← الرئيسية
غلاف كتاب الذكر العقلاني: الطب الوقائي

الكتاب الثاني · 2015

الذكر العقلاني: الطب الوقائي

الوقاية قبل الجرح — ديناميكيات نضج المرأة، وما يتمنى كل رجل لو علمه في وقت مبكر.

مقدمة المترجم

حين أمسكتُ بهذا الكتاب للمرة الأولى، لم أكن أتوقع أن أجد نفسي أمام عمل يُعيد صياغة طريقة تفكيري في العلاقات الإنسانية من جذورها. لكنني وجدتُ، ككثير من الرجال حول العالم، أن ما يطرحه رولو توماسي في سلسلة الذكر العقلاني لا يشبه غيره من الكتابات في هذا الميدان.

رولو توماسي: العرّاب الكبير للحبة الحمراء

يُعرف رولو توماسي في أوساط واسعة بلقب "عرّاب الحبة الحمراء"، وهو حضور راسخ في عالم الـ"مانوسفير" منذ ما يزيد على عشرين عاما. وقد أصدر كتابه الأول الذكر العقلاني عام 2013، الذي أصبح فيما بعد يُعرف بـ"إنجيل الحبة الحمراء"، وله أثر إيجابي موثق في حياة ملايين الرجال حول العالم.

يتمحور منهج توماسي حول علم النفس التطوري والموضوعية الفلسفية، إذ يقدم مقاربة براغماتية وعملية لفهم الديناميكيات بين الجنسين وطبيعة الرجل والمرأة وتأثيرها على المجتمع المعاصر. وقد ترجمت أعماله إلى أكثر من أربعين لغة، وباتت مرجعا أساسيا لمن يسعى إلى فهم نفسه والعالم من حوله فهما مختلفا.

وهاهنا يأتي كتابنا: الطب الوقائي — الوقاية قبل الجرح

يسعى كتاب الذكر العقلاني، الطب الوقائي إلى مساعدة الرجال الذين يتمنون لو عرفوا في وقت مبكر ما يعرفونه الآن. ويتناول الكتاب الديناميكيات بين الجنسين في كل مرحلة من مراحل نضج المرأة، ويقدم إطارا عمليا للتعامل مع تلك المراحل المختلفة.

يُقدم الوعي بالحبة الحمراء في هذا الكتاب باعتباره إجراء وقائيا في مواجهة التكييف الأنثوي الذي يؤثر على الرجال الشباب اليوم، إذ يعمل على تحدي ما يسميه توماسي "الإمبراطورية الأنثوية" بأدوات معرفية دقيقة.

الحبة الحمراء: ظاهرة تستحق الدراسة

لم تعد الحبة الحمراء مجرد استعارة من فيلم ماتريكس؛ فقد باتت موضع اهتمام أكاديمي جدي. أجرى شون فان فالكنبورغ أول دراسة نوعية معروفة تُركز على منتدى الحبة الحمراء، إذ حلّل ست وعشرين وثيقة تجاوزت مئة وثلاثين ألف كلمة، واستنتج أن فلسفة الحبة الحمراء لا تقتصر على التعبير عن نموذج الذكورة المهيمنة، بل تدمج صراحة الخطاب العلمي ونظريات علم النفس التطوري في منظومة فكرية متكاملة.

وتكشف الدراسات أن أيديولوجية الحبة الحمراء تستند بصورة انتقائية إلى علم النفس التطوري الشعبي، وتؤكد أن التمايز الجنسي أمر جوهري وطبيعي، مقدمة الفرضية الأساسية بأن التطور قد شكّل العلاقات بين الجنسين بحيث طورت كل منهما استراتيجيات تكاثر وتفضيلات تزاوج مختلفة.

وما يجعل توماسي مميزا في هذا الفضاء المزدحم بالأصوات، هو منهجه المنضبط: فهو لا يكتفي بالشكوى ولا بالتحريض، بل يبني نظرية متسقة تقوم على مفاهيم محددة وقابلة للفحص والنقد.

مصطلحات لا بد من معرفتها

يعتمد الكتاب على منظومة مفاهيمية متخصصة قد تبدو غريبة على القارئ العربي في البداية. لذا، يُنصح القارئ بالرجوع إلى ملحق المصطلحات في آخر الكتاب وفي سلسلة الذكر العقلاني كاملة تقريبا، هذا إذا استشكلت عليك الاختصارات مع أنني حاولت جاهدا أن أوضح المعنى كاملا من دون لف صفحات الكتاب كثيرا.

كلمة أخيرة عن ترجماتي لسلسلة الذكر العقلاني

لا يأتي هذا الكتاب بمعزل عن سياق، لا من حيث تأليفه ولا من حيث ترجمته. فقد حرصتُ منذ البداية على أن أُتمّ هذا المشروع من أوله إلى آخره، في رحلتي مع السلسلة كاملة، فترجمتُ السلسلة الكاملة لأعمال رولو توماسي تباعا، كتابا كتابا، حتى وصلنا إلى هذا المجلد الذي بين يديك الآن: الذكر العقلاني: الطب الوقائي.

وليس هذا ترفا أو مصادفة. فالسلسلة مبنية على تراكم مفاهيمي متعمد؛ كل كتاب يفترض معرفة ما سبقه، وكل مفهوم يستند إلى ما أُسّس قبله. لذا فإن القارئ الذي رافقنا منذ البداية سيجد في الطب الوقائي ثمرة لما زرعه في قراءاته السابقة. أما من يبدأ من هنا، فلا بأس جدا، لكنه مدعو للعودة إلى ما سبق ليكتمل البناء.

أقدم هذه الترجمة إلى القارئ العربي بأمانة تامة في نقل النص الأصلي كما هو، دون حذف أو تلطيف أو توجيه أيديولوجي. ما كتبه توماسي يحمله كما كتبه، بجرأته وإشكالياته وأدواته النظرية جميعا. أؤمن أن القارئ العربي راشد يستطيع أن يقرأ ويقيّم ويأخذ ما ينفعه ويترك ما لا يراه مناسبا.

غير أن الأمانة تقتضي أن أُقرّ: الترجمة جهد بشري، والخطأ وارد. ما من مترجم معصوم، وما من نص منقول يخلو من الهفوة. وقد بذلتُ جهدي للتحقق من الدقة المصطلحية والأمانة المعنوية، لكنني لا أتبرأ من بشريتي. فإن وجد القارئ خطأ أو زلة، فليذكرها بالإفادة لا بالانتقاد المجرد، فنحن جميعا في خدمة المعرفة.

وأخيرا، فإن هذا الكتاب كما سلسلة الذكر العقلاني بأكملها ليس كتاب كراهية ولا نبوءة مقدسة؛ إنه أداة تفكير. وأدوات التفكير لا تُتعبَّد ولا تُرفض جملة؛ إنها تُستخدم لفهم الجائحات من الفكر النسوي الخبيث، والرغبة الحارقة للمرأة لمضغ الرجل اللطيف، وهنا نشير لطبيعة المرأة الحديثة، فتاة السوشل ميديا والانستغرام و فتاة "عليكي عيون، لا بتنافق ولا بتخون" التي تستعصي على كثير من ذكور البيتا الذين يَغُثُّون الأنفس الرجولية بالمطاردة وقتل الرجولة، مع أن مفاهيم الحبة الحمراء الأساسية تدعو إلى تنمية الدخل والقدرات والمهارات والإرتقاء الوجودي في المجتمع والمكانة.

وما كان ربك نسيّا....

د. إبراهيم محمد المالكي

ROLLO TOMASSI

مقدمة المؤلف

بقلم رولو توماسي — الترجمة العربية الرسمية

تمهيد

"أين كنتَ يا رولو توماسي حين كنتُ في الثامنة عشرة؟ في الثالثة والثلاثين؟ في الثانية والأربعين؟"

"اسمع يا سام، لقد انتهى الأمر - لقد فقدتَ السيطرة على الإطار. بعبارة أخرى، لقد انسحبت من العلاقة لأنها باتت ترى فيك رجلا متعلقا ومحتاجا."

مؤلم!

لكن انتظر لحظة! طوال هذه السنوات كنتُ أُجيد لغة الرجل الواثق، أُجري مقابلات مع نجوم الصف الأول في حفل الأوسكار، أُدعى إلى الحفلات الخاصة، حياتي ممتعة، والمليارديرات يلتمسون آرائي بانتظام، والنساء يجدنني جذابا، وأنا في عداد الناجحين حيثما حللتُ - فكيف يمكن أن يحدث لي هذا؟ ألم أكن بحكم طبيعة عملي في منأى عن أن تنسحب امرأة من علاقتها بهذا الشكل؟ ألستُ حالة استثنائية؟

كان رولو سيقول: "المسألة كلها تتعلق بالقيمة في سوق الجنسين يا سام. لقد تحولتَ من رجل استثنائي بفضل شهرته، إلى رجل طريح الفراش في عيادة للرعاية النفسية. توقفتَ عن التصرف كالرجل الذي كنتَه، فباتت ترى فيك صديقة لا تكنّ لها حتى التقدير."

لقد شرح لي "الذكر العقلاني" - ولملايين الرجال غيري - ما الذي فعلناه ونفعله حتى تنسحب المرأة التي أبدت يوما رغبة حقيقية فينا، وكيف نُعالج ذلك.

يحتوي هذا الكتاب تلك المعرفة والحكمة. وهو بهذا القدر من القوة.

أنا ذلك الصوت الذي سمعتَه آلاف المرات - في الأفلام، والمقدمات الترويجية، والإعلانات الإذاعية. في كل مسيرتي كممثل صوتي، لم أقرأ قط لأحد نصا يشبه بجلاله نصوص مقدمات الأفلام، حتى اكتشفتُ المقالات الأولى على موقع therationalmale.com

كلمات توماسي كانت تُحسسني بنفس ما أشعر به حين أتقمّص روح النص، لأن هذا هو السبيل إلى تغيير مجرى أحداث العالم من خلال فيلم يُحدث أثرا استثنائيا.

لا أعرف أحدا قرأ "الذكر العقلاني" ولم يتحول بعده. إن كان قد أهداك أحدٌ هذا الكتاب، فاعلم أن ذلك الشخص يُخلص لك ويحبك. هذه حقيقة لا تنساها.

هذا الكتاب سيُحوّل كل جانب من جوانب حياتك إلى الأفضل.

كثير من الرجال في زمننا هذا، يُقدمون على الانتحار لأن المرأة التي يعشقها الرجل فقدت رغبتها الحقيقية فيه. هذا الكتاب هو العمل الجوهري الشامل الذي أثبت قدرته على الوقاية من تلك النهايات المأساوية.

ليس ندوة تحفيزية، ولا خلوة تأملية - إنه حقائق صريحة استُخلصت من ما يقارب خمسة عشر عاما من الملاحظة والنقاش المعمّق بين ملايين الرجال.

كثيرون يقولون إنهم ينتظرون العالم الآخر ليحصلوا على إجابات لأسئلتهم الكبرى - فلتنسَ ذلك. هذا المرجع القوي يمتلك إجابات من تلك الطينة، إجابات أُخفيت عنك عمدا طوال مسيرتك التعليمية وفي وسائل ترفيهك وبين عائلتك وأصدقائك وعبر تجارب حياتك.

اعلم الآن: ستجد في بعض ما ستقرأ ما يُزعجك. أنت رجل وتستطيع التعامل مع ذلك. أنت رجل وستتعامل معه.

المفاهيم المطروحة بالغة القوة لدرجة أنني أتحداك أن تُنهي هذا الكتاب في ثلاثة أيام. ثم اقرأه مجددا بتأنٍّ.

لديّ كتاب أهداه لي عمي حين كنتُ في الجامعة، رحمه الله. لا يزال يرافقني أينما ذهبت - ذلك الكتيب الصغير "أجرؤ عليك" لوليام داندورث الصادر منذ تسعين عاما. "الذكر العقلاني" من هذا القبيل.

لا يكتب توماسي طمعا في المال. يكتب لأنه يريد أن يجعل العالم مكانا أفضل للعيش. يكتب لأنه يريد منك أن تُحقق أقصى ما في وسعك. ورغم قدرته على إطلاق حملة تسويق وبناء علامة تجارية ضخمة، لم يُنفق على شيء من ذلك قط. بدأ الأمر بمساعدة شخص واحد، ومن خلال مدونته وكتابه الأول، تحول أكثر من سبعة ملايين إنسان بالنوع من التغيير الذي يُغني جميع جوانب الحياة. لا شك أنك ستصاب مثلي بالهوس بامتصاص هذه المادة ونشرها.

يشرّفني أن أُكلَّف بكتابة هذه المقدمة. هذا المحتوى غيّر مجرى حياتي. كانت "طيبتي المفرطة" تحتاج إلى شيء أعمق. النجاح والمكانة ربما تجذبانها، لكن بدون دليل، بدون خريطة طريق، لن يتمكن تسعة وتسعون بالمئة من الرجال من تجديد إشعال رغبتها الحقيقية في علاقة طويلة الأمد.

لقد نجح الأمر معي ومع كل من عرّفتُه بهذه المادة. لقد أنقذني من مزيد من الجراح العاطفية في علاقاتي مع النساء. يحكي لي رجال متزوجون عن المعاناة التي يعيشونها مع زوجات فقدن القدرة على الارتباط العاطفي من خلال التواصل الجنسي، فأُحيلهم إلى أعمال رولو توماسي. هذا الكتاب من تأليف رجل أصبح صديقا مقربا. أُكنّ له من الإعجاب ما أُكنّه لأخي الجراح المتخصص في زراعة القلب. يمتلك أخي إتقانا جراحيا بالغ الدقة لدرجة أن جراحين من شتى أنحاء العالم يستفيدون من تقنيات ابتكرها، مما ينقذ المزيد من الأرواح كل عام. يمتلك توماسي إتقانا مماثلا في حقله يُحسّن حياة ملايين البشر حول العالم.

لقد أسدى إليّ استشارات مجانية شخصية، وهو يفعل الشيء ذاته مع كل من يسعى بصدق إلى فهم الحقائق والحكمة التي يكتب عنها. وهذه النصيحة ليست النصيحة المعتادة التي تزيد علاقتك تدهورا - هذه النصيحة تُحدث فارقا حقيقيا. أنا دليل حي على ذلك.

لقد تمتعت بنجاح غير اعتيادي. عملي أثّر في حياة وسلوكيات ملايين الأشخاص سنويا. وعبر كل ذلك أدركتُ أن ما أقوم به تحت اسم مستعار يمنح الناس ما يريدون، وبعض ما يريده الناس قد لا يكون في مصلحتهم. لذا فإن مشاركتي لهذا الكتاب هي أيضا طريقة لأكفّر عن بعض التأثير الذي نشره عملي على مدار مسيرتي. رولو توماسي هو المؤلف الوحيد الذي أعرفه القادر فعلا على تحرير الرجال من "المصفوفة". لماذا لا يستخدم رولو توماسي اسمه الحقيقي؟ لأن هذه المادة بالغة القوة لدرجة أن ذلك قد يكون خطيرا. كما ذكرتُ، أنا معروف ببعض جوانب عملي لا بكلّها. لا شيء منها غير أخلاقي، لكن الضوء سيكون ساطعا أكثر مما ينبغي لو عرف الجميع. كنتُ في الجامعة أمشي مع مجموعة من طالبات المجمعات السكنية الجامعية وكنّ يتحدثن عن شاب معين يتصرف بجفاء، ويتساءلن لماذا لا يكون محترما طيبا. قلتُ: "أنا شاب طيب"، فضحكن جميعهن. لم أفهم ذلك لأنني نشأتُ على التهذيب. هل فاجأكَ أحيانا انهيار علاقة فجأة، ثم حين حدث ذلك مرة أخرى، بتّ تبحث عن تفسير؟

حين اكتشفتُ "الذكر العقلاني"، كنت قد فوجئت بانهيار علاقة أخرى. لم أكن أرغب في حضور ندوة "فنون الإغراء"، وأي كتاب متاح كان ينصحني في معظمه بالتواصل مع جانبي الأنثوي. مهما بلغ نجاحي، لم أستطع قط أن "أفهم الأمر" حين يتعلق بالحفاظ على انجذاب المرأة في علاقة طويلة الأمد. أفهم الآن.

سام بوتا ممثل صوتي وشخصية إذاعية بوربنك، كاليفورنيا - 2015

مقدمة المؤلف

لم يكن قد مضى على صدور كتابي الأول، الذكر العقلاني، سوى أقل من عام حين شرعتُ في كتابة هذا الكتاب. وكان إصدار ذلك العمل، في ذاته، تجربةً اختبارية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فقد واجهتُ خلاله تحدياتٍ لم تكن في الحسبان؛ من مشكلات تنسيق الخطوط والتحرير اللغوي، إلى عناء تحويله إلى صيغة رقمية مرتين. وكان ذلك كله في كتاب واحد فحسب. كما اكتشفتُ أنني قد أسأت تقدير حجم الإقبال على النسخ الرقمية، ولم أكن أتوقع أن يفضّل هذا العدد الكبير من القراء مطالعة الكتاب عبر أجهزة القراءة الإلكترونية، ولا سيما في البلدان التي يصعب فيها الحصول على النسخة الورقية من أمازون.

ومع ذلك، وبرغم كل تلك العقبات، حقق الذكر العقلاني خلال أقل من عام نجاحًا فاق توقعاتي. ولم يكن ذلك لأنه وسّع قاعدة قرّاء المدونة أو حافظ على معدلات بيع مرتفعة فحسب، بل لأنه بلغ الغاية التي سعيت إليها منذ البداية.

لقد أردتُ أن تصل هذه الأفكار، بمعناها الحرفي، إلى أيدي رجالٍ ما كانوا ليمنحوها فرصة لو قُدمت إليهم في هيئة رابط على الإنترنت. أردتُ كتابًا ملموسًا يمكن للرجل ــ وللمرأة أيضًا ــ أن يناوله لغيره، وأن يتناقله الناس كما تتناقل الأفكار التي تستحق البقاء. ولهذا تعمّدتُ أن أجعل سعره في أدنى حد تسمح به أمازون، ليكون في متناول الجميع؛ كتابًا يمكن حمله إلى مقهى، أو اصطحابه في رحلة، أو قراءته على متن طائرة، على أمل أن يكون عنوانه وحده كافيًا لإشعال نقاش، ولو بدأ بسخرية أو استهزاء.

وكثيرًا ما سُئلتُ: لماذا كل هذا الاهتمام بالنسخة الورقية، مع أن المبيعات الرقمية تتجاوزها باستمرار؟ والجواب أن الأمر لم يكن مجرد نزعة فنية، وإن كانت خلفيتي في التصميم وحسّي الجمالي يدفعانني إلى العناية بالكتاب بوصفه عملًا متكاملًا. لقد أردته، قبل كل شيء، كتابًا للرجل العادي؛ كتابًا يستطيع عاملُ المرآب أن يقتنيه، أو يحمله جنديٌّ في مهمة بعيدة، ويصاحبه في أقسى الظروف وأبعد الأماكن.

لا سبيل إلى محو كتاب. تستطيع أن تُحرقه، أو تُمزّق أوصاله، أو تطاله يدك بالإتلاف، لكن لا بد أن تقبض عليه بيديك أولا لتفعل ذلك. ومهما بدا هذا القول أقرب إلى المبالغة، فإني أخشى يوما تغدو فيه سلطة النشر الرقمي وحدها صاحبة القرار فيما يُتاح من المعرفة، فيصير محو الكتاب لا أكثر من ضغطة زر عابرة.

كنتُ قد عقدتُ العزم في البدء على أن يصدر هذا المجلد رقميا محضا، غير أن نازعا جماليا، وحنينا خفيفا إلى أن تقبض يدي على كتاب آخر، غلبا عزيمتي. وثمة، بطبيعة الحال، نسخة رقمية تُيسّر الوصول إليه، ولعلّك تقرأ هذه السطور منها الآن، لكن احرص أن تستحضر أن الكتب، وما تحمله من أفكار، إنما وُضعت لتكون موضع نقاش وحوار - هكذا على الأقل أُحبّ أن تُعامَل هذه الأفكار.

المصطلحات

أرسيتُ في "الذكر العقلاني" الأسس الجوهرية لما أدعوه بـ"الفكر القرمزي". وكثير ممن ينتسبون إلى ما يُعرف بـ"المانوسفير" - ذلك الفضاء الذكوري - يعرفون فحوى "الحبة الحمراء"، تلك الاستعارة المستمدة من أفلام المصفوفة، والتي تُشير إلى لحظة انكشاف الحقيقة بعد عمى فرضته منظومة كاملة.

أما من يطأ عالم المانوسفير لأول مرة، فقد يخال ما يراه ضربا من التعميمات السطحية التي اعتاد أن يجدها في المجتمعات الافتراضية. فالإحالات السينمائية، وعبارات الجماعة الداخلية، والاختصارات الغامضة، كلها قد تبدو مألوفة الشكل، غير أن الأولى أن نتذكر أن المفاهيم الطارئة تستدعي بالضرورة مصطلحات طارئة تحملها.

ولا ريب أن القارئ الجديد يصعب عليه أن يتجاوز هذه المصطلحات من أول لقاء. ومن أكثر ما يُشتكى غياب دليل يُفسّر هذه العبارات والاختصارات، فأضفتُ في ختام الكتاب ملحقا يفي بحاجة هؤلاء القراء المستجدين. بيد أن الأجدر أن نستحضر أن هذه المصطلحات والإحالات والاختصارات إنما تؤدي وظيفة تأطير المفاهيم الكبرى أو المجردة وتصنيفها.

فمن أبرز مواطن الخلاف التي يُبديها الرجال غير المطّلعين على المانوسفير أو الفكر القرمزي، مفهوم تصنيف الرجال إلى "ألفا" و"بيتا". وقد أفردتُ في "الذكر العقلاني" فصلا مطوّلا لشرح خصائص هذين النمطين وتحديد معالمهما، وليس بمستغرَب أن يُثير ذلك حيرة الرجال أو يستفزّ آليات الدفاع عن ذواتهم. وبالقدر نفسه من التوقع، كثيرا ما ينحرف النقاش عن جوهره ليغرق في جدل عقيم حول الاتفاق على مصطلحات يرتضيها الطرفان.

وفي هذا المجلد من "الذكر العقلاني"، فليكن حاضرا في ذهنك أن مصطلحَي "ألفا" و"بيتا"، وما شابههما مما قد يبدو غريبا للوهلة الأولى، ما هي إلا رموز إجرائية تنوب عن مفاهيم مجردة. وقد حرصتُ على تقليص مفردات المانوسفير الخاصة، غير أن بعض السياقات الجوهرية يظل التعبير عنها بـ"ألفا" و"بيتا" أوفى بالغرض وأيسر في تصوير الديناميكية الكبرى - أو بعبارة أدق، في سياق هذا الكتاب: كيف تُصنّف المرأة الرجل عبر مراحل نضجها المتعاقبة (ونضجه هو أيضا).

فليتفضّل القارئ المستجد الذي يصارع هذه المصطلحات لأول مرة، بشيء من التواضع، أن يرجع إلى "الذكر العقلاني" الأول ليقف على تعريفات أدق وأشمل. فهذا المجلد يفترض إلماما مسبقا بما طرحته هناك من أفكار، فليُنظر إليه بوصفه امتدادا ورفيقا للأسس الجوهرية المرساة هنالك.

لماذا كتبتُ هذا الكتاب

في منتصف مارس من عام 2014، شرعتُ في نشر سلسلة مقالات بعنوان "الطب الوقائي" على مدونة "الذكر العقلاني"، سعيا إلى أن أمدّ قرائي بخريطة زمنية دقيقة لما يُتوقّع من النساء عبر مراحل نضجهن المتعاقبة على امتداد حياتهن. وقد وُلدت هذه السلسلة استجابة لمقال نُشر عام 2010 على مدونة "Château Heartiste" تحت عنوان "صعوبة التعامل مع النساء حسب الفئات العمرية"، حيث حلّل فيه "روسي" أساليب فن الإغراء في التعامل مع المرأة عبر أطوار حياتها، وكيفية توظيف ما يُتوقّع عموما من المرأة الغربية (أو المتغربنة).

قرأتُ ذلك المقال لحظة صدوره، وأضفتُه إلى قائمة مفضلاتي، واستشهدتُ به مرارا في ثنايا مدونتي. غير أنني، كلما عاودتُ الرجوع إليه، لم أكن قد أدركتُ بعدُ كيف أن مسار حياة المرأة - وبالتبعية مسار حياة الرجل - يجري وفق سلسلة أطوار يمكن التنبؤ بها إلى حد بعيد. فبالنسبة إلى فنان الإغراء الساعي إلى تعظيم فرصه في الارتباط الجنسي، تتجلّى فائدة معرفة ما يُتوقع من المرأة في فئة عمرية بعينها، وثقافة (أو ثقافة فرعية) ومستوى اجتماعي اقتصادي محدد - فاعرف طريدتك، وكيّف أسلوبك تبعا لذلك.

وشيء ما تفتّق في ذهني وأنا أعاود الاستعانة بذلك المقال في استشاراتي مع رجال شتّى يلتمسون توجيها بشأن امرأة بعينها وظروف تخصّهم. فكما هي العادة دائما، من أشد ما يُبديه الرجال ندما، تمنّيهم لو أنهم اطّلعوا في عنفوان شبابهم على ما أوردتُه في "الذكر العقلاني" وعلى المدونة، ليتجنّبوا قرارات أوهنت حياتهم وتركت أثرا بالغا فيها بسبب علاقة بامرأة. وغالبا ما يتخذ تعبيرهم عن ذلك أحد وجهين: إما أسى على ما فات، أو تبرّم بحاضرهم وبما جلبه اكتشاف الحقيقة القرمزية من مرارة.

فخطر لي أن نسخة أوسع من مقال يجيب عن سؤال: "ماذا تتوقع من امرأة في هذا السن؟" قد تكون موضعا للفائدة. فتطوّر ذلك ليغدو سلسلة "الطب الوقائي" الرباعية، وكانت هي الإلهام وراء عدد من المقالات اللاحقة التي وسّعت آفاق الفهم لـ"الخط الزمني" في مسار حياة المرأة.

غير أن المعضلة التي واجهتني هي أن عرض هذا المحتوى المسهب على قراء المدونة إنما يضع صبرهم وثبات انتباههم موضع الاختبار. وأحسب أن أعظم عائق دون الفهم الحقيقي لفحوى أي مقال هو تلك الظاهرة المعروفة بـ"tl;dr" - أي أن النص طال حتى استعصى على القراءة.

فذلك الفيض من التحليل الذي سطّره معلّق بجهد لا يُقدَّر حقّ قدره، قد يكون في جوهره درّة فكرية نفيسة، لكن في لحظة السأم يُختزل كل ذلك إلى خلاصة موجزة في ذيل النص، إرضاء لشحّ الانتباه الذي فرضته الشاشات.

وتفاديا لإثقال كاهل القراء بكم هائل دفعة واحدة، بدا لي أن تقسيم هذا العمل إلى أربعة أقسام - وإن طالت - هو السبيل الأمثل لاستيفاء "نقاط الاهتمام" حقّها من التناول.

وقد جاء ردّ فعل القراء تجاه هذه السلسلة فائقا كل ما كنتُ أتوقعه.

ولعلّ وصف التعليقات بالثاقبة لا يفيها حقّها. فقد تعدّدت وجهات النظر وتنوّعت، غير أنها جميعا أضافت بُعدا جديدا إلى هذا العمل، وسعت إلى معالجة جانب بعينه ممّا رأى أصحابه أنه ضروري لفهم شامل لأحوال المرأة عبر مراحل نضجها.

وقد أسهم رجال من فئات ديموغرافية شتّى بفهمهم في نسج هذا العمل الجماعي، الذي يرمي إلى تزويد الرجال بخلاصة تجاربهم وما يُتوقع في كل طور من أطوار الحياة. فالشبّان في الثامنة عشرة يبوحون بإحباطهم من الانفصالات عقب التخرّج من الثانوية، وتمزّقهم بين اختيار الجامعة الأنسب لهم أو الالتحاق بجامعة "توأم روحهم" حفاظا على العلاقة أو إنقاذا لها.

وفي المقابل، يروي رجال في منتصف الستينيات الظروف التي أفضت بهم إلى الطلاق، والمواقف التي عاشوها مع مطلّقاتهم، ومع نساء أكبر أو أصغر سنّا يواعدونهنّ في طور من العمر لم يتخيّلوا يوما أنهم سيعودون فيه إلى ميدان المواعدة.

وقد علّق، عقب الجزء الثاني من هذه السلسلة، أحد القراء الدائمين والمدوّن في المانوسفير المسيحي المدعو "دونالغريم"، بما معناه: أنه لَمِن العجب، حين يتأمّل المرء الأمر، أن يرى كم من البنى الاجتماعية والأعراف قد نُسجت خصّيصا لتسند هذا النموذج التطوري للمرأة، إذ في كل مرحلة يقف حشد من المؤسسات ومصادر الدعم المتنوعة ترافقها وتحضّها في كل خطوة من مسارها، واقترح أن يكون رسم خريطة تربط هذه المصادر بحقب "مسار الحياة" - من مجلات المراهقين وقناة ديزني، إلى مجلات المشاهير والنميمة الموجهة لمنتصف العمر - أمرا جديرا بالفائدة.

فكانت تلك الكلمات البذرة التي نمت حتى غدت هذا الكتاب الذي بين يديك.

وانطلاقا من هذه الرؤية، سعيتُ إلى رسم خريطة زمنية متسلسلة تُعين الرجال على الاستعداد والتفهّم الأعمق لما تمرّ به المرأة عبر أطوارها.

هذا فضلا عن سعيي، بشيء من التحفّظ، إلى مراعاة المتغيرات الاستثنائية والظروف الخاصة التي قد تُحيد بالمرأة عن المسار الأكثر قابلية للتنبؤ. ومن البيّن أنه لا طاقة لي بالإحاطة بكل الاحتمالات، لكني حاولتُ أن أرصد كيف تُلقي أكثر القرارات شيوعا في حياة المرأة عند هذه المراحل بظلالها على ما يليها، وكيف للرجل أن يتحسّب لعواقب ارتباطه بمن تتخذ تلك القرارات، أو أن يتفادى ذلك كليّا.

ولن تكتمل هذه الخريطة الزمنية إلا بمراعاة الأعراف الاجتماعية التي شُيّدت حول كل طور من هذه الأطوار، وكيف تتبدّل بحسب مقتضيات كل مرحلة، أو تتعزّز، أو تحاول استيعاب ما يترتب عليها من تداعيات شخصية واجتماعية. وقد تناولتُ أبرز هذه الأعراف التي يُرجَّح أن يصطدم بها الرجال في أطوار نضج المرأة.

وأنبّه هنا إلى أن هذه الخريطة الزمنية التي أقدّمها فردية المنشأ، لا تدّعي الشمول. فلستُ أزعم لنفسي إحاطة بكل جوانب هذه السيرورة التطورية، وإنما أقدّم خلاصة تقديراتي المستقاة من تجربتي الخاصة، ومن تجارب الرجال الذين شاطروني إياها على مدى سنوات كتابتي في المانوسفير.

وكما في الكتاب الأول، أذكّرك بأني لستُ سوى رابطٍ بين النقاط المتناثرة، تاركا لقارئي مهمة استجلاء الصورة الكبرى.

وأتوقّع أن يختلف أكثر الرجال القارئين لهذا العمل مع بعض ما أرسمه من أطوار، تبعا لظروفهم الخاصة مع النساء في حياتهم. فقد لا تبدو بعض المراحل ذات صلة بما يعيشه الرجل الآن، لكنها قد تمسّ مستقبله.

وآخرون سيهزّون رؤوسهم إقرارا، أو بوعي مؤلم، حين أتطرّق إلى طور عاشوه بأنفسهم. ولهؤلاء جميعا أقول: غايتي، كما في كل ما أكتب، أن أُعدّ الرجال لما يمكن توقّعه في أطوار حياتهم المختلفة، ولماذا هذه التوقعات واردة، وكيف يتهيّؤون لها على أحسن وجه.

كيف تقرأ هذا الكتاب

شرتُ في مقدمة "الذكر العقلاني" إلى قارئة تُدعى "جاكي"، ذكرت أن ابنها بحاجة إلى الاطلاع على الأفكار التي أكتبها عبر الإنترنت منذ ما يزيد على عقد من الزمن. وكان أملها أن يُعينه ما كتبتُه على تفادي قرارات مصيرية خاطئة، ناشئة عن تكييف نفسي متمحور حول الأنثى.

ونيّتي في هذا الكتاب لا تخرج عن ذلك، غير أني حرصتُ فيه على أن أكون أوفى شمولا في تفصيل المواقف المتصلة بالمرأة عبر مراحل نضجها الجوهرية. وفي هذا الإطار، لا تنحصر غايتي في إعانة الرجل على تجنّب قرارات خاطئة مستقبلا فحسب، بل تتعدّاها إلى مساعدته على استيعاب ما مرّ به حتى هذه اللحظة، من خلال النظر فيما سبق المرحلة التي يقف فيها الآن.

فهدف هذا الكتاب أن يُعينك على فهم الظروف التي أوصلتك إلى موضعك الراهن على هذه الخريطة الزمنية، وما تعيشه الآن مع المرأة (أو مع من يُحتمل أن تعيش معهن في حياتك)، وما يمكن أن تتوقعه منهن في أطوار نضجهن المقبلة.

الخريطة الزمنية

أول ما ستقع عليه عيناك هو الرسم البياني الزمني الذي أعددتُه لأمنحك تصورا بصريا لمراحل نضج المرأة المتعاقبة. وعند محطات بعينها من هذه الخريطة، أُفصّل ما أراه أبرز حقب التحول الظرفي، والأزمات، والاستبصارات الشخصية - سواء منها ما كان مصلحيا أو صادقا - والتحولات النفسية والعقدية التي تمرّ بها غالبية النساء.

كما رسمتُ على هذا البيان فترات فرعية تُصوّر ما أراه انعكاسا لترتيب المرأة أولوياتِها فيما تجده جذّابا ومثيرا، وما تُقصيه من صفات الرجل، عبر مراحل نضجها المختلفة. وإن كان لهذه الفترات الفرعية تطبيقات جليّة في فن الإغراء تُعين الرجل على تكييف أسلوبه بما يوائم كل مرحلة، فإن غايتي الأولى من إيرادها إنما هي كشف الكيفية والأسباب التي تُحرّك كثيرا من قرارات المرأة في هذه الأطوار.

وقد قسّمتُ هذه الخريطة الزمنية إلى أربعة أقسام، في فصول مقابلة لها: من المراهقة المتأخرة إلى مطلع سنّ الرشد، ومن أوائل العشرينيات إلى أوائل الثلاثينيات، ثم مرحلة منتصف العمر، وأخيرا أطوار الحياة المتأخرة.

ولا ريب أن الإغراء قائم بأن يقفز القارئ مباشرة إلى المرحلة التي تلائم ظروفه الراهنة، لكني أحثّه على قراءة الفصول بترتيبها. ذلك أن فهمك لأزمة بعينها، أو لسرّ تمتّعك بعلاقة أفضل في طور مبكر أو متأخر من حياتك، يظل رهينا بالمسار العام الذي قطعته المرأة في نضجها لتبلغ النقطة التي تعيشها معها الآن.

ولك، بالطبع، أن تعود لاحقا وتُعيد قراءة بعض الأجزاء، لكن الفهم الكلي لمسار النضج، وما قد يتصل أو لا يتصل منه بوضع شخصي بعينه، يجب أن يأتي أولا.

الرسم البياني للقيمة في سوق الجنسين

كثير من المراحل الجوهرية التي أتناولها في هذه الخريطة الزمنية يتقاطع مع رسمي البياني المعروف للقيمة في سوق الجنسين (SMV)، وقد قدّمتُه في "الذكر العقلاني" ضمن فصل "التنقل في سوق الجنسين". وأدرجتُه في هذا المجلد أيضا ليكون مرجعا كلما استعنتُ به في استعراض أطوار نضج المرأة. فإن لم تكن قد قرأتَ ذلك الفصل من الكتاب الأول، أنصحك بقراءته، إذ سيُعينك على فهم هذه الإحالات.

الأعراف الاجتماعية

في ختام تناول كل مرحلة من مراحل النضج، سأعرض أشيع ما وجدتُه من أعراف اجتماعية أرستها منظومة تجعل من الأنثى مرجعيتها الأولى، وذلك لتبرير تجارب المرأة وقراراتها وتكريسها أو الدفاع عنها في كل طور - فضلا عن توظيف هذه الأعراف أداة لتكييف الرجل كي يستوعب هذه المرجعية الأنثوية ويتقبّلها.

ولكل مرحلة أعرافها التشغيلية الخاصة، وثمة أعراف أخرى تمتد عبر عدة أطوار. كما أن بعض هذه الأعراف يُلقي بظلاله على النتائج والمآلات، بل على احتمال تبنّي المرأة أعرافا أخرى تتفرّع عن عرف سابق.

ومن البيّن أنه لا سبيل إلى رسم كل ما يترتب على هذه الأعراف من مآلات، لكن الأهم هو التصاعد العام لها. فبفهم شامل جيّد، يمتلك الرجل الأدوات اللازمة لاستيعاب تسلسل الأعراف، والعرف الراهن الذي يصبغ ظروف امرأة بعينها في طور نضجها ويؤثر فيها.

الحالات الاستثنائية

حرصا على أوفر قدر من الشمول، أضفتُ في كل قسم اعتبارات تتعلق بما أدعوه "الحالات الاستثنائية". وهذه الملاحظات الختامية معدّة لمعالجة بعض الأوضاع الشخصية الاستثنائية الأكثر شيوعا التي قد تمرّ بها المرأة، والتي قد تُبعدها، لسبب أو لآخر، عن المسارات الأكثر قابلية للتنبؤ التي تُهيئها لها مرحلة بعينها من النضج.

وفي معظم الأحوال، لا تُغيّر هذه الاستثناءات التجربة الكلية للمرأة في مرحلة نضجها، غير أن الظروف والقرارات الاستثنائية التي تتخذها كثيرا ما تُعدّل مسار هذا التطور.

فضلا عن ذلك، تُفرز هذه الاستثناءات، أو تُعدّل، أعرافا اجتماعية لاستيعاب قرارات المرأة وتكريسها - وغالبا بمشاركة ذكورية فاعلة - والدفاع عن عواقبها.

الكتاب الثاني: الفصول الداعمة

وأخيرا، أضفتُ عدة فصول داعمة آمل أن تجيب عن بعض الأسئلة والإشكاليات الأكثر شيوعا التي ستطرح نفسها حول مراحل بعينها من هذه الخريطة الزمنية. ومعظم هذه الفصول بدأت مقالات متابعة على مدونة "الذكر العقلاني"، لكني أعدتُ النظر في كثير من جوانبها، ورأيتُ أنها تستحق حضورا أوسع في هذا العمل.

وكثير من هذه الفصول يعكس مباشرة، أو يُعين على شرح، ديناميكيات طور بعينه، بينما يُقدّم بعضها الآخر منظورا أشمل يتجاوز عدة مراحل، أو يشمل أحيانا جميع أطوار النضج. وقد انتقيتُ هذه الأقسام بعناية باعتبارها تخدم غرضا تحذيريا أو تنويريا، يُعين الرجال على استيعاب الأبعاد الكبرى للخريطة الزمنية ذاتها.

وآثرتُ أن أضع معظم هذه الفصول الداعمة في النصف الثاني من الكتاب (الكتاب الثاني)، لكني بدأتُ بفصل "فهم الهيبرغامي"، ذلك أن هذه الديناميكية الفطرية الجوهرية هي حجر الزاوية لكل رجل يسعى إلى فهم حقيقي لطبيعة المرأة.

وأملٌ صادق يحدوني في أن يُفيد هذا العمل وضعك الشخصي وتفاعلاتك، بالقدر ذاته من الأثر والجدّية اللذين منحهما "الذكر العقلاني" للرجال. وكما بدأتُ في الكتاب الأول، أرى نفسي رابط نقاط، وأبذل - في الغالب - جهدا صادقا في تقديم أفكاري بأصدق ملاحظة أستطيعها.

لذا أُؤكّد مجددا أن "الذكر العقلاني - الطب الوقائي" لا يدّعي أنه الكلمة الفصل والشاملة في أيّ من المسائل أو المراحل التي ستقرأ عنها. فهذا المجلد ليس موسوعة، بل خريطة لاستثارة مزيد من النقاش والفهم لهذه الأطوار من النضج.

وكما في كل ما أكتبه، ربما تجد في بعض ما أصفه ما يُثير تحفّظك ومعارضتك، ثم بعد حين سيتردد صدى جانب ما بقوة بالغة، حتى تهزّ رأسك استنكارا لعدم إدراكك إياه على هذا النحو حين واجهتَه لأول مرة مع امرأة في ذلك الطور من نضجها.

هذه هي غاية هذا الكتاب. أريدك أن تشعر بشيء من الضيق. أريدك أن تومئ موافقا، وأن تهزّ رأسك حين لا توافق. أريدك أن تُثار لديك التساؤلات، وأريدك -بالتأكيد- أن تتأمل صحة ما تقرأ وأثره في تفاعلاتك الماضية والحاضرة والمستقبلية مع النساء، وكذلك انعكاسه على من تعرفهم أو ترتبط بهم من الرجال ممّن لم يعيشوا بعدُ هذه التجارب.

فليس ثمة طب وقائي حقيقي إلا حين يُمكن إيصال التحذير.

وأشعر دائما بالإطراء حين يرى فيّ القرّاء مُفسّرا استثنائيا لعلم النفس وطبيعة المرأة والعلاقات بين الجنسين، ونموذجا يُحتذى للحصول على تجارب عاطفية ناجحة، مع امتلاك زواج رائع امتدّ ثمانية عشر عاما حتى الآن. وبصدق، ليتني كنتُ ذلك الرجل، لكن هذا ليس رولو توماسي.

فأنا طالب في مدرسة الحياة، تماما كما أنتَ على الأرجح، وبهذه الصفة أُدرك قيمة الإقرار بأني لا أعرف في الحقيقة إلا القليل. هذه ملاحظاتي، وليست نصوصا مقدسة ولا أحكاما باتّة. لذا، وبهذا في الذهن، أطلب مرة أخرى في هذا الكتاب أن تقرأه بعقل منفتح، ولعلّنا بذلك نُصبح كلانا رجلا أفضل مع مرور الوقت الذي تُكرّسه لهذه الملاحظات.

وكما هي عادتي دوما، أنا في متناول يدك عبر تعليق على مدونة "الذكر العقلاني"، أو بريد إلكتروني سريع (على صفحة "من أنا")، إن كانت لديك تساؤلات، أو ربما اعتبارات أرى أني لم أُراعها.

رولو توماسي - فبراير 2015

تعليقات القراء على الطب الوقائي

شارك رأيك بشكل مباشر — يكفي كتابة اسمك (أو اسم مستعار) والتعليق.

0/1500

جارٍ تحميل التعليقات...