
الكتاب الرابع · 2021
الذكر العقلاني: الدين
حين يلتقي الإيمان بعلم النفس التطوري — قراءة تحليلية في المنظومات الدينية والغريزة التزاوجية.
مقدمة المترجم
الذكر العقلاني الدين: حين يلتقي الإيمان بعلم النفس التطوري
ثمة كتب تُشخّص الواقع، وأخرى تُعلّم التعامل معه، وقلة نادرة تجرؤ على الذهاب إلى الجذر الذي تنبت منه كل التشخيصات والتعليمات معا. هذا الكتاب من القلة النادرة. فـ"الدين"، الجزء الرابع من سلسلة "الذكر العقلاني" لرولو توماسي، ليس كتابا عن الإيمان بالمعنى اللاهوتي الضيق، ولا هو نقد للأديان بالمعنى الذي قد يستحضره العنوان لأول وهلة؛ إنه محاولة جادة وجريئة لفهم لماذا احتاج الإنسان، عبر تاريخه الطويل، أن يُؤطّر غرائزه التزاوجية الأعمق في منظومات من المعنى المتعالي، ولماذا ظلت تلك المنظومات تتشكل وتتجدد رغم كل التحولات التي عصفت بالمجتمعات البشرية.
أمضيت رفقة رولو توماسي ثلاث سنوات متواصلة، تنقّلت خلالها بين كتبه الستة واحدا واحدا، حتى آلت إليّ مهمة لم يسبقني إليها أحد في أي لغة من لغات العالم: نقل سلسلة "الذكر العقلاني" كاملة، من أولها إلى آخرها، إلى لغة أخرى غير الإنجليزية. فبرغم انتشار هذه السلسلة وتأثيرها الواسع في الأوساط الفكرية الغربية المعنية بدراسة العلاقات بين الجنسين، ظلت محصورة إلى حد بعيد في لغتها الأصلية، ولم تحظَ بترجمة شاملة كاملة الأجزاء في أي لغة أخرى سوى ما تجده الآن بين يديك بالعربية. وهذا ليس افتخارا عابرا أُسجّله هنا، بل مسؤولية أدركتُ ثقلها الحقيقي وأنا أُترجم هذا الجزء بالذات: أن أنقل إلى القارئ العربي فكرا لم يُتح له من قبل أن يطّلع عليه كاملا متماسكا، لا مجتزأ من مقالات مترجمة هنا وهناك دون سياق يربطها.
من هو رولو توماسي، ولماذا يستحق هذا الجهد؟
يُلقَّب رولو توماسي في الأوساط التي يكتب فيها بـ"عرّاب الحبة الحمراء"، وهو لقب لم يُمنح اعتباطا بل تكريسا لعقدين كاملين من الكتابة المنهجية المتراكمة التي أرست أسس هذا الحقل الفكري بأكمله. لم يكن توماسي أول من تحدث عن "الحبة الحمراء" بوصفها استعارة لليقظة من الأوهام الاجتماعية السائدة حول العلاقات بين الجنسين، لكنه كان أول من منحها بنيانا نظريا متماسكا يستند إلى علم النفس التطوري وعلم الاجتماع البيولوجي والأنثروبولوجيا، بدلا من تركها مجرد شعارات متناثرة في منتديات الإنترنت.
وما يميز توماسي عن عشرات الكتّاب الذين خاضوا في هذا الحقل من بعده هو منهجه الصارم: فهو لا يكتب نصائح عاطفية ولا وصفات سريعة، بل يبني حججه بناء تراكميا يستحضر فيه الدراسات السلوكية والمعطيات التطورية والملاحظة الاجتماعية الدقيقة، بأسلوب يتأرجح بين دقة الأكاديمي الذي يُسند كل دعوى بدليلها، وحدة الرجل الذي يكتب من مُعاش الخبرة لا من برج المكتبة العاجي. وهذا المزيج النادر بين الصرامة المنهجية والصراحة الجارحة أحيانا هو ما جعل كتاباته مرجعا لا يُستغنى عنه لكل من أراد أن يفهم هذا الحقل الفكري فهما حقيقيا لا سطحيا.
لماذا الدين؟ السؤال الذي يستحق أن يُسأل
قد يستغرب القارئ للوهلة الأولى أن يُخصص كاتب متخصص في علم النفس التطوري والديناميكيات الجنسية كتابا كاملا للدين. لكن توماسي يكشف في هذا الجزء عن واحدة من أعمق رؤاه وأكثرها جرأة: أن المنظومات الدينية الكبرى، عبر تاريخها الطويل، لم تنشأ في فراغ، بل نشأت استجابة لحاجة بشرية عميقة الجذور إلى تأطير الغريزة التزاوجية وضبطها اجتماعيا، وإلى منح المعنى المتعالي لتجربة الحب والاقتران والإنجاب التي تحتل موقعا مركزيا في الوجود الإنساني لا يضاهيه أي بُعد آخر من أبعاد الحياة. هذا الكتاب ليس نقدا للدين أبدا أو محاولة لتغيير الايمان، فهناك في مؤخرة الفصول الأخيرة من الكتاب يعلن رولو مسيحيته وإيمانه بالله، في عنوان عريض: لماذا أؤمن بالله؟
ويتناول توماسي في هذا الكتاب أسئلة بالغة الحساسية وبالغة الأهمية في آن واحد: لماذا تُحرّم الأديان الكبرى العلاقة الجنسية خارج إطار الزواج؟ وكيف تُؤثر الضرورة الأنثوية — ذلك المفهوم المحوري في فكر توماسي الذي يصف انحياز المنظومات الاجتماعية لصالح الأولويات التطورية للمرأة — في إعادة تشكيل المؤسسات الدينية التقليدية حتى من الداخل؟ ولماذا يجد كثير من الرجال المتدينين أنفسهم في حيرة وجودية حول معنى الرجولة في عصر تتصارع فيه القيم التقليدية مع المعطيات التطورية الحديثة؟ وهل يمكن أن يتعايش وعي الحبة الحمراء مع القناعة الدينية الراسخة، أم أن بينهما تناقضا جوهريا لا سبيل لرأبه؟
هذه أسئلة لا يطرحها توماسي استفزازا مجانيا، بل طرحا تحليليا جادا يستحق من القارئ العربي أيا كانت خلفيته الدينية أو الفكرية تأملا نقديا لا رفضا مُسبقا ولا قبولا أعمى.
في إشكالية المصطلح: حين يلتقي الفكر الجديد باللغة القديمة
لم يكن نقل مصطلحات توماسي إلى العربية، في هذا الكتاب كما في سابقيه، عملا ميكانيكيا يكتفي بإيجاد المقابل المعجمي. فالمصطلح في فكر توماسي ليس كلمة منفردة بل عقدة في شبكة دلالية متكاملة، تستدعي كل واحدة منها فهم أخواتها لتكتمل الصورة. وقد حرصت في ترجمة هذا الجزء، كما حرصت في سابقيه، على اتباع منهج صارم في التعامل مع هذه الشبكة المصطلحية المعقدة.
فحين وقفت أمام مفهوم Feminine Imperative الذي ترجمته بـ"الضرورة الأنثوية"، أدركت أنه يستحيل فهمه بمعزل عن منظومة الهيبرغامي وعن مفهوم Frame الذي استقر بي الاختيار على ترجمته بـ"الإطار الشخصي" في الأجزاء السابقة، حفاظا على الاتساق المنهجي عبر السلسلة كاملة. وحين واجهت مصطلح Old Order الذي يصف المنظومات القيمية التقليدية السابقة على عصر المعلومات، آثرت ترجمته بـ"النظام القديم" أو "المنظومة التقليدية" بحسب السياق، مقابل New Enlightenment الذي ترجمته بـ"التنوير الجديد" إشارة إلى ذلك التحول المعرفي الذي يرى توماسي أن عصر المعلومات والإنترنت أحدثه، شبيها بما أحدثته المطبعة في عصر النهضة الأوروبية.
وقد ظللت طوال هذا المشروع الممتد ملتزما بمعجم مصطلحي موحّد أُراجعه باستمرار، حرصا على ألا يجد القارئ المصطلح الواحد مترجما بصيغتين مختلفتين بين جزء وآخر، إذ المنظومة المصطلحية عند توماسي هي الخيط الذي يربط مشروعه الفكري كله ويمنحه تماسكه الداخلي عبر آلاف الصفحات.
بين الأمانة العلمية والحساسية الثقافية
لا يخفى على القارئ العربي أن هذا الكتاب بالذات، أكثر من أي جزء آخر في السلسلة، يستدعي وعيا نقديا يقظا. فتوماسي يكتب من داخل سياق ثقافي غربي علماني إلى حد بعيد، وتحليلاته للمنظومات الدينية تنطلق من إطار تفسيري تطوري بيولوجي بحت، قد يتقاطع في بعض المواضع مع الرؤية الدينية التقليدية وقد يتباين عنها تباينا جوهريا في مواضع أخرى. وقد التزمت في هذه الترجمة أمانة علمية صارمة تقتضي نقل فكر توماسي كما هو، دون تحوير أو تلطيف أو إسقاط مُسبق، تاركا للقارئ العربي مساحته الكاملة في التمحيص والمساءلة والانتقاء، فالقارئ الناضج هو من يواجه الأفكار المختلفة بعقل ناقد متفحص، لا من يُحجَب عنها خشية أن تُربكه.
وقد كان رولو توماسي نفسه على علم بهذا المشروع منذ البداية أوائل سنة 2023، إذ أذن لي بترجمة سلسلته كاملة، فكانت هذه الترجمة أول مشروع يحمل هذه السلسلة بكاملها إلى لغة أخرى غير لغتها الأصلية، وهو ما أعتبره أمانة مضاعفة: أمانة تجاه المؤلف الذي وثق بهذا النقل، وأمانة تجاه القارئ العربي الذي يستحق أن يصل إليه هذا الفكر كاملا غير منقوص.
خاتمة: حين تتقاطع الأسئلة الكبرى
يضعك هذا الكتاب أمام سؤال أعمق من كل أسئلة الجاذبية والمواعدة والعلاقة التي تناولتها الأجزاء السابقة من هذه السلسلة: سؤال المعنى ذاته. لماذا يحتاج الإنسان أن يُؤمن؟ ولماذا تتشابك حاجته إلى الإيمان بحاجته إلى الحب والاقتران؟ وهل يستطيع وعي الحبة الحمراء، بصرامته التحليلية الباردة أحيانا، أن يتعايش مع الحاجة الإنسانية الأصيلة إلى المعنى المتعالي؟
هذا الكتاب لا يُجيب عن هذه الأسئلة إجابة قاطعة نهائية، بل يفتح أمامك مساحة للتفكير الجاد فيها بأدوات تحليلية جديدة لم تُتح للقارئ العربي من قبل بهذا التماسك وهذا العمق. وما تحمله بين يديك الآن هو ثمرة ثلاث سنوات من رفقة فكرية مع رجل غيّر فهم آلاف الرجال حول العالم لذواتهم ولعلاقاتهم، منقولا بأمانة كاملة إلى لغة الضاد.
د. إبراهيم محمد المالكي
تعليقات القراء على كتاب الدين
شارك رأيك بشكل مباشر — يكفي كتابة اسمك (أو اسم مستعار) والتعليق.
جارٍ تحميل التعليقات...