← الرئيسية
غلاف كتاب الذكر العقلاني: إعادة الاشتعال

الكتاب السادس · 2025

الذكر العقلاني: إعادة الاشتعال

الجمرة التي لم تمت — الخاتمة العملية لسلسلة الذكر العقلاني، من التشخيص إلى بناء الرجل القادر على مواجهة واقعه.

مقدمة المترجم

بين يدي الجمرة الأخيرة

عندما أمسكتُ بالكتاب الأول من هذه السلسلة قبل سنوات، لم أكن أُدرك أنني أضع يدي على جمرة ستُحرق كثيرا مما اعتقدته حقيقة مسلَما بها عن الرجل والمرأة والعلاقة بينهما. لم أكن أعلم أنني سأقضي سنوات متتالية في نقل هذا الصرح الفكري الضخم إلى العربية، مؤمنا بأن القارئ العربي أحوج ما يكون إلى هذا الكلام في زمن بات فيه الرجل يتساءل عن نفسه في صمت، ولا يجرؤ على الإجابة بصوت عالٍ.

هأنَذَا اليوم أضع بين يديك الجزء السادس والأخير، "الذكر العقلاني: إعادة الاشتعال"، الخاتمة التي أرادها رولو توماسي تاجا لعقدين من البناء الفكري المتراكم، وخلاصة عملية لكل ما أسّسه في الأجزاء الخمسة السابقة.

لقد رافقت رولو توماسي في هذه الرحلة الفكرية الشاقة زهاءَ ثلاث سنوات متواصلة، تنقّلت خلالها بين كتبه الستة تنقّل من يسكن نصا لا من يزوره؛ أقرأ ثم أُعيد القراءة، وأترجم ثم أُراجع الترجمة، وأتوقف أمام المصطلح الواحد أياما متتابعة حتى يستقر على صياغة تُرضي ضميري المعرفي قبل أن تُرضي ذائقتي اللغوية. ثلاث سنوات لم يكن توماسي خلالها مؤلفا أنقل كلامه من لغة إلى أخرى، بل كان محاورا عنيدا يُجادلني، وأرفض بعض ما يقول وأُقرّ بعضا آخر، وأبحث في كل مرة عن الكلمة العربية التي تحمل حِدّته دون أن تفقد رصانتها. وهذه المرافقة الطويلة هي وحدها ما يمنحني الجرأة على الكتابة بهذه الملاحظة، لا ادعاء بالإحاطة الكاملة، بل اعترافا بأن من عاش مع نص ثلاث سنوات قد اكتسب منه ما لا يكتسبه من قرأه.

رولو توماسي ومشروع عقدين

في عام 2013، صدر الجزء الأول من سلسلة "الذكر العقلاني"، فكان بحق ما وصفه المتتبعون لظاهرة الحبة الحمراء في العالم الغربي بـ"الإنجيل"، الكتاب الذي أشعل فتيل حركة فكرية واسعة النطاق تناولت بجرأة غير مسبوقة ما ظلت المجتمعات الغربية تتعامل معه بالإنكار أو التعتيم: طبيعة الديناميكيات بين الجنسين، والأسس النفسية والتطورية التي تُحرك العلاقات الإنسانية بعيدا عن القشرة الاجتماعية التي ألبستها إياها عقود من الخطاب النسوي الشعبي.

توماسي ليس مجرد كاتب في حقل الإرشاد أو ما بات يُعرف في الغرب بـ"المجال الرجولي". هو باحث في علم النفس التطوري، وناظر عقلاني بارد في الديناميكيات البيولوجية والاجتماعية بين الذكر والأنثى، دأب لأكثر من عشرين عاما على بناء منظومة فكرية متكاملة ومتماسكة، يُسلّح بها الرجل بأداة تحليلية لفهم واقعه بدلا من الاستسلام لأوهامه. ولهذا لقّبه كثيرون بـ"عرّاب الحبة الحمراء"، إشارة إلى ذلك التحول المعرفي الحاد الذي تُلقيه أعماله في وعي من يقرأها بجدية وأمانة.

الرجل المُدجَّن: الجريمة التي لا تُسمَّى

لا يمكن فهم ما يكتبه توماسي دون استيعاب الأزمة الحضارية العميقة التي يشخّصها: الرجل المُدجَّن.

لم تُدجَّن الحيوانات بالقوة الغاشمة وحدها، بل بإعادة برمجة غرائزها الفطرية تدريجيا حتى نسيت أصلها. وما جرى للرجل في العقود الأخيرة ليس بعيدا عن هذا القياس. عبر منظومة تعليمية ممنهجة، وخطاب إعلامي مُشبَع، وضغط اجتماعي متراكم، بات الرجل يُعلَّم منذ نعومة أظفاره أن يجعل المرأة محور وجوده ومنطلق كل قراراته، أن يُذوّب إلغاء ذاته كفضيلة عليا، وأن يقيس رجولته بمقدار ما يُقدمه لا بمقدار ما يُحقق.

والمآل؟ جيل من الرجال يعيشون في عقر دار وعيهم كغرباء، لا يعرفون ما يريدون، ولا يجرؤون على السؤال، ولا يملكون المفردة التي تصف ما يشعرون به. يُطلق عليهم فشلهم في استيعاب الواقع اسم "أزمة منتصف العمر"، بينما الحقيقة أنها ليست أزمة، بل صحوة مُؤجَّلة يحاول المجتمع بكل أدواته إجهاضها.

ست كتب، في بنيان واحد

حين شرعت في ترجمة هذه السلسلة، وقفت أمام تحدٍّ مزدوج: الأمانة في نقل المحتوى، والأمانة في نقل الروح. فتوماسي لا يكتب بلغة الكتب المدرسية ولا بأسلوب المحاضرات الأكاديمية الجامدة؛ يكتب بصرامة المحلل ولهجة الرجل الذي يتحدث مباشرة لرجل يثق أنه يسمعه.

الجزء الأول أرسى المفاهيم التأسيسية: الهيبرغامي، والنافذة الزمنية، والإطار الشخصي، وديناميكيات الجذب الأصيلة. الجزء الثاني تناول المراحل العمرية للمرأة ومنطق الاستراتيجيات الزوجية. الجزء الثالث واجه مباشرة الخطاب النسوي وتداعياته على بنية العلاقة. الجزء الرابع اشتغل على الجانب العملي وبناء القيمة الذاتية. الجزء الخامس توغّل في منطق الديناميكيات الطويلة الأمد وأفخاخ الارتباط. أما هذا الجزء، "إعادة الاشتعال"، فهو الخلاصة العملية، الجواب على السؤال الذي يسأله كل من قرأ الأجزاء الخمسة: حسنا، فهمت النظرية، فماذا أفعل الآن؟

في إشكالية النقل المصطلحي وفلسفة الاختيار

ملاحظة المترجم:

لا يواجه مترجم الفكر الاجتماعي والنفسي تحديا أعسر من تحدي المصطلح، ولا أشدَّ منه خطرا حين يُستهان به. فالمصطلح ليس كلمة تُستبدل بكلمة، ولا مفهوما يُعوَّض بمقابله القاموسي المجرد؛ هو منظومة دلالية متشعبة الجذور، محملة بطبقات متراكبة من السياق الثقافي والتاريخي والنفسي الذي نشأت في رحابه، ويستحيل على اللغة المستقبِلة أن تستوعب كل هذه الطبقات بمجرد البحث عن كلمة مقابِلة في المعجم، أو الاكتفاء بالتعريب الصوتي الذي يُلبس الكلمة الأجنبية رداء عربيا دون أن ينفخ فيها روحا.

وتتضاعف هذه الإشكالية وتتعقد حين يكون النص المنقول من طبيعة هذا الكتاب: نص يشتغل في منطقة التقاطع الحساس بين علم النفس التطوري وعلم الاجتماع البيولوجي والفلسفة الوجودية وأدب التنمية الذاتية، معتمدا على منظومة مصطلحية خاصة ابتكرها رولو توماسي وزملاؤه في فضاء الكتابة الرجولية الغربية على مدى عقدين متواصلين، وباتت لها حياة مستقلة بذاتها في الاستخدام والتداول، بل غدت مرجعا راسخا في أدبيات علم النفس التطوري التطبيقي وديناميكيات العلاقات بين الجنسين.

وحين أقول إن هذه المصطلحات لها حياة مستقلة، أعني ذلك بأدق معانيه وأثقلها دلالة. فكلمة مثل: Frame لا تعني في هذا السياق "الإطار" بمعناها البصري أو الهيكلي المجرد الذي يستحضره القارئ بادئ الرأي؛ بل تحمل دلالة فلسفية نفسية محددة تشير إلى منظومة الواقع الذاتي الذي يبنيه الإنسان حول نفسه ويُعرِّف من خلاله علاقته بالآخرين، وموقعه في التراتب الاجتماعي والجنسي، وطريقة تفسيره للأحداث وردود أفعاله حيالها. إنها أقرب إلى مفهوم "النموذج الإدراكي" في علم النفس المعرفي، غير أنها تحمل في السياق التوماسي بُعدا تطبيقيا اجتماعيا لا يستوعبه المصطلح المعرفي الخالص. وترجمتها بـ"الإطار الشخصي" كانت خيارا مقصودا يحاول التقريب دون القتل، لكنه لا يدّعي الاستيفاء الكامل لكل ما تحمله الكلمة في أصلها.

وهذا بالضبط هو الأساس الفلسفي الذي انبنت عليه منهجيتي في نقل مصطلحات هذه السلسلة كاملة، من الذكر العقلاني الأول وصولا إلى هذه الحبة الأخيرة التي بين يديك: لا ترجمة حرفية جامدة تُجمّد المعنى وتخونه، ولا استسلام لنقل المصطلح الأجنبي بحروفه اللاتينية ليظل غريبا عن القارئ العربي منقطع الصلة بوعيه اللغوي، بل مسار ثالث يقوم على ثلاثة مبادئ متكاملة ومتعاضدة: المقاربة الدلالية التي تُقرّب المعنى دون أن تختزله، والتجذير السياقي الذي يُرسّخ المصطلح في بيئته الفكرية لا في الفراغ المعجمي، والاتساق المنهجي الصارم عبر السلسلة التوماسية كاملة.

أولا: المصطلحات التي لا مقابل عربيا راسخا لها

يمثل هذا الصنف من المصطلحات أصعب ما يواجهه المترجم وأشدّه إرباكا، إذ يجد نفسه أمام خيارات كلها منقوصة لا خيار كامل بينها. وحين وقفت أمام مصطلح The Red Pill لأول مرة في الجزء الأول من هذه السلسلة، أدركت أنني أمام اختبار حقيقي لمنهجي قبل أي اختبار لكفاءتي اللغوية.

"الحبة الحمراء" هي الترجمة الأكثر حضورا وتداولا في الفضاء العربي المعاصر، وهي ترجمة حرفية تستدعي المرجع الثقافي الأصلي لمن يعرفه، أي مشهد الاختيار الشهير من فيلم The Matrix بين حبة حمراء تكشف الحقيقة المرّة وحبة زرقاء تُبقي المرء في وهم مريح. وهذا المرجع ليس زخرفيا في عمل توماسي بل هو الاستعارة المؤسِّسة لبنائه الفكري كله، إذ يرى أن معظم الرجال يعيشون في "مصفوفة" من الأوهام الاجتماعية حول طبيعة العلاقات والمرأة والجاذبية، و"الحبة الحمراء" هي لحظة الصحو من هذه المصفوفة والمواجهة الصريحة مع الواقع كما هو لا كما يُراد لنا أن نؤمن به. ومع ذلك، قد تبدو هذه الاستعارة لقارئ لا يعرف هذا المرجع السينمائي مجردة من السياق، بل وقد تبدو غريبة أو مربكة. ومع ذلك آثرت الإبقاء عليها لأن شيوعها في الكتابة العربية الجادة التي تتناول هذا الحقل الفكري قد منحها نوعا من التجنيس الجزئي، ولأن أي بديل آخر كان سيُضيف غرابة على غرابة بدلا من أن يحلّ الإشكال.

وعلى النقيض من ذلك، وقفت أمام مصطلحات مثل Hypergamy وهو من أثقل المصطلحات دلالة وأكثرها حضورا في هذه السلسلة وأشدها تأثيرا في بنيان النظرية التوماسية برمّتها. والهيبرغامي في أصله مصطلح أنثروبولوجي يصف نمطا في الزواج يميل فيه أحد الطرفين إلى الاقتران بمن هو أعلى منه في السلّم الاجتماعي. غير أن توماسي وسّع دلالته توسيعا جوهريا ليشمل الميل التطوري الفطري لدى الأنثى نحو الانتقاء الصاعد باستمرار على جميع الأصعدة: المادية والاجتماعية والجنسية والجينية، وجعل منه أحد أعمدة نظريته الكبرى في ديناميكيات العلاقة بين الجنسين. وحين تجلس أمام هذا المصطلح لتُعرِّبه، تجد نفسك أمام متاهة من الخيارات كلها منقوصة: "نزوع التصاعد" يؤدي جانبا من المعنى ويضيّع جوانب أخرى، و"الانتقائية الصاعدة" تُؤدي جانبا مغايرا، و"الميل للارتقاء الاجتماعي" يُفقد المصطلح طابعه التطوري البيولوجي، ولا شيء من ذلك كله يستوعب الثقل الدلالي الكامل الذي يحمله المصطلح في أصله. لذلك اخترت في معظم السياقات الإبقاء على "الهيبرغامي" مع شرح وافٍ في موضع أول استخدامه، متبعا منهج التجنيس المصطلحي الذي يُعرِّب الصوت ويُعلِّم الدلالة في آنٍ واحد، وهو المنهج ذاته الذي سلكته الترجمة العربية في مجالات كالفلسفة وعلم النفس والأنثروبولوجيا مع مصطلحات مثل "الفينومينولوجيا" و"الهيرمينوطيقا" التي باتت اليوم جزءا من الأثاث المعرفي للقارئ المتخصص.

ثانيا: المصطلحات ذات الدلالة المركّبة والشبكية

الجانب الأكثر تعقيدا وأشد التواء في مصطلحية توماسي أنها لا تُشكِّل مصطلحات مستقلة يمكن نقل كل منها بمعزل عن الأخرى، بل تُشكِّل شبكة دلالية عضوية متشابكة يُكمل بعضها بعضا ويشترط بعضها بعضا، بحيث لا يمكن فهم أي منها فهما حقيقيا بمعزل عن السياق الأشمل الذي بناه توماسي عبر آلاف الصفحات من كتابته المتراكمة.

فمصطلح Burden of Performance الذي آثرت ترجمته بـ"عبئ الأداء" لا يمكن استيعابه استيعابا حقيقيا دون فهم ما يعنيه توماسي بمصطلح Frame أولا، الذي لا يمكن هو الآخر فهمه دون الإلمام بما يعنيه بمصطلح Mental Point of Origin الذي ترجمته بـ"منطلق التفكير الذاتي". وهذه الشبكة المصطلحية الثلاثية تعمل معا كمنظومة واحدة لا يكتمل معنى أي عضو فيها إلا بالأعضاء الأخرى، والترجمة التي تُخلّ بأحد حلقاتها تُضعف فهم الكل وتُشوّش الصورة التفسيرية التي أراد توماسي رسمها.

ومن أبرز هذه المصطلحات المركّبة وأكثرها إشكالا مصطلح Spinning Plates، الذي يصف استراتيجية المواعدة المتعددة غير الحصرية. وهو مصطلح مجازي يستعير صورة الأداء السيركي الكلاسيكي حين يُوازن المهرج أطباقا دوّارة على أعواد متعددة في آنٍ واحد، محافظا على حركة كل طبق بضربات منتظمة متوالية حتى لا يسقط. والترجمة الحرفية "تدوير الأطباق" لا تحمل أي دلالة واضحة للقارئ العربي الذي لا يستحضر المجاز البصري الأصلي بالضرورة، وفي الوقت ذاته يستحيل اختزال المفهوم في كلمة أو عبارة وجيزة تُؤدي المعنى الكامل بكل أبعاده. لذا لجأت إلى تقنية التعريب السياقي بترجمته بـ"الموازنة بين علاقات متعددة" مع الإشارة إلى الأصل المجازي عند الحاجة والاقتضاء.

وعلى المنوال ذاته، وقفت أمام مصطلح Alpha Fucks / Beta Bucks الذي يصف ثنائية الاستراتيجية الانتقائية الأنثوية بين الانجذاب العاطفي والجنسي للرجل المثير القوي من جهة، والارتباط الاستراتيجي بالرجل الموفّر المستقر من جهة أخرى. وهو مصطلح بالغ الحضور في الكتاب وبالغ الصعوبة في الترجمة في آنٍ واحد، ويستخدم كثيرا خاصة في: "الذكر العقلاني، الذكورة الإيجابية" لما يحمله من إيحاءات عامية مقصودة في الأصل الإنجليزي تعكس نبرة توماسي الصريحة الاستفزازية المحسوبة التي تُشكّل جزءا من هويته الأسلوبية. واخترت ترجمته وصفيا بـ"الانجذاب للرجل المثير مقابل الارتباط بالرجل الموفّر"، مؤثرا الوضوح الدلالي الصريح على الإيقاع العامي الذي يستحيل نقله إلى العربية دون أن يبدو مبتذلا منفّرا يُلهي القارئ بمظهر التعبير عن جوهره.

ثالثا: منهج التجنيس المصطلحي وشروط تطبيقه

في حالات عديدة انتهيت إلى أن الإبقاء على المصطلح الأجنبي معرَّبا صوتيا مع تعليق دلالي وافٍ يُوضح معناه هو الخيار الأكثر أمانة وأقل تضليلا وأبعد عن الادعاء الكاذب باستيفاء المعنى. وقد حكم هذا الاختيار معيار مزدوج: أن يكون المصطلح ذا ثقل دلالي لا تستطيع أي ترجمة أن تستوعبه كاملا دون خسارة جوهرية، وأن يكون بدرجة كافية من الانتشار في الكتابة العربية الجادة بحيث لا يبدو التجنيس اختراعا من العدم بل استمرارا لمسار معرفي قائم.

فالهيبرغامي جرى تجنيسه لأن كل محاولة لتطويعه بترجمة وصفية تختزله في جانب واحد من دلالته الثرية، ولأنه مصطلح بات متداولا في الكتابة العربية الجادة التي تتناول علم النفس التطوري والأنثروبولوجيا الحديثة. و"الحبة الحمراء" احتفظت بها على مضض واطمئنان في آنٍ واحد، لأن شيوعها في الفضاء الرقمي العربي منحها شرعية تداولية لا يملكها أي بديل مقترح. والذكورة الإيجابية أو "الرجولة الأصيلة" اعتمدتهما بحسب ما يقتضيه السياق، مفضّلا الأول حين يكون السياق تحليليا نفسيا، والثاني حين يكون السياق وجوديا قيميا. أما الــ Game فقد آثرت ترجمته وظيفيا بـ"فن الإغراء" أو "فن التعامل" بحسب السياق، لأن التعريب الصوتي هنا يُبقي الكلمة الإنجليزية منطوقة بلسان عربي دون أن يُضيف شيئا للقارئ الذي لا يعرف الأصل.

رابعا: مبدأ الاتساق المنهجي عبر السلسلة التوماسية كاملة

ربما كان هذا الجانب أعسر ما واجهته في هذا المشروع الترجمي الممتد وأشده صمودا في وجهي حين أردت التيسير. فصعوبة المصطلح المنفرد تحلّها المداومة والتأمل والمراجعة، لكن الحفاظ على اتساق الاختيار المصطلحي عبر ستة أجزاء امتدت ترجمتها على مدى أكثر من ثلاث سنوات متواصلة يتطلب ما هو أعمق من الكفاءة اللغوية: يتطلب بناء ذاكرة نصية منهجية وانضباطا في توثيق كل اختيار مع مبرراته وسياقاته.

فالقارئ الذي يسير مع هذه السلسلة من أولها إلى خاتمتها يستحق أن يجد المصطلح الذي تعلّمه في الجزء الأول حاضرا بالدلالة ذاتها والصياغة ذاتها في الجزء السادس. لأن المنظومة المصطلحية في أعمال توماسي ليست مجرد معجم مساعد بل هي الخيط الرابط الذي يمنح السلسلة كلها تماسكها الداخلي وتراكمها التفسيري، والقارئ الذي يجد المصطلح الواحد يُترجم بطريقتين مختلفتين بين جزء وآخر لا يُشوَّش فهمه فحسب، بل يفقد الثقة بالمشروع الترجمي كله ويشعر بأنه يقرأ نصوصا متفرقة لا سلسلة متكاملة.

لهذا احتفظت بمعجم مصطلحي مُدوَّن ومحكم يضم كل اختيار مصطلحي قطعت به مع مبرراته وسياقاته ومراجعاته، وكنت أرجع إليه بانتظام كلما وقفت على مصطلح سبق أن واجهته في جزء سابق. وقد أسهم هذا المعجم الداخلي في الحفاظ على انسجام السلسلة وتماسكها عبر الزمن والتقطع الذي لا يُفرّ منه أي مشروع ترجمي ممتد.

خامسا: اعتراف صريح في حدود الترجمة

لا يخدم القارئَ ولا يخدم المعرفةَ أن يدّعي المترجمُ الكمالَ لعمله أو يُوحي بأن ما بذله من جهد قد استوفى النص حقه كاملا. فكل ترجمة هي في نهاية المطاف قرار بالخسارة المُدارة: أن تحتفظ بالدلالة وتخسر الإيقاع، أو تحتفظ بالإيقاع وتخسر شيئا من الدلالة، أو تحتفظ بالمجاز الأصلي وتخسر الطلاقة، أو تُحقق الطلاقة وتخسر شيئا من وهج الأصل ونبضه الحي.

وهذا الكتاب بالذات، بلغته الحية المتوثبة التي تتأرجح بين دقة الأكاديمي المحكمة وحدة الرجل الذي يتحدث من تجربة مضنية لا من مكتبة مريحة، كان تحديا جماليا لا يقل عن كونه تحديا مفاهيميا. فأسلوب توماسي نفسه يُشكّل جزءا من رسالته: حدّته المقصودة، وصراحته التي تصل حد الاستفزاز المحسوب، ونبرة الرجل الذي لا يعتذر عن حقائق يراها ماثلة، كل هذا عنصر بلاغي أصيل لا يمكن تبريده أو تلطيفه دون خيانة جوهرية لروح النص.

ما أستطيع قوله بثقة وأنا أودّع هذه السلسلة هو أنني لم أتهاون في البحث عن الاختيار الأدق ولم أمرّ على مصطلح إشكالي بالإغفال أو الاستسهال، وأن الأمانة التي أدين بها للمؤلف لا تقل عن الأمانة التي أدين بها للقارئ العربي، وأن بينهما توترا خلاقا لا حلا نهائيا. فإن وجد القارئ اختيارا يرى أن ثمة ما هو أوفى منه وأدق، فهذا نقاش أدعوه إليه بكل رحابة، إذ لا تكتمل ترجمة أمينة إلا بقارئ يقظ يُساهم في إغنائها وتطويرها لا في تخريبها أو الانتقاص منها.

وفي المحصلة، فإن المصطلح الأجنبي الجيد الذي يُشرح عند ورود وتُبسط دلالاته ثم يُستخدم بانتظام واتساق هو مصطلح عربي في طور التكوّن والتجنيس. وهكذا تتسع اللغة دائما وتنمو: لا بالانغلاق على موروثها الداخلي وحده، بل بقدرتها على استيعاب ما يأتيها من الخارج وإعادة صياغته وإدماجه بأسلوب يجعله في نهاية المطاف جزءا من نسيجها الحي لا دخيلا على روحها. وهذا بالضبط ما حاولت هذه الترجمة أن تفعله على مدار ستة أجزاء وثلاث سنوات وآلاف الصفحات.

خاتمة: الجمرة التي لم تمت

في هذا الكتاب الأخير من السلسلة، ينتقل توماسي من التشخيص إلى التوجيه، ومن تشريح الواقع إلى بناء الرجل القادر على مواجهته. "إعادة الاشتعال" ليست كناية رومانسية عن عاطفة خامدة أو شعلة انطفأت؛ إنها استعارة وجودية عميقة عن رجل أُطفئ بقصد أو بغير قصد، اجتاز أهوال التفريغ من الذات وهدم ما اعتقد يوما أنه هو، ليكتشف في الحطام جمرة لم تمت، وهي بالضبط الجمرة التي يُريد هذا الكتاب إعادة إشعالها وتأجيجها.

يتناول الكتاب بصورة مباشرة وعملية إعادةَ التقييم الذاتي في سوق العلاقات المعاصر، وبناءَ الإطار الشخصي الراسخ الذي لا يهتز بهزات الآخرين، وفهمَ القيمة الحقيقية للرجل ومعايير قياسها في المعادلة التبادلية للعلاقة، وفنَّ الإغراء لا بوصفه حيلة تنمية ذاتية يُعلّمها مدرّبون محترفون، بل بوصفه تعبيرا أصيلا عن شخصية مكتملة تعرف قيمتها. وأخيرا حدودَ العلاقات الطويلة وشروطها العميقة ومتطلباتها الصارمة التي لا يُفرّ منها.

أُقدِّم هذه الترجمة للقارئ العربي بعد رحلة مضنية ومبهجة في آنٍ واحد من الاشتغال على نص يأبى الركاكة ويستعصي على الاختزال. حرصت فيها على الأمانة في النقل وعلى أن تُحافظ اللغة العربية على صرامة النص الأصلي وحيويته دون أن تُفقد القارئ متعة الانسياب البلاغي الذي تمتاز به العربية حين تكون في يد من يحترمها.

ما بين يديك ليس كتابا يُبيح الفوضى ولا نصا يُشجع على الأنانية المطلقة. هو في جوهره نداء للرجل أن يستعيد وعيه بنفسه ويُحكم قبضته على دفّة حياته، وأن يرفض برصانة الراسخ أن تُعاش حياته وفق مشروع كتبه غيره له.

الجمرة لم تمت. حان وقت إعادة الاشتعال.

د. إبراهيم محمد المالكي

تعليقات القراء على إعادة الاشتعال

شارك رأيك بشكل مباشر — يكفي كتابة اسمك (أو اسم مستعار) والتعليق.

0/1500

جارٍ تحميل التعليقات...