
الكتاب الثاني · 2015
الذكر العقلاني: الطب الوقائي
الوقاية قبل الجرح — ديناميكيات نضج المرأة، وما يتمنى كل رجل لو علمه في وقت مبكر.
مقدمة المترجم
حين أمسكتُ بهذا الكتاب للمرة الأولى، لم أكن أتوقع أن أجد نفسي أمام عمل يُعيد صياغة طريقة تفكيري في العلاقات الإنسانية من جذورها. لكنني وجدتُ، ككثير من الرجال حول العالم، أن ما يطرحه رولو توماسي في سلسلة الذكر العقلاني لا يشبه غيره من الكتابات في هذا الميدان.
رولو توماسي: العرّاب الكبير للحبة الحمراء
يُعرف رولو توماسي في أوساط واسعة بلقب "عرّاب الحبة الحمراء"، وهو حضور راسخ في عالم الـ"مانوسفير" منذ ما يزيد على عشرين عاما. وقد أصدر كتابه الأول الذكر العقلاني عام 2013، الذي أصبح فيما بعد يُعرف بـ"إنجيل الحبة الحمراء"، وله أثر إيجابي موثق في حياة ملايين الرجال حول العالم.
يتمحور منهج توماسي حول علم النفس التطوري والموضوعية الفلسفية، إذ يقدم مقاربة براغماتية وعملية لفهم الديناميكيات بين الجنسين وطبيعة الرجل والمرأة وتأثيرها على المجتمع المعاصر. وقد ترجمت أعماله إلى أكثر من أربعين لغة، وباتت مرجعا أساسيا لمن يسعى إلى فهم نفسه والعالم من حوله فهما مختلفا.
وهاهنا يأتي كتابنا: الطب الوقائي — الوقاية قبل الجرح
يسعى كتاب الذكر العقلاني، الطب الوقائي إلى مساعدة الرجال الذين يتمنون لو عرفوا في وقت مبكر ما يعرفونه الآن. ويتناول الكتاب الديناميكيات بين الجنسين في كل مرحلة من مراحل نضج المرأة، ويقدم إطارا عمليا للتعامل مع تلك المراحل المختلفة.
يُقدم الوعي بالحبة الحمراء في هذا الكتاب باعتباره إجراء وقائيا في مواجهة التكييف الأنثوي الذي يؤثر على الرجال الشباب اليوم، إذ يعمل على تحدي ما يسميه توماسي "الإمبراطورية الأنثوية" بأدوات معرفية دقيقة.
الحبة الحمراء: ظاهرة تستحق الدراسة
لم تعد الحبة الحمراء مجرد استعارة من فيلم ماتريكس؛ فقد باتت موضع اهتمام أكاديمي جدي. أجرى شون فان فالكنبورغ أول دراسة نوعية معروفة تُركز على منتدى الحبة الحمراء، إذ حلّل ست وعشرين وثيقة تجاوزت مئة وثلاثين ألف كلمة، واستنتج أن فلسفة الحبة الحمراء لا تقتصر على التعبير عن نموذج الذكورة المهيمنة، بل تدمج صراحة الخطاب العلمي ونظريات علم النفس التطوري في منظومة فكرية متكاملة.
وتكشف الدراسات أن أيديولوجية الحبة الحمراء تستند بصورة انتقائية إلى علم النفس التطوري الشعبي، وتؤكد أن التمايز الجنسي أمر جوهري وطبيعي، مقدمة الفرضية الأساسية بأن التطور قد شكّل العلاقات بين الجنسين بحيث طورت كل منهما استراتيجيات تكاثر وتفضيلات تزاوج مختلفة.
وما يجعل توماسي مميزا في هذا الفضاء المزدحم بالأصوات، هو منهجه المنضبط: فهو لا يكتفي بالشكوى ولا بالتحريض، بل يبني نظرية متسقة تقوم على مفاهيم محددة وقابلة للفحص والنقد.
مصطلحات لا بد من معرفتها
يعتمد الكتاب على منظومة مفاهيمية متخصصة قد تبدو غريبة على القارئ العربي في البداية. لذا، يُنصح القارئ بالرجوع إلى ملحق المصطلحات في آخر الكتاب وفي سلسلة الذكر العقلاني كاملة تقريبا، هذا إذا استشكلت عليك الاختصارات مع أنني حاولت جاهدا أن أوضح المعنى كاملا من دون لف صفحات الكتاب كثيرا.
كلمة أخيرة عن ترجماتي لسلسلة الذكر العقلاني
لا يأتي هذا الكتاب بمعزل عن سياق، لا من حيث تأليفه ولا من حيث ترجمته. فقد حرصتُ منذ البداية على أن أُتمّ هذا المشروع من أوله إلى آخره، في رحلتي مع السلسلة كاملة، فترجمتُ السلسلة الكاملة لأعمال رولو توماسي تباعا، كتابا كتابا، حتى وصلنا إلى هذا المجلد الذي بين يديك الآن: الذكر العقلاني: الطب الوقائي.
وليس هذا ترفا أو مصادفة. فالسلسلة مبنية على تراكم مفاهيمي متعمد؛ كل كتاب يفترض معرفة ما سبقه، وكل مفهوم يستند إلى ما أُسّس قبله. لذا فإن القارئ الذي رافقنا منذ البداية سيجد في الطب الوقائي ثمرة لما زرعه في قراءاته السابقة. أما من يبدأ من هنا، فلا بأس جدا، لكنه مدعو للعودة إلى ما سبق ليكتمل البناء.
أقدم هذه الترجمة إلى القارئ العربي بأمانة تامة في نقل النص الأصلي كما هو، دون حذف أو تلطيف أو توجيه أيديولوجي. ما كتبه توماسي يحمله كما كتبه، بجرأته وإشكالياته وأدواته النظرية جميعا. أؤمن أن القارئ العربي راشد يستطيع أن يقرأ ويقيّم ويأخذ ما ينفعه ويترك ما لا يراه مناسبا.
غير أن الأمانة تقتضي أن أُقرّ: الترجمة جهد بشري، والخطأ وارد. ما من مترجم معصوم، وما من نص منقول يخلو من الهفوة. وقد بذلتُ جهدي للتحقق من الدقة المصطلحية والأمانة المعنوية، لكنني لا أتبرأ من بشريتي. فإن وجد القارئ خطأ أو زلة، فليذكرها بالإفادة لا بالانتقاد المجرد، فنحن جميعا في خدمة المعرفة.
وأخيرا، فإن هذا الكتاب كما سلسلة الذكر العقلاني بأكملها ليس كتاب كراهية ولا نبوءة مقدسة؛ إنه أداة تفكير. وأدوات التفكير لا تُتعبَّد ولا تُرفض جملة؛ إنها تُستخدم لفهم الجائحات من الفكر النسوي الخبيث، والرغبة الحارقة للمرأة لمضغ الرجل اللطيف، وهنا نشير لطبيعة المرأة الحديثة، فتاة السوشل ميديا والانستغرام و فتاة "عليكي عيون، لا بتنافق ولا بتخون" التي تستعصي على كثير من ذكور البيتا الذين يَغُثُّون الأنفس الرجولية بالمطاردة وقتل الرجولة، مع أن مفاهيم الحبة الحمراء الأساسية تدعو إلى تنمية الدخل والقدرات والمهارات والإرتقاء الوجودي في المجتمع والمكانة.
وما كان ربك نسيّا....
د. إبراهيم محمد المالكي
تعليقات القراء على الطب الوقائي
شارك رأيك بشكل مباشر — يكفي كتابة اسمك (أو اسم مستعار) والتعليق.
جارٍ تحميل التعليقات...