة إلى العربية، وأن "الذكورة الإيجابية" بالذات قد نال من عنايتي واهتمامي ما لم ينله سواه، لِما يحمله من كثافة فكرية تستدعي قارئا صبورا ومترجما أصبر. وإن كان القارئ يجد، بين دفّتَي هذا الكتاب، تنوّعا مصطلحيا قد يستوقفه أحيانا، فليعلم أن هذا التنوّع ليس من صنيع المترجم، بل هو من طبيعة النصّ الأصلي نفسه، الذي يُكرِّر المفهوم الواحد بصيغ متعدّدة بحسب السياق، وقد حرصتُ على أن أنقل هذا التنوّع كما هو، لا أن أُسوِّيه أو أُبسِّطه تيسيرا زائفا قد يُفقِد النصّ بعض ظلاله الدقيقة.
خاتمة المقدمة
وفي خاتمة هذه المقدّمة، أرجو أن يكون القارئ قد استوعب أنّ ما بين يديه ليس ترجمة عابرة، بل هو نتاج مراجعة ثانية متأخّرة، أُعيدت بعد تحر وتدبّر، وأُضيفت إليها حواش توضيحية، وأُعيد فيها النظر في كثير من خيارات المصطلح، كلّ ذلك في سبيل أن أُقدِّم للقارئ العربي نصّا يستحقّ ثقته، ويُجيبه عن أسئلته، ولا يخذله في لحظة احتياجه إلى الفهم الدقيق. فإن وجد القارئ في هذا العمل ما يُرضي طموحه المعرفي، فالحمد لله أوّلا وآخرا، وإن وجد فيه ثغرة أو هفوة، فحسبي أنّني بذلتُ ما استطعت من جهد، والكمال عزيزٌ على كلّ صنيع بشري.
والله من وراء القصد.
إبراهيم محمد المالكي
تعليقات القراء على الذكورة الإيجابية
شارك رأيك بشكل مباشر — يكفي كتابة اسمك (أو اسم مستعار) والتعليق.
جارٍ تحميل التعليقات...