← الرئيسية
غلاف كتاب الذكر العقلاني: الدين

الكتاب الرابع · 2021

الذكر العقلاني: الدين

حين يلتقي الإيمان بعلم النفس التطوري — قراءة تحليلية في المنظومات الدينية والغريزة التزاوجية.

مقدمة المترجم

الذكر العقلاني الدين: حين يلتقي الإيمان بعلم النفس التطوري

ثمة كتب تُشخّص الواقع، وأخرى تُعلّم التعامل معه، وقلة نادرة تجرؤ على الذهاب إلى الجذر الذي تنبت منه كل التشخيصات والتعليمات معا. هذا الكتاب من القلة النادرة. فـ"الدين"، الجزء الرابع من سلسلة "الذكر العقلاني" لرولو توماسي، ليس كتابا عن الإيمان بالمعنى اللاهوتي الضيق، ولا هو نقد للأديان بالمعنى الذي قد يستحضره العنوان لأول وهلة؛ إنه محاولة جادة وجريئة لفهم لماذا احتاج الإنسان، عبر تاريخه الطويل، أن يُؤطّر غرائزه التزاوجية الأعمق في منظومات من المعنى المتعالي، ولماذا ظلت تلك المنظومات تتشكل وتتجدد رغم كل التحولات التي عصفت بالمجتمعات البشرية.

أمضيت رفقة رولو توماسي ثلاث سنوات متواصلة، تنقّلت خلالها بين كتبه الستة واحدا واحدا، حتى آلت إليّ مهمة لم يسبقني إليها أحد في أي لغة من لغات العالم: نقل سلسلة "الذكر العقلاني" كاملة، من أولها إلى آخرها، إلى لغة أخرى غير الإنجليزية. فبرغم انتشار هذه السلسلة وتأثيرها الواسع في الأوساط الفكرية الغربية المعنية بدراسة العلاقات بين الجنسين، ظلت محصورة إلى حد بعيد في لغتها الأصلية، ولم تحظَ بترجمة شاملة كاملة الأجزاء في أي لغة أخرى سوى ما تجده الآن بين يديك بالعربية. وهذا ليس افتخارا عابرا أُسجّله هنا، بل مسؤولية أدركتُ ثقلها الحقيقي وأنا أُترجم هذا الجزء بالذات: أن أنقل إلى القارئ العربي فكرا لم يُتح له من قبل أن يطّلع عليه كاملا متماسكا، لا مجتزأ من مقالات مترجمة هنا وهناك دون سياق يربطها.

من هو رولو توماسي، ولماذا يستحق هذا الجهد؟

يُلقَّب رولو توماسي في الأوساط التي يكتب فيها بـ"عرّاب الحبة الحمراء"، وهو لقب لم يُمنح اعتباطا بل تكريسا لعقدين كاملين من الكتابة المنهجية المتراكمة التي أرست أسس هذا الحقل الفكري بأكمله. لم يكن توماسي أول من تحدث عن "الحبة الحمراء" بوصفها استعارة لليقظة من الأوهام الاجتماعية السائدة حول العلاقات بين الجنسين، لكنه كان أول من منحها بنيانا نظريا متماسكا يستند إلى علم النفس التطوري وعلم الاجتماع البيولوجي والأنثروبولوجيا، بدلا من تركها مجرد شعارات متناثرة في منتديات الإنترنت.

وما يميز توماسي عن عشرات الكتّاب الذين خاضوا في هذا الحقل من بعده هو منهجه الصارم: فهو لا يكتب نصائح عاطفية ولا وصفات سريعة، بل يبني حججه بناء تراكميا يستحضر فيه الدراسات السلوكية والمعطيات التطورية والملاحظة الاجتماعية الدقيقة، بأسلوب يتأرجح بين دقة الأكاديمي الذي يُسند كل دعوى بدليلها، وحدة الرجل الذي يكتب من مُعاش الخبرة لا من برج المكتبة العاجي. وهذا المزيج النادر بين الصرامة المنهجية والصراحة الجارحة أحيانا هو ما جعل كتاباته مرجعا لا يُستغنى عنه لكل من أراد أن يفهم هذا الحقل الفكري فهما حقيقيا لا سطحيا.

لماذا الدين؟ السؤال الذي يستحق أن يُسأل

قد يستغرب القارئ للوهلة الأولى أن يُخصص كاتب متخصص في علم النفس التطوري والديناميكيات الجنسية كتابا كاملا للدين. لكن توماسي يكشف في هذا الجزء عن واحدة من أعمق رؤاه وأكثرها جرأة: أن المنظومات الدينية الكبرى، عبر تاريخها الطويل، لم تنشأ في فراغ، بل نشأت استجابة لحاجة بشرية عميقة الجذور إلى تأطير الغريزة التزاوجية وضبطها اجتماعيا، وإلى منح المعنى المتعالي لتجربة الحب والاقتران والإنجاب التي تحتل موقعا مركزيا في الوجود الإنساني لا يضاهيه أي بُعد آخر من أبعاد الحياة. هذا الكتاب ليس نقدا للدين أبدا أو محاولة لتغيير الايمان، فهناك في مؤخرة الفصول الأخيرة من الكتاب يعلن رولو مسيحيته وإيمانه بالله، في عنوان عريض: لماذا أؤمن بالله؟

ويتناول توماسي في هذا الكتاب أسئلة بالغة الحساسية وبالغة الأهمية في آن واحد: لماذا تُحرّم الأديان الكبرى العلاقة الجنسية خارج إطار الزواج؟ وكيف تُؤثر الضرورة الأنثوية — ذلك المفهوم المحوري في فكر توماسي الذي يصف انحياز المنظومات الاجتماعية لصالح الأولويات التطورية للمرأة — في إعادة تشكيل المؤسسات الدينية التقليدية حتى من الداخل؟ ولماذا يجد كثير من الرجال المتدينين أنفسهم في حيرة وجودية حول معنى الرجولة في عصر تتصارع فيه القيم التقليدية مع المعطيات التطورية الحديثة؟ وهل يمكن أن يتعايش وعي الحبة الحمراء مع القناعة الدينية الراسخة، أم أن بينهما تناقضا جوهريا لا سبيل لرأبه؟

هذه أسئلة لا يطرحها توماسي استفزازا مجانيا، بل طرحا تحليليا جادا يستحق من القارئ العربي أيا كانت خلفيته الدينية أو الفكرية تأملا نقديا لا رفضا مُسبقا ولا قبولا أعمى.

في إشكالية المصطلح: حين يلتقي الفكر الجديد باللغة القديمة

لم يكن نقل مصطلحات توماسي إلى العربية، في هذا الكتاب كما في سابقيه، عملا ميكانيكيا يكتفي بإيجاد المقابل المعجمي. فالمصطلح في فكر توماسي ليس كلمة منفردة بل عقدة في شبكة دلالية متكاملة، تستدعي كل واحدة منها فهم أخواتها لتكتمل الصورة. وقد حرصت في ترجمة هذا الجزء، كما حرصت في سابقيه، على اتباع منهج صارم في التعامل مع هذه الشبكة المصطلحية المعقدة.

فحين وقفت أمام مفهوم Feminine Imperative الذي ترجمته بـ"الضرورة الأنثوية"، أدركت أنه يستحيل فهمه بمعزل عن منظومة الهيبرغامي وعن مفهوم Frame الذي استقر بي الاختيار على ترجمته بـ"الإطار الشخصي" في الأجزاء السابقة، حفاظا على الاتساق المنهجي عبر السلسلة كاملة. وحين واجهت مصطلح Old Order الذي يصف المنظومات القيمية التقليدية السابقة على عصر المعلومات، آثرت ترجمته بـ"النظام القديم" أو "المنظومة التقليدية" بحسب السياق، مقابل New Enlightenment الذي ترجمته بـ"التنوير الجديد" إشارة إلى ذلك التحول المعرفي الذي يرى توماسي أن عصر المعلومات والإنترنت أحدثه، شبيها بما أحدثته المطبعة في عصر النهضة الأوروبية.

وقد ظللت طوال هذا المشروع الممتد ملتزما بمعجم مصطلحي موحّد أُراجعه باستمرار، حرصا على ألا يجد القارئ المصطلح الواحد مترجما بصيغتين مختلفتين بين جزء وآخر، إذ المنظومة المصطلحية عند توماسي هي الخيط الذي يربط مشروعه الفكري كله ويمنحه تماسكه الداخلي عبر آلاف الصفحات.

بين الأمانة العلمية والحساسية الثقافية

لا يخفى على القارئ العربي أن هذا الكتاب بالذات، أكثر من أي جزء آخر في السلسلة، يستدعي وعيا نقديا يقظا. فتوماسي يكتب من داخل سياق ثقافي غربي علماني إلى حد بعيد، وتحليلاته للمنظومات الدينية تنطلق من إطار تفسيري تطوري بيولوجي بحت، قد يتقاطع في بعض المواضع مع الرؤية الدينية التقليدية وقد يتباين عنها تباينا جوهريا في مواضع أخرى. وقد التزمت في هذه الترجمة أمانة علمية صارمة تقتضي نقل فكر توماسي كما هو، دون تحوير أو تلطيف أو إسقاط مُسبق، تاركا للقارئ العربي مساحته الكاملة في التمحيص والمساءلة والانتقاء، فالقارئ الناضج هو من يواجه الأفكار المختلفة بعقل ناقد متفحص، لا من يُحجَب عنها خشية أن تُربكه.

وقد كان رولو توماسي نفسه على علم بهذا المشروع منذ البداية أوائل سنة 2023، إذ أذن لي بترجمة سلسلته كاملة، فكانت هذه الترجمة أول مشروع يحمل هذه السلسلة بكاملها إلى لغة أخرى غير لغتها الأصلية، وهو ما أعتبره أمانة مضاعفة: أمانة تجاه المؤلف الذي وثق بهذا النقل، وأمانة تجاه القارئ العربي الذي يستحق أن يصل إليه هذا الفكر كاملا غير منقوص.

خاتمة: حين تتقاطع الأسئلة الكبرى

يضعك هذا الكتاب أمام سؤال أعمق من كل أسئلة الجاذبية والمواعدة والعلاقة التي تناولتها الأجزاء السابقة من هذه السلسلة: سؤال المعنى ذاته. لماذا يحتاج الإنسان أن يُؤمن؟ ولماذا تتشابك حاجته إلى الإيمان بحاجته إلى الحب والاقتران؟ وهل يستطيع وعي الحبة الحمراء، بصرامته التحليلية الباردة أحيانا، أن يتعايش مع الحاجة الإنسانية الأصيلة إلى المعنى المتعالي؟

هذا الكتاب لا يُجيب عن هذه الأسئلة إجابة قاطعة نهائية، بل يفتح أمامك مساحة للتفكير الجاد فيها بأدوات تحليلية جديدة لم تُتح للقارئ العربي من قبل بهذا التماسك وهذا العمق. وما تحمله بين يديك الآن هو ثمرة ثلاث سنوات من رفقة فكرية مع رجل غيّر فهم آلاف الرجال حول العالم لذواتهم ولعلاقاتهم، منقولا بأمانة كاملة إلى لغة الضاد.

د. إبراهيم محمد المالكي

ROLLO TOMASSI

مقدمة المؤلف

بقلم رولو توماسي — الترجمة العربية الرسمية

تمهيد

ليس سرا أنّني ظللت لأكثر من عشر سنوات متابعا مخلصا لأعمال المدوّن "دالروك"، أحد أبرز أصوات ما يُعرف بـ"المانوسفير المسيحي". وإلى جانب دال، أعتبر مدوّنين آخرين، كـ"دونالغريم" وقلّة غيره ممّن كانوا يُشكّلون ما اصطُلح على تسميته بـ"المانوسفير المسيحي"، زملاء في درب "الحبة الحمراء"، إن لم يكونوا أصدقاء افتراضيين. لطالما اعتبرتُ دالروك أخا لي في هذا المسار، فمدوّناتنا نشأتا في الفترة الزمنية ذاتها تقريبا. وقد استشهدتُ به ونسبتُ إليه الفضل في كتبي الثلاثة السابقة جميعها.

فعلتُ ذلك لأنّني فكّرتُ يوما في انتهاج مسار كتابي يسلك ذات نقد "الحبة الحمراء" للدين وللمسيحية في حالة دال ولو بشكل عرضي. لكن بعد قراءة منشورات دالروك الأولى، عدلتُ عن هذه الفكرة. فقد نال دالروك احترام "المانوسفير" عن جدارة واستحقاق بفضل عدسته النقدية التي يطلّ بها على المسيحية المعاصرة، إذ كان إحصائيا وباحثا بارعا لا يُشقّ له غبار. والميزة الإضافية أنّه كان إن جاز التعبير، "مندمجا" في صميم الثقافة الكنسية الحديثة (الإنجيلية في معظمها). كان شديد الاستقصاء بأسلوب لم أكن لأطمح لمجاراته في هذا الجانب من "المانوسفير".

أمّا في مدوّنتي الخاصة، فلم أخض يوما في تفاصيل إيماني الشخصي، لسببين: أوّلهما أنّه لا يحمل سوى صلة هامشية بكتاباتي. وثانيهما أنّ موقفي الثابت كان دوما أنّ "الحبة الحمراء" يجب أن تظلّ، في جوهرها بمنأى عن الدين والسياسة. ومع ذلك، فأنا على دراية كافية بثقافة "الكنسية" والجانب الاجتماعي للدين السائد بما يكفيني لفهمها عبر عدستي الخاصة. وعندما أحلّل مبادئ "الحبة الحمراء" في سياقاتها الاجتماعية، أجد دوما عسرا في التعامل مع موضوع الدين. يستفزّني هذا الأمر لأنّني أرى أنّ معتقدات المرء الدينية، وتفاعله مع الوجود والحياة، وتأمّله في الروحانيات، ينبغي أن تبقى أمورا شخصية حميمة إن كانت صادقة بحقّ. وقد تغدو لدى البعض مصدرا للضعف والاستغلال، وهذا ليس بجديد على أحد. فثمّة فرق شاسع بين أن يكون المرء لا أدريا عالقا في عالم "الحبة الزرقاء"، وبين أن يكون قد نشأ منذ الصغر وحتى البلوغ في سياق ديني، ثمّ يجد نفسه يتصالح مع تحطّم استثمارات أنويّة عميقة على صخرة وعي جديد بـ"الحبة الحمراء".

صياغة الدين على هيئة الضرورة الأنثوية

شهدنا على مدى الأجيال الخمسة الماضية، عملية إعادة هندسة منظّمة للدين كي يخدم بشكل أفضل غايات "الضرورة الأنثوية". والأمر هنا لا يقتصر على تراجع أعداد المنتسبين للطوائف المسيحية، بل يمتدّ هذا الاستيعاب الديني ليشمل كافة الأديان، كلٌّ بحسب المرحلة التي بلغها فيها. فاليوم يُباع للرجال وهمٌ رومانسي "صحيح أنثويا" عن عقد اجتماعي قديم، بينما يعيشون في سياق اجتماعي يُناقض ذلك الوهم تماما. ولتحقيق هذا، لا بدّ أن يُستولى على الدين من قبل الأنثوية. فإمّا أن تُستبدل الكتب الدينية القديمة كلّيا بدين يُفسَّر تفسيرا أنثويا ويُوجَّه أنثويا ويضع ضرورات المرأة في مرتبة السلطة العليا أو تُعاد هيكلتها وصياغتها لخدمة الغايات الأنثوية ذاتها. ولأكثر من عشر سنوات، وثّق دالروك ببراعة وانتقد عن حقّ هذه التحوّلات داخل المسيحية. ورغم أنّني سأركّز هنا على المسيحية الغربية، إلّا أنّ إعادة هندسة الدين الحديث هذه ليست حكرا بأيّ شكل على الديانات الإبراهيمية. وتكشف عدسة "الحبة الحمراء" عن حقائق مزعجة كثيرة حول الدين، من أبرزها مدى نجاح النظام الاجتماعي الأنثوي المركزي في إزاحة النفوذ الذكوري من الدين وإحلال "الصوابية الأنثوية" محلّه.

أتوقّع أن تظهر منتقدات يردّدن أنّ "الرجال" ما زالوا، في معظم الثقافة الكنسية، يسيطرون على الكنائس والمؤسسات الدينية بأغلبية ساحقة، لكن في عصر السيادة الاجتماعية الأنثوية، لا يهمّ من يُنفّذ السيطرة، بل تهمّ معتقدات مَن يتحكّم بالمنفّذين. وإن قرنّا هذا بالتسليع التجاري للدين، نرى بوضوح دوائر النفوذ الأنثوي والغايات ذات الأولوية الأنثوية. وبعد عقود من متابعة الجوانب الدينية لـ"الحبة الحمراء"، أرى أنّ الأوان قد حان ليُقرّ الرجال بأنّ الثقافات الدينية الحديثة لم تعد تضع مصلحة الرجل ضمن عقائدها. وحتى الأديان التي نتصوّرها أبوية صارمة البنية، خاضعة هي الأخرى لهذا "النظام الجديد" الخضوع للأنثى. فالمسيحية، على وجه الخصوص، أصبحت من المرأة، وإن لم تكن تُدار مباشرة من قِبَلها حتى بدأ هذا يتغيّر. باتت الثقافة الكنسية اليوم معادية صراحة لأيّ تعبير عن الذكورة التقليدية لا يخدم المرأة مباشرة، وتُكيِّف الرجال بفاعلية ليكونوا خَدَما، مُخنّثين كارهين لجنسهم، رجال من نمط "البيتا". رجال لا يملكون أيّ تصوّر عن الذكورة التقليدية جيلا بعد جيل. لقد حلّ سرد "الذكورة السامّة" الفيمنستي محلّ كلّ ما كانت تعنيه الذكورة التقليدية أو الرجولة يوما للكنيسة. وأيّ بصيص من ذكورة لا تخضع كلّيا لغاية أنثوية المركز لا يُخشى وحسب، بل يُشهَّر به بتُهَم إيمانية تصوغها الأنثوية نفسها.

جيلنا الحالي هو الأقلّ تديّنا في التاريخ. ففي إحدى أكبر الدراسات التي أُجريت على الإطلاق حول تحوّلات الانخراط الديني الأمريكي، توصّل باحثون في جامعة ولاية سان دييغو (2015) إلى أنّ جيل الألفية هو الأقلّ تديّنا خلال العقود الستّة الماضية. وأظهرت هذه الدراسة أنّ هذا التراجع في الانخراط الديني يعود إلى تحوّل ثقافي، لا إلى كون أبناء جيل الألفية شبابا غير مستقرّين بعد. وفيما يخصّ الرجال، يُعزى جزء كبير من هذا النفور من الدين إلى ثقافة كنسية تُمعن، علنا وباستمرار، في السخرية من أيّ مسعى يخصّ الرجل وتحقيره. فهي تسخر من أيّ سمة من سمات الذكورة التقليدية التي لا تخدم المنفعة الأنثوية، وتحرم جيلا كاملا من الرجال المهيّأين مسبقا لكراهية جنسهم من بلوغ "الرجولة". ولم يعد سرّا اليوم في فروع الكنائس المختلفة، أنّ الوصول إلى الرجال والحفاظ على اهتمامهم باتا من أصعب التحدّيات. ويعود هذا إلى أجيال من الرجال المؤنّثين الذين نشأوا داخل الثقافات الدينية، وارتقوا لاحقا إلى قيادتها، بعد أن عُلِّموا تقديم الأنثى والتماهي معها، وتعزّز ذلك بمواد إيمانية جديدة أعادت "الضرورة الأنثوية" صياغتها. تواجه الكنيسة الحديثة صعوبة في الوصول إلى الرجال لأنّها لم تعد تملك فهما لما يعنيه أن تكون "رجلا".

هذا ليس إدانة للإيمان الصادق بحدّ ذاته ولنكن واضحين في ذلك، بل هو ملاحظة متّزنة حول الطريقة التي شكّلت بها الثقافات الدينية ذات الأولوية الأنثوية هذه العقائد. سيتجنّب في المستقبل أيّ رجل يملك حدّا أدنى من القدرة على التفكير النقدي كنيسة النظام القديم وسائر الأديان الأرثوذكسية الأخرى، نظرا لما تنطوي عليه من كراهية واضحة للرجل. ولن يبقَ من المتديّنين سوى الذين نشأوا على حياة من العبودية الذكورية المدفوعة دينيا، أو الذين تجرّهم زوجاتهم وأمّهاتهم، اللواتي يحملن "الرئاسة" الفعلية في علاقاتهنّ، إلى كنيسة متأثّرة بالأنثوية، بينما يظلّ أزواجهنّ يبحثون بلا انقطاع عن سبل جديدة للتأهّل لرضا زوجاتهم كي يحظوا برضا الله.

وحتى فيما يعتبره البعض كنائس "ذكورية" أو "مُعاد استرجَالها"، ما زلنا نجد قادة "الألفا الورقيون" يعظون من منطلق خضوع كامل للأنثوية. فـ"الكمال الإلهي" هو رمز المكانة الذي يتسابق عليه الأعضاء الذكور فيما بينهم، إذ يُحفَّز كلّ منهم على إظهار المزيد من التفاني تأهّلا لذلك النفوذ الأنثوي السائد في كنائسهم وتماهيا معه. أصبح الرجل المتديّن مرادفا لعقلية "البيتا" و"الحبة الزرقاء". يقيسون الرجولة بدرجات المسؤولية التي يتحمّلها الرجل، دون أن يُدركوا أو ربّما يتجاهلون عمدا أنّ تحوّلا ثقافيا قد أخصاهم فعليا، بحرمانهم من أيّ سلطة حقيقية على زوجاتهم وأسرهم وكنائسهم. وقد بلغ الأمر حدّا صار فيه من الأفضل أن يرعى المرء مصلحته الذاتية ويتوب عن الخطيئة لاحقا، بدلا من الانخراط في مؤسسة تسعى علنا لاستعباده. أدرك أنّ هذا قد يبدو تشاؤميا للرجل الأكثر تديّنا واقتناعا، لكن افهم أنّ هذا هو المستقبل العملي والاستنتاجي الذي تُقدّمه الأديان الغربية المؤنّثة المعاصرة للرجال بصورة باهتة اليوم. فالعقد الاجتماعي للزواج، من منظور ديني، تحوّل إلى أكبر قفزة إيمان يخوضها الرجل. فهو يخاطر فعليا بكلّ شيء في الزواج، حضانة الأطفال، إمكانية الوصول الجنسي، أيّ توقّع لسلطة ذكورية حقيقية أو احترام صادق، الآفاق المالية طويلة الأمد، وغيرها، لكنّ هذه القفزة الإيمانية باتت اليوم تأتي مع ثمن ميتافيزيقي. فالرجال الذين يحجمون عن المشاركة في الزواج القائم على الإيمان، إنّما يحجمون عن جانب من إيمانهم أُعيدت برمجته ليخدم المرأة؛ المرأة التي يُنزِلها هذا الدين الجديد من "العاطفية" منزلة كائن أرفع رتبة من الرجل في الخلوّ من الخطيئة.

أمّا الرجل اللاأدري أو غير المتديّن، فالتخلّي عن تكييف اجتماعي طويل الأمد بـ"الحبة الزرقاء" لصالح وعي "الحبة الحمراء" بالديناميكيات بين الجنسين مهمّة شاقّة بالنسبة له. لكن الرجل الذي نشأ على اعتقاد أنّ السبيل الوحيد المُقرَّ عقائديا للوصول إلى الجنس مع امرأة هو العفّة حتى الزواج، فإنّ أمله الوحيد هو قبول قدره المُقدَّر إلهيا، والبقاء على ما كيّفه عليه دين مؤنّث ليكون رجلا "بيتا". تصبح مقاومة التأثير الدنيوي لوعي "الحبة الحمراء" المُستند إلى البيانات، والتشبّث بكلّ من "الحبة الزرقاء" والقناعة الدينية معا، اختبارا للإيمان لا تقييما موضوعيا بالنسبة له. وتتبدّد المخاطر الواقعية التي يفرضها الزواج الحديث على الرجال اليوم في ضوء المثالية الدينية. ويصبح الزواج قفزةَ إيمان حرفية.

وحين يبلغ الرجل المتديّن مرحلة الزواج، ويظفر بتعبيره الجنسي المُقَرّ، يكتشف أنّ الكنيسة المؤنّثة وحتى شيوخها الذكور تتوقّع منه تأهيلا وخضوعا لا ينقطعان لإرضاء زوجته الذي لا ينتهي، مقابل ذلك الجنس المُقَرّ. إنّه مطاردةٌ للذيل، تُبقي الرجال أسرى توقّعات النظام القديم، بينما تُعفي المرأة من المساءلة، وتنتظر منه في الوقت ذاته أن يُقدّم تنازلات إضافية لصالح نظام اجتماعي جديد (مؤنّث) أشبع ثقافات الكنائس. ومعدّلات الطلاق في الزيجات المسيحية لا تقلّ سوى بنقاط مئوية هزيلة عن نظيرتها في العالم العلماني. فيُلقي القادة الدينيون الذكور باللائمة على الرجل لأنّه لم يَقُد، أو لم يكن "قديسا" بما يكفي، أو لم يكن "جريئا كتابيا" بما يكفي، أو لم يخلد إلى النوم منهكا كلّ ليلة، أو لم يستيقظ مبكّرا بما يكفي، وكومة أخرى من الأعذار لتبرير لماذا "لم يكن لديها خيار" سوى إنهاء الزواج. نرى كاستجابة لهذا، صناعة منزلية كاملة من "الإرشاد المسيحي" وكتب المساعدة الذاتية، تُكتَب عادة للمرأة وبيد المرأة. ونشهد صعود ابتزازات "خدمة المرأة" في اقتصاد "الكدّ" الجديد. لدينا مؤتمرات، وقنوات تلفزيونية، وشبكات بثّ، وبودكاست، ومحطّات إذاعية، ومجموعات تواصل، وفائض من "كنائس الوجبات السريعة" في هذا البلد... وشبكة الإنترنت. لدينا وفرة من الموارد والكتب: فكلّ قسّ، كبيرا كان أم صغيرا، "يعمل" اليوم على كتاب أو يؤلف واحدا.

كيف يا تُرى نجت الكنائس الأولى تحت وطأة عقوبة الموت والاضطهاد والعزلة والنبذ التام؟ كيف نمت؟ كيف بقيت على قيد الحياة؟ يُقال لنا مرارا وتكرارا على لسان القساوسة، إنّ "لله خطّة رائعة لحياتك!"، ثمّ يُباع للرجل هذا الزعم "الكنسي" بأنّه ليس قديسا بطريقة ما، أو متّزنا أو مستعدّا أو مؤهّلا أو ناضجا بما يكفي لاستيعاب تلك الخطّة الرائعة. آه! لكنّ زوجتك التقيّة، أو من ستصبح زوجتك، مؤهّلة لذلك! والجائزة الرضوية غير المُعلَنة هي: "لكن ستحظى بالجنس يا صاح.. وهذا كلّ ما يحتاجه الرجال أو يفكّرون فيه أو يريدونه." وهاتيك المكافأة الجنسية المعاملاتية كما تبدو في الغالب مُقدَّمة على مضض، خالية من أيّ رغبة صادقة. ففي مجموعات الرجال يشكو المتزوّجون أنّ زوجاتهم لا يرغبن في الجنس أبدا أو أنهم يتبادلون التعاطف بشأن إدمانهم على الإباحية. كيف قلبت الكنيسة الأولى العالم رأسا على عقب؟ كلّ ما فعله الله أنّه أرسل بضعة رجال، فحقّقوا ذلك. ونحن اليوم نملك من الأدوات ما لا يُحصى، ومع ذلك يُصوَّر الرجال كائنات سخيفة و"عاجزة". ربّما "برنامج بناء" جديد سيُصلح كلّ شيء، وإن سمحنا للرجال بإصلاح أمور في المبنى فسيشعرون بأنّهم "مفيدون". منذ خمسة أجيال الآن، تحوّلت الكنيسة الحديثة إلى تجربة في تربية رجال "البيتا". لم تعد قائمة إلّا لإنتاج نفس النموذج من الرجال المُشوَّشي الهوية الذكورية الذي أتقن العالم العلماني صناعته. ونحن في مثاليّتنا يعتقد كثير من الرجال أنّ الإيمان والدين والكنيسة عازل ميتافيزيقي ضدّ أسوأ ما في "الضرورة الأنثوية"، بينما هي في الحقيقة المؤسّسات ذاتها التي تُنتج الرجال الذين تسعى "الحبة الحمراء" لتحريرهم من "المصفوفة".

وعلى الرغم ممّا تسمعه في الإعلام عن مدى رجعية الحركات الأصولية وفظاعتها، فإنّ تلك الحركات، حتى في أطرافها "المحافظة"، مؤنّثة تماما. فالتعليم المسيحي المركزي القائل بأنّ جميع الناس خُطاة يُمرَّر مرور الكرام، بينما تنتشر في كلّ مكان فكرة أنّ الرجل بطبيعته أسوأ نوعا ما من المرأة أحيانا، وغالبا عبر النصّ الموازي والرسائل الضمنية. تُرفَع في الوقت ذاته المرأة إلى مرتبة من السموّ الأخلاقي والروحي. وغالبا ما تُلتمَس الأعذار لخطيئة المرأة على ضوء إخفاقات الرجل، إخفاقات نُلحّ على ذكرها بلا انقطاع لأنّها متوقَّعة. أتذكّر أنّني سمعتُ قائدا إنجيليا معروفا يروي قصّة عن نزاع زوجي هاجت فيه زوجته وبدأت بتحطيم الأطباق. فما كان مغزى القصّة؟ أنّها فعلت ذلك لأنّه أهملها. فهي ليست بالغة مسؤولة عن ضبط النفس، أو تملك أيّ بصيرة حقيقية، بل ضحيّة بريئة دفعتها تقصيراته إلى سلوك عنيف. وكان استياؤها من تقصيره مؤشّرا على استياء الله منه!

"الذكورة السامّة": أيّ جانب من جوانب الذكورة التقليدية يُشكّل إزعاجا لغاية أنثوية الصواب، صار اليوم خطيئة، بأثر فوري ورجعي معا، فيما تبقّى من ثقافاتنا الدينية المتداعية.

ومع كلّ جيل متعاقب من قساوسة "البيتا" الذين تُنتجهم هذه "المزرعة"، يزداد عدد الرجال الذين لا تتجاوز خبرتهم بهذا الدين خضوعا خانعا لإيمان أُعيد تشكيله جذريا ليخدم مصلحة السيادة الاجتماعية الأنثوية. تحبّ المرأة أن تشتكي من أنّ الرجال هم من يتولّون الوعظ واتّخاذ القرار في الكنيسة في الغالب، لكن ما تتجاهله أنّ هؤلاء الرجال ليسوا سوى أدوات منتقاة بعناية في خدمة "الضرورة الأنثوية". وأراهن أنّه في العقد المقبل، ستصبح معظم أديان النظام القديم غير قابلة للتمييز تقريبا عن مبادئها السابقة المتمحورة حول ذكورة تقليدية واضحة المعالم، وستُعلن تلك الأديان صراحة عن مركزيّتها حول الخضوع للأنثى.

الثقافة تُشكِّل الإيمان

قال لي منتقدون إنّ مشكلة الكنيسة الحديثة هي مشكلة ثقافية في جوهرها، وينبغي النظر إليها بمعزل عن الإيمان "الحقيقي" تلك الحقيقة الكونية الجامعة التي تُعرِّف معتقدهم. غير أنّ الثقافة الدينية، بما هي بشرية حدّ الإفراط، هي ما يُعيد، في النهاية، صياغة العقيدة ومواد الإيمان وهيكلتها. فحين تتشرّب تلك الثقافة "الضرورة الأنثوية"، والفيمنستية الدينية المُعلَنة، والنفوذ الأنثوي المتلبّس برداء المساواة العقائدية السليمة، فإنّها تُعيد، في الجوهر، خلق دين النظام القديم على هيئة ضرورة جديدة، مركزية أنثوية المنحى. وهذا، إلى جانب تنويعات لا تنتهي من تأنيث الدين عبر كلّ الثقافات والطوائف، هو سبب العداء العلني الذي يُبديه الدين المعاصر تجاه أيّ ملمح للذكورة التقليدية.

لم تعد الكنيسة مكانا للرجل الأعزب، وصارت مجرّد شكليّة بالنسبة للرجل المتزوّج من امرأة متديّنة في هذه المرحلة الزمنية. وبغضّ النظر عن كافة اعتبارات الإيمان، لا يسعني أن أتصوّر رجلا بالغا يحترم ذاته يجد في الكنيسة الحديثة أيّ شيء جذّاب. فإمّا أن لا يكون له فيها مكان، أو يكون مُحتقَرا ومُهانا، صراحة أو خفية بأسلوب يُحرّف الإيمان بضغن متكتّم، أو بسخرية مُتملِّقة من ذكورته الطفولية المفروضة عليه. يقول لي رجال إنّ السعي وراء الله هو ما ينبغي أن يجده الرجل جذّابا في الدين، وفي هذا قدر من الصحّة، لكنّ التأثيرات الثقافية المؤنّثة تجعل من ذلك السعي مهمّة تصفية للضجيج الذي تبني عليه الروحانية الحديثة عقائدها وإيمانها. ومعظم الرجال اليوم يفتقرون إلى الاهتمام أو الصبر اللازمَين لهذا. ولستُ أكتب هذا دون إحساس صادق بما فُقِد؛ لا سيّما بالنسبة للرجال الذين يبحثون بصدق عن أجوبة وجودية لأنفسهم. ولا شكّ أنّ ملاحظاتي هنا من منظور "الحبة الحمراء" سيُنظر إليها على أنّها هجوم على إيمان أصيل، لكنّ مشكلتي في هذا الكتاب ليست مع الدين بحدّ ذاته، بل مع شمولية الطريقة التي خرّبت بها "الضرورة الأنثوية" جهارا أو خفية كلّ الأديان المعاصرة. نعم، أدرك أنّ الإيمان شأن شخصي ينبغي أن يُعزَل عن النفوذ الاجتماعي الكنسي، لكنّ الثقافة هي تجل للعقيدة ومنظومة المعتقد الجمعي التي أنشأتها. وتلك الثقافة تُعدِّل الإيمان وتُشكّله، وبذا يصبح ذلك النفوذ الاجتماعي، مع كلّ جيل متعاقب، مادّة من مواد الإيمان للجيل التالي.

من الأفضل أن تضحك مع العُصاة على أن تبكي مع القدّيسين، خصوصا حين يكون "قدّيسو" اليوم كهنة النظام الجديد لـ"الضرورة الأنثوية".

عدسة "الحبة الحمراء" داخل الكنيسة اليوم احتمال مُرعب. وما يجعلها بهذا الخطر على الرجل ذي "الحبة الزرقاء" هو أنّها نقطة الصفر التي تدخل منها الفتيات إلى ما أسمّيه "مرحلة التجلّي" الخاصّة بهنّ. والرجال العُزّاب الباقون في الكنيسة هم من سيُمارَس عليهم الضغط لأداء دورهم في تلك الاستراتيجية، وسيُعاملون بعداء إن تجرّأوا على تحديها. وأتوقّع حملة كنسية جديدة من نوع "كن رجلا" في المستقبل القريب، مع اقتراب الموجة التالية من الشباب في العشرينات من بلوغ الثلاثين وما بعدها. ومع تركنا للنساء بصمات رقمية غير قابلة للمحو لماضيهنّ الجنسي، سيصبح من مواد الإيمان الجديدة أنّ مسؤولية الرجل الذكورية، المُلهَمة إلهيا، يجب أن تشمل مسامحتهنّ على زلّاتهنّ السابقة. أمّا بالنسبة للرجل المتديّن، فالإغراء الوحيد الذي تقدّمه الكنيسة باستمرار هو فرصة لقاء عابر لطيف بنساء عازبات شابّات مُقَرّات إلهيا إن كانت الكنيسة تضمّهنّ أصلا، وإن لم تكن لاهوتيّاتها بغيضة تماما.

أمّا الرجال الذين يملكون عدسة "حبة حمراء" واضحة المعالم، وحساسية تمكّنهم من فهم الرسائل الضمنية لما يجري حولهم في الكنيسة، فينبغي أن يشعروا بالرعب المُحقّ. ولهذا تعرّض رجال أمثال دالروك للتشويه من قِبَل المتديّنين، رجالا ونساء على حدّ سواء، ممّن يدركون أنّ "المانوسفير" واع جيّدا بما يجري داخل الكنيسة. لقد ابتذلت "الضرورة الأنثوية" اسم الربّ بادّعائها الترويج لأجندتها، بينما تُهندس اجتماعيا أجيالا من الرجال لدعم تلك الأجندة بزعم أنّها مشيئة الله. اقرأ السرديات البطولية لتمكين المرأة على لسان أيّ متحدّثة في "خدمة المرأة": ستجدها تدافع باستمرار عن "الأخوّة النسائية" وتُعليها فوق أيّ مبدأ من مبادئ الإيمان. سيتسامحن مع تجديف على الإيمان، لكن لن يتسامحن أبدا مع تجديف على "الضرورة الأنثوية". سيُبرّرن الإجهاض بوصفه خطيئة الرجل، لكن لن يقبلن أبدا بمسؤولية المرأة النهائية عنه، وأيّ رجل يحاول توبيخهنّ (على أيّ شيء فعليا) يُشهَّر به بتهمة هرطقة "التحامل الذكوري" و"إصدار الأحكام". والحُكم على أيّ امرأة هو أفدح خطيئة يمكن أن يرتكبها رجل في كنيسة النظام الجديد.

صارت "الضرورة الأنثوية" هي الروح القدس بعينها؛ في الكنيسة ذات الأولوية الأنثوية، وما تقوله صار مادّة من مواد الإيمان. والرجال الذين يصحون على هذا عبر "الحبة الحمراء" يُشكّلون تهديدا لها.

المقدمة

كلّما شرعتُ في كتابة كتاب، أجد نفسي أمام معضلة شرح أفكار قد يراها البعض هامشية أو خارجة عن المألوف. فالأمور تتغيّر مع الزمن، واللغة تتغيّر معها. ومصطلح "الديناميكيات بين الجنسين" عبارة جامعة يشق على القارئ استيعابها. أستخدمها كثيرا. وهي تصف كيفية وأسباب تفاعل الرجل والمرأة معا، بتأثير من عملياتهما التناسلية واستراتيجيات التزاوج الفطرية التي تُشكّل قسطا وافرا ممّا يكونه الرجل والمرأة لأنفسهما ولبعضهما البعض. وهذه مجرّد الأساسيات. ومن هنا يجب أن نُضيف عناصر من علم الأحياء وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الإنسان وعلوم أخرى عديدة لنخرج بفهم عملي للديناميكيات القائمة بين الرجل والمرأة. وهذا ما يُربك كثيرا من القرّاء حين يصادفون "الحبة الحمراء" للمرّة الأولى؛ فهي مُعقَّدة، ولا توجد "عبارة دعائية مُختصرة" تلخّصها بدقّة. وأنا دوما أُصارع التوازن بين الشمولية والإيجاز.

يزخر حقل علم النفس التطوّري بمصطلحات كهذه، تُسمّي تفاعلات معقّدة بين البشر. و"الديناميكيات بين الجنسين" تتجاوز مجرّد "إدخال اللسان أ في الفتحة ب". فثمّة ما هو أكثر ارتباطا بحوافزنا ودوافعنا للتناسل ممّا نرتاح للاعتراف به. وحتى ذلك الانزعاج نفسه جزءٌ من هذه الديناميكية بين الجنسين. وعلى مسؤوليتي، وبمخاطرة أن أبدو فرويديا مُفرطا، فإنّ كلّ طاقة هي طاقة جنسية في جوهرها. وكيفية توجيه تلك الطاقة الدافعة متروكة للفرد. ثمّ تغدو كلمة "طاقة" نفسها واحدة من تلك الكلمات سهلة التشويه التي تشبّث بها الكثيرون في "مجتمعات الرجال" الإلكترونية.

"هل يقصد بـالطاقة تلك القوّة الميتافيزيقية الخارقة التي أؤمن بها؟ أم يقصد بها الدافع والحافز والزخم المادّي الذي يحملنا على فعل أشياء منتجة هي امتداد لإرادتنا؟"

والمعنى الثاني هو ما أقصده، لكن هل ترى كم يسهل أن نضلّ الطريق حين نُسقِط تأويلاتنا الخاصّة على أفكار نرغب في إيجاد دلالة بسيطة لها؟ هذا أمر يصعب تجنّبه نوعا ما، لكن، كما في جميع كتب سلسلة "الذكر العقلاني"، سأطلب منك الآن أن تُعلِّق إيمانك (لا أن تُعلِّق لا إيمانك) خلال قراءة هذا الكتاب، وأن تبذل قصارى جهدك في التفكير بموضوعية. نعم، أعلم أنّه لا أحد يستطيع أن يكون موضوعيا بالكامل. فاستثماراتنا الأنويّة (وأنا منهم) ستؤثّر دوما في تعلّمنا. لكنّ هذا لا يعني أن لا نبدأ من منطلق تذكير أنفسنا بالحفاظ على الموضوعية. لطالما كانت الموضوعية شرطا مسبقا لعملي؛ أو على الأقلّ كانت مبدأ موجِّها لي. وحتى قبل بضع سنوات، لم أكن أعلم أصلا بوجود منظومة فكرية تُدعى "الموضوعية". سألني صديق إن كنتُ قد قرأتُ آين راند، ثمّ أخبرني أنّه يرى عملي يسير في ذات نسق موضوعيّته. وبصراحة، لم أكن يوما معجبا براند، ولعلّ هذا ما جعلني لا أربط بين الأمرين. أتفهّم لماذا يحبّها أصحاب العقول العقلانية، لكنّني لم أسعَ يوما إلّا لرؤية الأمور من منظور عملي وربط النقاط التي لم أظنّ أنّ الناس يرغبون في النظر إليها. في جوهري، أعتبر نفسي براغماتيا نوعا ما. ومنذ أولى مناظراتي في منتديات "SoSuave" الإلكترونية (2002|2015)، حاولتُ تفكيك الديناميكيات بين الجنسين دون تلك الاستثمارات العاطفية التي رأيتُ بعض الرجال العقلانيين ينزعجون منها.

لذا، أرجو أن تحاول البقاء موضوعيا خلال هذه القراءة. أبدأ جميع كتبي بهذا الطلب، لكن في كتاب يتناول كيف تتقاطع الديناميكيات بين الجنسين والمبادئ التطوّرية مع الأديان ومعتقدات الناس الروحية، يسهل جدّا أن يضيع المرء في دغل الانفعالات. فمعتقدات الناس الروحية حقل ألغام بأتمّ معنى الكلمة. وكما ستقرأ بعد قليل، لستُ أحاول إقناعك بالتخلّي عن إيمانك (ولا بأن تعتنق إيمانا)، بل أطلب منك أن تُعيد، أثناء قراءتك، النظر في الافتراضات البديهية المُسلَّم بها التي علّمتك إيّاها منظومتك العقائدية عن طبائع الرجل والمرأة.

وهذا سيكون أصعب جزء في قراءة هذا الكتاب.

مزجنا إيماننا بتجربة "الحبّ" لأجيال متعاقبة فنُحاذي بين الكيفية المثالية التي ينبغي أن يُعبَّر بها عن الحبّ بين الرجل والمرأة، وبين ما ينبغي أن يعنيه إيماننا بالله أو بروحانية ميتافيزيقية لنا وللآخرين. وغالبا ما تتعقّد نظرة "الحبة الزرقاء" المُكيَّفة للديناميكيات بين الجنسين بمعتقدات دينية تُعيد تأكيد المثالية الرومانسية. ومن هناك تبدأ مشكلات كثيرة لدى الرجال والنساء أصحاب القناعات الشخصية اليوم. فمنذ أجيال، ظلّ الدين يُضمِّن المُثُل الرومانسية لحقبة بعينها في صلب مواد الإيمان. ثمّ تتحوّل هذه المواد إلى واجبات وتوقّعات قائمة على النوع، تُطبَّق على الجنس الآخر. ويميل المؤمنون إلى استثمار قدر كبير من غرورهم فيما ينبغي أن يكون صحيحا بشأن الرجل والمرأة، لأنّ بنية معتقدهم تؤكّد ذلك لهم. لذا، حين تتحدّى الأفكار التي سأطرحها في هذا المجلّد تلك المعتقدات، سيكون الأثر تحدّيا لما استثمرتَه أملا في أن يكون إيمانك دقيقا، وكذلك لما أقنعك به نظام اجتماعي قائم على "الحبة الزرقاء" بأنّه صحيح. لا تظنّ أنّ هذا إهانة. فأنت لستَ غبيّا، ولا أقول إنّك تعيش حياتك بطريقة خاطئة تماما. إنّه مجرّد تذكير بأنّنا نستثمر أنفسنا أنويّا في منظوماتنا العقائدية.

غاية هذا الكتاب أن يمنحك مادّة للتفكير في بضع نقاط لتربطها، لا أن يسخر من معتقداتك الدينية، أو يصفك بالغباء، أو يُريك كيف تعيش حياتك بالخطأ. ولستُ أكتب هنا "تفنيدا" للدين أيضا. هذا الكتاب محاولة موضوعية لفهم كيف توصّلت إلى المعتقدات والقناعات التي تحملها عن الديناميكيات بين الجنسين ضمن إطار ديني (أو روحي). فمعظم ما نحمله من معتقدات ليس نتاج تمحيصنا في دراسات بحثية مُحكَّمة عديدة، بل تأتي منظومتنا العقائدية أساسا من مؤثّرات خارجية وتجارب معاشة. وما أنوي فعله في هذا العمل هو فهم كيف نتوصّل إلى معتقداتنا عن "لعبتنا" بين الجنسين، وكيف يتقاطع ذلك مع قناعاتنا الدينية.

ما هي "الحبة الحمراء"؟

"الحبة الحمراء"، بمعناها الأصلي، هي الدراسة البراكسيولوجية للديناميكيات بين الجنسين لدى البشر.

و"الديناميكيات بين الجنسين" طريقة أدقّ لتعريف ما كان يُسمّى أصلا بـ"الحبة الحمراء". وتلقى الثقافات الفرعية الإلكترونية اليوم صيتا سيّئا غالبا، وقد تبدو الشعارات الحماسية التي تُنتجها هذه التجمّعات الإلكترونية نافرة أحيانا. و"الحبة الحمراء" أحد تلك المصطلحات التي تبدو، لمن لا يألف الأفكار التي تناقشها تلك المجتمعات، طفولية بعض الشيء. "العاديّون لا يفهمونها" طريقة أسهل للتفكير في الأمر لكن، مهما سمعتَ عمّا هو أو ليس "حبّة حمراء" في الإعلام أو على الإنترنت أو من أصدقائك، سأطلب منك أيضا أن تضع جانبا كافّة هذه الأفكار المسبقة طوال قراءتك لهذا الكتاب. في هذا، الإصدار الرابع من سلسلة "الذكر العقلاني"، سأفترض أنّك لا تملك أيّ خبرة سابقة بتجمّعات إلكترونية كتلك المعروفة باسم "المانوسفير"، ولا حتى معرفة بما يعنيه الوعي بـ"الحبة الحمراء"، عدا أن تكون قد شاهدتَ فيلم "ذا ماتريكس" في وقت ما. سأفترض أنّك جديد على كلّ هذا، وربّما اقتنيتَ كتابا عن الدين يحمل أيضا كلمة "عقلاني" في عنوانه لأنّك كنتَ تبحث عن إجابات لحيرتك الروحية الاجتماعية الجنسية. هذا الكتاب يتناول، في جوهره، الديناميكيات بين الجنسين، لكنّ الأهمّ هو كيف تؤثّر هذه الديناميكيات الواقعية في حياتنا الروحية، والعكس صحيح.

"الحبة الحمراء" هي البراكسيولوجيا. والبراكسيولوجيا هي دراسة تلك الجوانب من الفعل الإنساني التي يمكن إدراكها قبليا (أ بريوري)؛ بعبارة أخرى، تُعنى بالتحليل المفاهيمي والتبعات المنطقية للتفضيل والاختيار ومخطّطات الوسيلة والغاية وما شابه. وفي سياق براكسيولوجي، تُعدّ "الحبة الحمراء" علما "فضفاضا" لكنّه شامل، يُعنى بفهم الدوافع الكامنة وراء ما نفعله، رجالا ونساء. هل تُصيب في كلّ شيء؟ لا، لكنّها تطرح الأسئلة الصحيحة. وهذه الأسئلة بعينها هي ما يُقلق راحة المؤمنين. وجمال "الحبة الحمراء" كبراكسيولوجيا أنّنا نكتب تلك الأسئلة والاستنتاجات المؤقّتة بقلم الرصاص، لا بالحبر، قابلة للمحو والتعديل كلّما تغيّرت بتغيّر المعلومات الجديدة.

"الحبة الحمراء" ليست أيديولوجيا. وعلى الرغم ممّا يودّ كثير من النقّاد الأخلاقيين إعادة تعريفها عليه، فإنّ الوعي بـ"الحبة الحمراء" هو، في جوهره، التزام بفهم الحقيقة حول طبائع الرجل والمرأة.

لكن، لماذا يهمّ فهم الطبائع الفطرية واستراتيجيات التزاوج لدى الرجل والمرأة في سياق ديني؟ لأنّ قسطا وافرا ممّا يُشكّل مُثُلنا عن الأسرة والإيمان والقيم والثقافة وسلالتنا القَبَلية يتوقّف على كيفية اجتماع الرجل والمرأة وتناسلهما وتكوين أسرهما. فإدراكنا لطبيعة الله مرتبط ارتباطا وثيقا بإدراكنا لأنفسنا. وحتى عملية تصوّرنا لإرادة خارقة، عليمة بكلّ شيء، تتجاوز فهمنا، متجذّرة في كيفية تطوّر ملكاتنا التي مكّنتنا أصلا من التفكير بهذه الفكرة. فالتناسل مشكلة على البشر حلّها لضمان بقاء النوع، ونحن بارعون فيها بشكل استثنائي. لكن، بالنسبة للبشر، ثمّة عادات وملاحظات وشكليّات وأعراف اجتماعية وأخلاقيات لا حصر لها تُعقِّد، لا حلّ تلك المشكلة التناسلية وحسب، بل تحسين ذلك الحلّ أيضا. والتناسل وتكوين الأسرة عنصر أساسي أيضا في القبَليّة الفطرية للبشر. وعبر معظم التاريخ، كان حلّ تلك المشكلة مُغرَقا في الخارق للطبيعة. فيغدو "إيجاد الحبّ" مسعى روحيا. والتناسل بالغ الأهمّية لاستمرار نوعنا، لدرجة أنّه يكتسب بالضرورة شيئا من الدلالة الكونية. ويصبح الأمر متعلّقا بـ"الحظّ السعيد" أو القدر، أو ربّما خطّة الله الإلهية لحياتك التي جعلتك تجد رجلا واحدا أو امرأة واحدة من بين بلايين البشر لتتناسل معه وتبدأ وحدة قَبَلية جديدة (تُسمّى الأسرة).

ومن هذا المنطلق، كان للدين علاقة وثيقة بفهم "الحبة الحمراء" للديناميكيات بين الجنسين.

لماذا أُلف هذا الكتاب عن الدين؟

أقنعني الشباب أخيرا في عام 2011، في منتديات "SoSuave" الإلكترونية للإغواء، بجمع أفضل منشوراتي في المنتدى وإطلاق مدوّنة. وأصبحت تلك المدوّنة "الذكر العقلاني"، التي تحوّلت لاحقا إلى هذه السلسلة من الكتب. وكنتُ قد بنيتُ في ذلك المنتدى بالفعل سمعة كصاحب بصيرة في طبائع الرجل والمرأة الفطرية، وكيفية توظيف تلك المعرفة على أفضل وجه لبناء حياة أفضل للرجل. وفي حالات كثيرة، كان رجال سباقون من أصحاب "الحبة الزرقاء" يشرحون لي كيف كانت قراءة عملي تجربة "مُنقِذة للحياة" بالنسبة لهم. وكان هذا أشبه بتجل ديني بالنسبة لهم بطريقة ما. "أنتَ تقوم بدور الله يا رولو." فقد انتقلوا من حالة جهل مُكيَّف بالمرأة، وبأنفسهم، وباللعبة بين الجنسين التي كانوا منخرطين فيها، إلى فهم عملي جديد لكيفية توظيف هذه المعلومات لصالح حياتهم. وكان كلّ هذا قبل عامين من نشري لكتابي الأوّل. والتحوّل إلى الوعي بـ"الحبة الحمراء" تجربة تحويلية للرجل. لكنّ ذلك التحوّل ليس دون ثمن. فالحقيقة تُحرّرك، لكنّ ذلك لا يعني أنّها جميلة؛ والحرّية التي تجلبها تأتي محمّلة بمسؤوليات كثيرة أيضا. فالحقيقة نادرا ما تكون سهلة. وقد تأتي الندامة من عدم إدراك الحقيقة التي كانت ماثلة أمامك منذ البداية. ويُعاني معظم الرجال في استيعاب هذا الوعي الجديد. فالانقطاع عن نموذج "الحبة الزرقاء" القديم الذي كان يمنحهم اتّجاها في حياتهم قد يكون صادما، خصوصا حين لم يحقّقوا نجاحا يُذكَر وهم يتّبعون طريقة تفكير النظام القديم. والانتقال من كونك "خاسرا" في حياة "حبة زرقاء" إلى كونك خاسرا واعيا في سياق "حبة حمراء" مأزقٌ عسير. وأضِف إلى هذه الأزمة أنّ كثيرا ممّا استثمروا فيه غرورهم، فيما يتعلّق بالمرأة وتوجيه حياتهم، متشابك أيضا مع معتقداتهم الروحية.

يحمل الناس استثمارات أنويّة عميقة جدّا في الجنس. والوصول إلى النكاح ليس سوى جزء من تأثير الجنس في حياتنا. يكاد الجنس يكون شكليّا إذا ما اعتبرنا الأطر الاجتماعية والنفسية المبنية حوله. فنحن نبني حيواتنا وأسرنا وأدياننا وسياساتنا وعوالمنا حول الاستثمارات الشخصية والعاطفية التي نحملها تجاه الجنس. يتعلّق الجنس في نهاية المطاف، بكيفية تيسيرنا لتناسلنا الخاصّ؛ والوصول إلى تلك النقطة هو حيث تدخل الديناميكيات بين الجنسين حيّز التطبيق. ومعظمنا لا يملك أدنى فكرة عن كيفية تحسين "لعبته". المعتقدات والمنهجيات التي يتّبعها الفرد للانتقال من العزوبة وانعدام الجنس إلى العلاقة الحميمة، والانخراط فيها، وتأسيس أسرة. وقلّةٌ أقلّ تريد أن تبدو متغطرسة أو متفاخرة بـ"فكّ شيفرة" الجنس الآخر. لا قدّر الله أن يجرؤ رجل، فضلا عن أن يقول، إنّه يعرف شيئا أو اثنين عن النساء في هذا العصر. أفكارنا حول أفضل طريقة لبدء علاقة حميمة مع شخص آخر تتشكّل بفعل تنشئتنا الاجتماعية وتثاقفنا. كان الأمر في الماضي، يبدأ بتربيتنا، والمحاولة والخطأ، والتخمين وقدر وافر من الإيمان.

وحتى إن لم تكن متديّنا، فستفهم بنهاية هذا الكتاب كيف أنّ الإيمان لا يزال على الأرجح يلعب دورا في معتقداتك عن إيجاد الشريك المثالي. نُسمّي ذلك "حظّا سعيدا" حين نجد من يرضى بإقامة علاقة جنسية معنا. ومعظم رجال "الحبة الزرقاء" يحطّون من شأن أنفسهم انعكاسيا حين يتحدّثون عن زوجاتهم، وعادة ما يتمحور ذلك التحقير حول مدى الحظّ الذي يعتقد جازما أنّه حالفه ليحظى، دون استحقاق، بحبّ زوجته. حظّا، أو قدرا، أو مُقدَّرا من الله؛ في نهاية مسعاه لحلّ مشكلته التناسلية، تبقى الحقيقة أنّه لم يكن يعرف حقّا ما الذي كان يفعله. فمعظم حيوات الرجال الحميمة عادة ما تكون مصادفات سعيدة (أو تعيسة)، لا تصاميم مُخطَّطة مسبقا. لقد كان يتّبع ما أشار إليه استدلاله المنطقي، والإشارات التي استطاع فهمها، والتي أكّدت له ما أقنعته به "قرية" عالمية بأنّ المرأة تريده. وقامت لعبته بأكملها على أمل أن تسير الأمور لصالحه كما تعلّم من ديزني، أو من والديه، أو من إيمانه. ابقَ مخلصا. صلِّ بإخلاص، وعلى الرغم من نظام اجتماعي مُصمَّم لجرّك إلى آلته بين الجنسين، ستلتقي في النهاية برفيقة الروح المثالية التي ادّخرها الله لك قبل أن تولد. لطالما كان للدين يد فاعلة في صياغة توجيهات كلّ جيل لحلّ مشكلته التناسلية. وحين تُشجَّع على عدم طرح أسئلة حول كيفية عمل استراتيجيات التزاوج حين تُشجَّع على استثمار غرورك في الإيمان اللازم لإشباع ضروراتك الجنسية يتحوّل احتمال معرفة حقيقة "الحبة الحمراء" (أو حتى الأسئلة التي تطرحها) إلى أزمة إيمان. ويصبح التساؤل عمّا يعتقده المرء بشأن الطريقة الصحيحة للتعامل مع الجنس الآخر تساؤلا في الإيمان نفسه.

من الطلبات الشائعة التي تلقّيتها من الرجال عبر السنين هو طلب مجموعة من القواعد ليعيشوا بموجبها في سياق ما يطرحه الوعي بـ"الحبة الحمراء" على الرجال. وإجابتي دوما واحدة أنا لا أصف وصفات جاهزة. وأقرب ما أصل إليه هو "قواعد توماسي الحديدية التسعة" من كتابي الأوّل. فحين يُقطَع رجل، شابّا كان أم كهلا، عن فهمه القديم لطبيعة اللعبة التي ينخرط فيها، تكون أولى رغباته البحث عن وجهة. وهذا الجيل الحالي من الرجال والنساء هو الأكثر افتقارا للوجهة أكثر من أيّ جيل سبقه. فإن كانت شريحة من الرجال تفتقر إلى الهدف، فهذا الجيل هو ذاك الجيل. وقد سارع كثير من مُحتالي علم النفس الشعبي، أو "مدرّبي الحياة" ذاتيّي التنصيب، إلى منحهم خطّة جاهزة. ولن يصدر عنّي يوما كتاب من نوع "12 قاعدة للحياة"، لأنّنا نُجرّد أنفسنا من قوّتنا حين نتّبع طريق شخص آخر لا طريقنا نحن.

حين بدأتُ أطوّر مفاهيمي عن الديناميكيات بين الجنسين في منتديات "SoSuave"، كانت أكثر الردود شيوعا التي أتلقّاها من الرجال (الشباب غالبا):

"رولو، أفهم ما تقوله. أفهم أنّ اللعبة ضرورة في التعامل مع النساء، لكنّني مسيحي، أو يهودي، أو مسلم، أو هندوسي، إلخ. كيف يمكنني تطبيق كلّ هذا ضمن إطار قناعاتي؟"

ولهذا أكتب كتابا عن "الحبة الحمراء" والدين. لأمنح الرجال إطارا يستطيعون فيه تطبيق هذا الوعي الجديد، آملا أن يتماشى مع قناعاتهم. وهدفي من هذا الكتاب هو منحك الأدوات والمعلومات، والتحذيرات والوعي، لتتمكّن من بناء حياة ضمن نموذج "الحبة الحمراء" يستوعب إيمانك حتى وإن لم يكن لديك إيمان من الأساس. أدرك مدى طموح تلك العبارة الأخيرة. فلا يمكنني أن أملي عليك كيفية مواءمة قناعاتك الروحية مع "الحبة الحمراء". أنتَ في النهاية من عليه أن يُفكِّك هذا الوعي ويُوفِّق بينه وبين إيمانك وقناعاتك.

وعادة ما أصطدم بنوعَين من المعارضة حين أتأمّل كيف يمكن أن تتلاءم "الحبة الحمراء" أو تتعارض مع القناعات الدينية/الروحية. الأوّل: حين يصادف معظم المتديّنين للمرّة الأولى ما تصفه "الحبة الحمراء" عن الديناميكيات بين الجنسين، يكون ردّ فعلهم عادة الانعطاف الحادّ نحو ما حدّده لهم إيمانهم (المؤنّث غالبا) أصلا. وأسهل ردّ فعل هو الإنكار والتحقير لما تكشفه براكسيولوجيا "الحبة الحمراء". يبدو الأمر وكأنّه تحد لإيمانهم، وكما عُلِّموا فهم يرفضون ربط النقاط ولا ينفصلون أبدا عن "المصفوفة". بل وأكثر من ذلك، غالبا ما يُقدمون على شيطنة "تفكير" الحبة الحمراء بوصفه هرطقة ضدّ معتقداتهم الثنائية الصارمة. أمّا ردّ الفعل الثاني فهو ردّ الرجال المتديّنين الذين يُقرّون بمزايا وحقائق ما تتناوله "الحبة الحمراء"، لكن بقدر ما يتّسق ويؤكّد تفسيرهم الخاصّ لما سيقبله إيمانهم. وهؤلاء هم "المؤمنون الانتقائيون". فالجوانب من "الحبة الحمراء" التي تؤكّد إيمانهم تُقبَل عادة باعتبارها شيئا تعلّمه إيمانهم وتحدّث عنه منذ زمن بعيد. ويميل هؤلاء المؤمنون إلى رؤية مجتمعات "الحبة الحمراء" من الرجال كفرص "تبشيرية"، ويُبرّرون احتيالهم بـ"الحبة الأرجوانية" كجهد تواصلي تبشيري.

أنتَ "الذكر العقلاني"! أليس الدين بطبيعته أمرا لاعقلانيا؟

هذا هو ردّ المعارض الثاني، والأكثر شيوعا عادة، الذي أتلقّاه حين أتأمّل "الحبة الحمراء" ضمن أطر دينية. لماذا الانشغال بالدين أصلا؟

"مَن يهتمّ بما قاله حفنة من رعاة الماعز ما قبل الزراعيين في الشرق الأوسط عن أيّ شيء؟" و"هل تؤمن فعلا بالله؟"

هذا ما يُطرَح عليّ بنوع من الذهول المُتصنَّع. ومن منظور كاتب، أتفهّم لماذا قد يبدو التفكير في الدين أصلا مضيعة للجهد الذهني بالنسبة لقرّائي. وألقى ردّ فعل مماثل كلّما تناولتُ موضوع العلاقات طويلة الأمد أو الزواج من منظور "الرجال الذاهبين في طريقهم الخاص" (MGTOW). فهم لا يرون جدوى من مناقشة ما يعتبرونه عديم الجدوى، وما ينبغي أن يكون عديم الصلة بأيّ شخص يملك عقلا. وتحمل المدوّنة والكتاب اسم "الذكر العقلاني"، والعبارة المحورية في عملي هي البقاء موضوعيا في تقييماتي. وأشعر أنّ عليّ التزاما تجاه الحقيقة الموضوعية، ولهذا يفترض معظم الناس أنّني مُلحد. لستُ كذلك. فلديّ إيمان، لكن حتى لو كنتُ مُلحدا مؤكَّدا، لظللتُ مُصرّا على أنّ فهم كيفية إيمان البشر بقوّة خارقة، وكيفية تنظيمنا أعرافنا الاجتماعية حول ذلك الإيمان، جزء من التجربة الإنسانية للخير أو للشرّ وجدير بالدراسة قطعا.

دراسة الإيمان مسعى عقلاني. ولا نُسدي لأنفسنا خدمة بدفن رؤوسنا في الرمال، سواء كانت تلك الرمال قناعة دينية لا تُسأل، أم يقينا بانعدام وجود الله. فالناس الذين يحملون أسئلة لا يُخيفونني، بل الذين لا يحملون أيّ سؤال هم من يُخيفونني غالبا. وسأخوض في هذا الكتاب في تطوّر الإيمان وكيف نصل من ذلك الإيمان إلى الدين، لكنّ الفكرة المحورية هي أنّ عجَب الوجود ويقين الموت قد أثارا في البشر فضولا مشتركا عمّا يكمن وراء ما وراء الوجود. وقد تضمّنت التجربة الإنسانية فضولا تجاه شيء خارج ذواتنا منذ أن كنّا نصطاد ونجمع القوت في قبائل على سهوب أفريقيا. ومن العقلانية أن نرغب في فهم ما وراء الطبيعة.

التطوّر والدين

الوجه الآخر لحجّة "الدين لاعقلاني" هو معضلة "التطوّر يناقض الدين". ومن المُسلّي لي دوما حين أُقدِّم حجّة تُؤكِّد معتقد مؤمن ما. فاستنتاجهم هو أنّني، بالضرورة، أتماشى مع منظومتهم العقائدية الثنائية. ويُحبّ الرجال الذين يحاولون حشر "الحبة الحمراء" قسرا في أيديولوجيّتهم حين يصادفون "مُرشدا" سابقا لـ"الحبة الحمراء" تخلّى عن ماضيه الإباحي، واعتذر علنا عن تبعّثره النسائي، ويدّعي أنّه وجد الدين الآن بعدما تقدّم به العمر وتحوّل نمط حياته اضطرارا. لا يمكنني الجزم بصدق تحوّلاتهم الدينية، لكنّني أعلم أنّ قصّة "الابن الضالّ" نموذجٌ مُؤكِّد للإيمان عند المؤمنين. ومع ذلك، فمجرّد ادّعاء رجل كرولو توماسي أنّه يحمل إيمانا كاف لتعزيز أمل بأنّ حقائق "الحبة الحمراء" المُزعجة قد تتماشى أيضا مع إيمانهم المتواضع ممّا يُثبت أنّهم كانوا على صواب طوال الوقت.

لكنّ كلّ ذلك التفاؤل يتوقّف فجأة حين أُضيف بادئة "تطوّري" أمام مصطلح بعينه. فمجرّد الإشارة إلى التطوّر، مجرّد كتابة أو نطق كلمة "تطوّر"، كاف لإيقاف المؤمنين في مساراتهم. أتذكرون النوع الأوّل من الرفض الديني لـ"الحبة الحمراء" الذي ذكرتُه أعلاه؟ ذلك النوع الذي يقاوم فيه الرجال ربط النقاط مباشرة دون تفكير؟ عادة ما يأتي ذلك الرفض مباشرة بعد إشارتي إلى علم النفس التطوّري، أو علم الأحياء التطوّري، أو حين أستخدم مصطلحا مثل "البرمجيات الذهنية المُتطوِّرة" أو "الأدوار الجندرية المُتطوِّرة". فبالنسبة لغالبية المؤمنين، افتراض التطوّر في تفسير ما يعني افتراض غياب الله عن الحجّة. وهذا عادة نتيجة تكييف ديني طويل الأمد، علّم الناس، منذ أكثر من قرنَين، أنّ التطوّر والإيمان بالخارق للطبيعة فكرتان متناقضتان. والمعتقد الافتراضي هو أنّ التطوّر والله عدوّان ثنائيّان، وأنّ محاولة التوفيق بينهما مسعى أحمق. وهنا يفقد كثير من الرجال ذوي العقلية الدينية (لا جميع المسيحيين) خيط سردية "الحبة الحمراء". فطبيعة المرأة "هي كيف خلقها الله؟". وطبيعة الرجل "ساقطة"، وعادة ما يكفي هذا لتسوية دائرة "الحبة الحمراء" بالنسبة لهم. لكن استخدم أيّ نوع من التفكير التطوّري لتفسير ديناميكية بين الجنسين، ويتحوّل الأمر إلى نسخة من "اعتماد الرجل على فهمه الخاصّ لا على حكمة الله". ويسير هذا التكييف يدا بيد مع مثال ديني آخر مُبالَغ في استخدامه؛ الاعتقاد بأنّ كلّ إطار تنبّؤي يجب أن يكون بالضرورة معتقدا بحدّ ذاته. وهكذا نصل إلى افتراض المؤمن أنّ التطوّر منظومة عقائدية أو بديل عن الله. ويُوصَم من يؤمنون بالتطوّر بـ"التطوّريين". ومن الأسهل بكثير رفض النقاط التي تربطها نظرية التطوّر حين تختزلها في مجرّد إيمان بالعلم. يبدو عندها الاعتماد على حكمتك الخاصّة وكأنّه تمرّد على الله.

فلنُوضّح هذا منذ الآن: سأستنتج وأُشير وأفترض التطوّر كثيرا في هذا الكتاب. لطالما كان علم النفس التطوّري وعلم الأحياء التطوّري إطارَين مبدئيَّين لبراكسيولوجيا "الحبة الحمراء"، وحتى يأتي ما هو أفضل، فهذا ما لدينا للعمل به. وإن كنتَ قارئا متديّنا، وتملك نظرة ثنائية لأمور كالجنس والطبيعة البشرية، فلا تتردّد في الإصغاء إلى ذلك "الصوت الخافت الهادئ" في مؤخّرة رأسك، وأدرِج كلمة "خَلَق" في الجمل التي لم تستطع استيعابها لأنّ التطوّر كان مكتوبا أو ضمنيا، ثمّ واصل القراءة. لا أجد مشكلة في التوفيق بين نظرية التطوّر وإيماني الخاصّ، لكنّني أعلم أنّ آخرين يجدونها. وعليّ أن أُشير أيضا إلى وجود مفكّرين ثنائيين على جانب "الله ميّت" من السياج الأيديولوجي أيضا. فالمُتديّنون روحيا كثيرا ما يصفون "التطوّريين" بأنّهم مؤمنون بالتطوّر، ممّا يضعهم في دور أيسر فهما لخصمهم الأيديولوجي. ورغم أنّ هذا الافتراض لا أساس له، إلّا أنّ كثيرا من الملحدين سعداء بلعب ذلك الدور، بقدر من السخرية المتعالية. ومجرّد تفكيري في الدين ضمن سياق "الحبة الحمراء" قد يكون كافيا لإقصاء هؤلاء القرّاء أيضا. وبالمثل، قد تبدو إشارتي إلى المبادئ التطوّرية لهم تأكيدا أيديولوجيا خاليا من الدين.

وهذا يقودني إلى مبدأ آخر لهذا الكتاب؛ الهدف هو البقاء موضوعيا في النطاق قدر الإمكان بينما نُحاول استيعاب النقاط التي تُربَط معا. فالأمر لا يتعلّق بإثبات صواب أو خطأ. وحين تنتهي من قراءة آخر صفحة في قائمة المصطلحات وتُغلق هذا الكتاب، عندها يمكنك إصدار أحكامك الحتمية. سأتوسّع لاحقا في الانفصال بين المؤمنين والتجريبيين، لكن، في الوقت الراهن، اعلم أنّ نطاق هذا الكتاب هو فهم الديناميكيات بين الجنسين ضمن إطار ديني. لا ما تظنّه أنتَ التبعات الأخلاقية لتلك الديناميكيات. ليس هنا في البداية على الأقلّ. ستجد في هذا الكتاب جوانب تُؤكِّد الإيمان، وجوانب تتناقض معه. وستجد أجزاء تبدو وكأنّني أهاجم الدين، وأجزاء أخرى تبدو وكأنّني أدفع نحو إيمان راسخ بالله. وللمؤمن وغير المؤمن على حدّ سواء، أعدكم أن تشعروا بالغضب منّي في مرحلة ما خلال هذه القراءة. وهذا أمر جيّد. فهو يعني أنّكم تستوعبون الأفكار، وأنّني أنقلها بدقّة.

يا صاح، هل تحاول تنصيري أم تنفيري؟

لا هذا ولا ذاك. إن اقتنيتَ هذا الكتاب وأنتَ تظنّ أنّه سيُحطّم حجج المؤمنين، فمن المرجّح أن تُصاب بخيبة أمل. وإن كان ما أثار اهتمامك بهذا الكتاب ظنّك أنّني سأدافع عن صحّة دينك دوما في سياق "الحبة الحمراء"، فستُصاب بخيبة أمل أيضا على الأرجح. لا أريد أن أُحوّلك إلى إيماني، أو أيّ إيمان، أو حتى منهجي الفكري، كما لا أريد أن أُثبّط قناعاتك الخاصّة. ومهما اتُّهمتُ بكوني "زعيم طائفة" أو مُصابا بـ"عقدة المسيح المنتظر"، فغايتي من هذا الكتاب ليست تأسيس "دين رولو" جديد. بل أريدك، بحقّ، أن تتحدّاني. فهكذا نُطوِّر الإطار البراكسيولوجي لما هي عليه "الحبة الحمراء". سأترك التأويلات لك. فربط النقاط والموضوعية كلّ ذلك متروك لك في هذه القراءة. وآمل أن تستطيع، بنهاية هذا الكتاب، أن ترى كما رأيتُ أنا أنّ ما تكشفه قرابة عشرين عاما من جمع معلومات "الحبة الحمراء" هو أنّ الدين ومقاومته على حدّ سواء يلعبان دورا جديدا في ديناميكيات القوّة الجندرية التي نعتبرها أمرا مُسلَّما به، لكنّها تؤثّر ضمنيا في حياتنا.

دالروك و"المانوسفير المسيحي"

ستظلّ هذه المقدّمة أخيرا بل هذا الكتاب بأكمله، ناقصة ما لم أُقرّ بالإسهامات التأسيسية لأحد أكثر المدوّنين والمفكّرين تأثيرا في هذه الجبهة الجديدة لـ"الحبة الحمراء". ذلك المدوّن رجل يُعرَف باسم "دالروك". وقد ذكرتُ دالروك في شكر وتقدير كتبي الثلاثة السابقة جميعها، وسيُذكَر مجدّدا في شكر هذا الكتاب أيضا، لكنّ مكانه في هذا الكتاب يستحقّ أن يكون بارزا في المقدّمة.

حين بدأتُ مدوّنة "الذكر العقلاني" في أغسطس 2011، فكّرتُ جدّيا في تضمين عنصر ديني ضمن مواضيع وفئات مقالاتي. فقد كان لديّ عدد كبير من الرجال المسيحيين، في تعليقاتي الشخصية وكذلك في منتديات "SoSuave"، يسألونني كيف يُدير الرجل علاقات متعدّدة أو يستخدم "اللعبة" داخل زواجه، أو كيف يجد تطبيقات لأفكار "الحبة الحمراء" يستخدمها في حياته. وكانوا بحاجة لطريقة مسيحية لجعل تلك الأفكار تتّسق مع قناعاتهم. والأهمّ، كان لديّ رجال مسيحيون في زيجات خالية من الجنس، يائسون لإخباري كيف استُغلّت معتقدات زوجاتهم الدينية كأداة ضغط لتبرير عزوفهنّ الجنسي عن أزواجهنّ. وكان لديّ رجال يرغبون في سرد تجاربهم عن كيفية استيعاب كنائسهم (وقساوستهم الذكور خصوصا) لضرورة ذات أولوية أنثوية، وكيف كان الرجال يهجرون كنائسهم وغالبا الإيمان كلّيا بأعداد جماعية نتيجة عدم وجود أيّ شيء متبق لهم في الكنائس التي نشأوا فيها. وكانت هذه الشريحة من القرّاء شائعة لدرجة أنّني فكّرتُ جدّيا في إطلاق مدوّنة فرعية لمعالجة قضاياهم حين بدأتُ "الذكر العقلاني".

تخلّيتُ عن تلك الفكرة حين اكتشفتُ مدوّنة دالروك. فكلّ ما كان دال يفعله هو بالضبط ما رأيتُ أنّه يحتاج إلى معالجة لهذه الشريحة من الرجال، وبشكل أفضل بكثير ممّا كنتُ سأستطيع فعله إنصافا. لم يكن أحد ممّن سيُعرَف لاحقا بـ"المانوسفير" يفعل ما كان دالروك يفعله في معالجة قضايا الديناميكيات بين الجنسين التي كان يسألنا عنها الإنجيليّون والكاثوليك على حدّ سواء في تلك الحقبة. والمُلفت أنّ تحليلات دالروك كانت تركّز بكفاءة عالية على "الحبة الحمراء". وإلى يومنا هذا، لا أستطيع التفكير في كاتب آخر يملك معرفة أعمق بأسس "الحبة الحمراء"/"اللعبة" وكيفية ترابطها مع منظور مسيحي معاصر للزواج، وتربية الأبناء، والفيمنستية داخل الكنيسة، وأزمة الذكورة التقليدية، والطلاق، والجنس.

منذ منتصف العقد الأوّل من الألفية، عُرفت كواحد من "الراءات الثلاث" في "المانوسفير": روش، ورويسي، ورولو. وقد دُعينا "قادة الفكر" في "الحبة الحمراء" والديناميكيات بين الجنسين، لكن، بصراحة، ينبغي إضافة اسم دالروك إلى هذه القائمة فعمله بهذه الأهمّية بالضبط. وعليه، تعرّض دالروك مرارا لهجوم من النقّاد المحافظين التقليديّين والمسيحيين السائدين على حدّ سواء. فقد فعل لمنظور الثقافة المسيحية المؤنّثة الحديثة ما كنتُ أفعله أنا للمنظورات العلمانية للديناميكيات بين الجنسين. وتعزية المُبتلَى وإزعاج المرتاح يكسبانك أعداء، لكنّ هذا جزءٌ من المهمّة حين يكون عليك التزام بربط النقاط وتعهّد بالحقائق الموضوعية. ولعشر سنوات، كانت مدوّنة دال المجّانية على "ووردبريس" الوجهة المرجعية لـ"المانوسفير المسيحي". ولم يُحوِّلها يوما إلى مصدر ربح، ولم يُغيِّر يوما رسالته أو مهمّته بوصفها سوقا للأفكار وقسطا وافرا من النقد حول كيفية تجلّي هذا الفهم الجديد للديناميكيات بين الجنسين في سياق مسيحي. ومن المؤسف أنّه، منذ فبراير 2020، قرّر دالروك التقاعد عن مدوّنته إلى أجل غير مسمّى. تنحّى لأسباب تخصّه، عن "مشروعه" الممتدّ عشر سنوات في إبقاء الثقافة المسيحية تحت طائلة المساءلة. وقد ترك هذا فراغا لن يُملأ بسهولة.

حين فكّرتُ في تأليف كتاب عن "الحبة الحمراء والدين"، كانت فكرتي الأولى أن أُشارك دالروك في تأليفه. فبدأتُ بمراسلة دال عبر البريد الإلكتروني بهذا العرض. فرفض دالروك عرضي بأكثر الطرق لطفا، مرّتين. وقد ظللنا أنا وهو صديقَين عبر التدوين لعشر سنوات حتى كتابة هذه السطور، وخلال تلك الفترة تبادلنا الأفكار، وتشاركنا الروابط، وناقشتُ الجانب العلماني من فكر "الحبة الحمراء" في تعليقات مدوّنته. لطالما كان دال رجلا يُقدِّر خصوصيّته. وكانت كتابته دوما عمل حبّ صادق بالنسبة له. وقد أتيحت له فرص كثيرة ليرتقي بنفوذه على "المانوسفير" إلى درجات أعلى، لكنّ هذا ليس من طبيعة دال. لا كتب، لا إعلانات، لا بودكاست (حاولتُ إقناعه بالظهور في بودكاستي مرّات عديدة). فبالنسبة له، الأمر يقتصر على الأفكار والنقاش وحسب.

هذا الكتاب سيظلّ ناقصا دون تلك الأفكار والنقاشات والمراجع التي كانت نتاج عبقرية دالروك الفريدة وعلاقتنا معا. فكثير من المفاهيم التي أستكشفها في هذا الكتاب، خصوصا تلك المتعلّقة بحال ثقافة الكنيسة المسيحية الحديثة، والزواج، وتربية الأبناء، تجد جذورها في عمل دالروك. وأنا، بالكاد، عالم لاهوتي، لكنّ فهم دالروك الفريد للنصّ المقدّس قد سدّ الفجوات حيث احتجتُ المساعدة. ولأجل صداقته والتزامه بحرفته، أُهدي هذا الكتاب إليه.

كيف تقرأ هذا الكتاب؟

ما تحمله بين يديك الآن هو خلاصة معرفة جمعية، تراكمت عبر قرابة عشرين عاما، لرجال يناقشون ويتجادلون ويُنقِّحون تجاربهم في فهم طبيعة المرأة. وهو معرفة مُجمَّعة عن طبيعة الرجل والتفاعل الاجتماعي والنفسي القائم بين الرجل والمرأة. وما يمضي إليه هذا العمل، انطلاقا من تلك القاعدة، هو استكشاف التبعات الدينية الناشئة عن تلك المعرفة. فحين يصادف الرجال المتديّنون "الحبة الحمراء" للمرّة الأولى، غالبا ما يُجبرهم ذلك على مواجهة كافّة الافتراضات التي علّمهم إيّاها إيمانهم الشخصي حول الديناميكيات بين الجنسين. وقد يُثير هذا أزمة إيمان أحيانا، أو يدفع الرجل إلى الإنكار، لأنّ قدرا كبيرا من أمله في سعادة مستقبلية مع زوجة وأسرة يتوقّف على ذلك الفهم.

فلتُهيِّئ نفسك لهذا.

تتمحور جميع كتبي حول الرغبة في فهم التروس التي تعمل "تحت غطاء المحرّك" في الديناميكيات بين الجنسين. لم يكن يكفيني يوما أن أُشغِّل التلفاز وأكتفي بسعادة كونه يعمل. لطالما أردتُ تفكيك التلفاز لأفهم كيف ولماذا يعمل. وقد طبّقتُ هذه الرغبة ذاتها على تحديد الآليات الداخلية للمرأة، والجنس، والأسرة، والحبّ، وكلّ الأسباب التي تدفعنا لفعل ما نفعله غالبا رغم أننا في عالم يُفضّل ألّا أطرح هذه الأسئلة. لطالما كان الفضول المبدأ الموجِّه لكتاباتي، لكنّني خضتُ في هذا المجلّد مسعى أكثر طموحا. وجمهوري المُستهدَف من هذا الكتاب هم، بطبيعة الحال، الرجال (والنساء) الذين يملكون بالفعل قدرا من الخبرة بأفكار "الحبة الحمراء"، لكنّه موجَّه أيضا للقارئ المتديّن الذي قد يكون غير مُلمّ بعملي إطلاقا، أو حتى غير مُلمّ بأفكار فلك "الحبة الحمراء" كلّيا. أصبحت "الذكر العقلاني" الآن سلسلة من الكتب، لكنّها كلّها، وكلّ المقالات في مدوّنتي، تتمحور حول قاعدة معرفية أُرسيت في الكتاب الأوّل، "الذكر العقلاني". وفي القسم الأوّل من هذا الكتاب، سأبذل قصارى جهدي لأمنحك مدخلا تمهيديا لهذه الأفكار، وعلى طول الطريق سأشرح بعض هذه المفاهيم وكيف ترتبط بسياق ديني. ومع ذلك، أُشدِّد على ضرورة قراءتك الكتاب الأوّل لتحصل على فهم أشمل لماهية هذه المفاهيم وكيف توصّلتُ إليها أنا وغيري من الكتّاب في هذا الفلك. ويُساعد أن تعتبر كتابي الأوّل مجموعة من "القواعد" الجوهرية، والكتب اللاحقة مُلحقات مبنيّة على ذلك الجوهر.

ملاحظة حول المصطلحات

كثير ممّا نناقشه في "المانوسفير" قد يبدو غامضا لقارئ جديد. وحتى كلمة "مانوسفير" نفسها مصطلح اصطلاحي لا يفهمه معظم الناس حقّا، أو يرونه طفوليا (وأنا أُوافقهم) أو "أشبه بطائفة" حين يقرؤونه لأوّل مرّة. ومنذ نشأتها في مجتمعات الإغواء الإلكترونية أوائل العقد الأوّل من الألفية (PUAs، فنّانو الإغواء)، احتاج "السفير" وبراكسيولوجيا "الحبة الحمراء" إلى مصطلحات واختصارات لتسهيل التواصل. وحين أستخدم مصطلحات كـ"ألفا" أو "بيتا" أو "الهايبرغامي"، تذكّر أنّها تجريدات. كلمات بديلة ضرورية لمفاهيم، كي نستطيع المضيّ قدما في تأمّل ديناميكيات أكبر ومناقشتها. ومع ذلك، أُدرك أنّ المصطلحات الخاصّة بـ"الحبة الحمراء" قد تُربك القارئ الجديد أو تُنفِّره. وسأسعى لتبسيط هذه المصطلحات على طول الطريق، أو لكتابة معنى الاختصار قبل أن أستمرّ في استخدامه. وآمل أن يُبدِّد هذا الالتباس ويُساعدك على مواصلة القراءة نحو أفكار أكبر.

لماذا تقرأ هذا الكتاب؟

إن كنتَ قارئا للمرّة الأولى، فمن المحتمل أنّك كنتَ فضوليا حول كيف يمكن لهذا الكتاب أن يُساعدك على فهم العلاقات بين الجنسين بشكل أفضل ضمن إطار قناعاتك الدينية. وبغضّ النظر عمّا يؤمن به الرجال أو كيف توصّلوا إليه، فإنّ دوافعنا وظروفنا البيولوجية الفطرية المُتطوِّرة لا تتغيّر. يريد الناس ممارسة الجنس، ولطالما كان الدين حاضرا ليُخبرهم كيف يفعلون ذلك أو ليمنحهم سببا للشعور بالرضا أو الذنب حيال تجاهله. وهذا الكتاب نتاج رجال ذوي عقلية دينية (من أديان عديدة) يبحثون عن إجابات "الحبة الحمراء":

ربّما اقتنيتَ هذا الكتاب، أو أهداك إيّاه صديق، لأنّك في مرحلة من حياتك لم تأتِك فيها الإجابات التي طلبتها عن كيفية "الحصول على صديقة" من الأشخاص الذين أصغيتَ إليهم في الكنيسة. ولعلّ جذر مشكلاتك كان الإصغاء إليهم من الأساس.

أنتَ لا تؤمن بالعلاقة الجنسية قبل الزواج، لكنّك قرأتَ بعض أفكار "الحبة الحمراء" التي عبّرت عمّا لم تجد له كلمات يوما. وتأمل أن تجد طريقة لجعل تلك الأفكار تعمل ضمن إطار قناعاتك الشخصية.

ربّما تتساءل لماذا لا تستطيع إيجاد "امرأة ذات قيمة" سليمة تشاركك قناعاتك، أو لماذا تبدو كلّ النساء في دينك مُنشغلات بحساباتهنّ على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من "السعي وراء الله" أو إيجاد زوج. وقد تشعر بالإحباط أو التردّد أو الضيق من النساء اللواتي يُجاهرن بإيمانك، لكن لا يُعِشنه فعليا أبدا.

ربّما تكون قد تخلّيتَ عن إيمانك كلّيا لأنّه لم يعد هناك شيء للرجل في الكنيسة. أو ربّما لاحظتَ أنّ إيمانك يجري اجتياحه بنفوذ أنثوي علماني، وأنّ السيادة الأنثوية محور "كنيسة جديدة" لم تعد تشعر فيها بالترحيب.

ربّما تكون رجلا متزوّجا صحوت على واقع فهمه "حبة زرقاء" للمرأة، وتريد أن تعرف كيف تُطبِّق وعي "الحبة الحمراء" في زواجك "المقدّس" الخالي من الجنس. وربّما تعتقد أنّك "مُدمن" على الإباحية، وأنّ "الحبة الحمراء" تحمل رؤى لم يتطرّق إليها دينك بشأنها.

ربّما تظنّ أنّ العالم قد انحرف نحو "الانحلال الأخلاقي"، وتريد أن تعرف كيف "تُنقذ الغرب"، بدءا بـ"تدمير الفيمنستية!"

أيّا كانت أسبابك لاقتناء هذا الكتاب، سأطلب منك أن تضع هذه التوقّعات جانبا طوال هذه القراءة. سأتطرّق في حينه لكلّ هذه المخاوف، لكن من المهمّ أن تبدأ هذا الكتاب من موقع محايد. ربّما لم تسمع يوما برولو توماسي قبل هذا الكتاب، أو ربّما تتابعني منذ 2002، لكنّ هذا الكتاب سيدفعك لإعادة التفكير فيما تظنّ أنّك تعرفه عن الدين وكيف يُستخدَم للاستئثار بإيمانك الجوهري. وهذا فصلٌ عليك أن تكون قادرا على إجرائه؛ الدين هو تطبيق الإيمان.

الإيمان مقابل الدين

الإيمان أمر شخصي. يمكننا أن نفخر به ونُذهَل به، ونتساءل عنه، ونلجأ إليه حين نكون، تماما، في رعب وحيدين، في آخر لحظات حياتنا. ومن المرجّح أنّه لا يوجد جانب في التجربة الإنسانية نستثمر فيه أنفسنا أنويّا أكثر من الإيمان الذي نعتمد عليه لنحفظ صفاء عقولنا. ولن أدّعي يوما أنّني أهاجم إيمان أحد؛ لكنّني اتُّهمتُ بهذا تحديدا مرّات عديدة حين أطرح أسئلة عن كيفية عمل الدين على ذلك الإيمان المُستثمَر فيه أنويّا. وفي حين أنّ الإيمان حميمي ومهمّ، ينبغي ألّا يكون الدين أبدا فوق النقد ومن مصلحة الدين دوما أن يخلط المؤمن بين غاية إيمانه والممارسات التي يُعلِّمه إيّاها دينه.

ورغم أنّ هذا الكتاب الذي تحمله الآن جاء نتاج عشرين عاما من نقاش "الحبة الحمراء" وجمع المعلومات، فإنّ كتابته وبحثه بدآ قبل نحو أربع سنوات (2016). وحين أعلنتُ أنّني سأُؤلِّف كتابا عن "الحبة الحمراء والدين"، فاجأني القرّاء بسؤالهم عمّا إذا كنتُ سأتطرّق إلى دينهم تحديدا. وعلى مدى عملية جمع البيانات هذه، أضاف المزيد والمزيد من الناس دينهم إلى تلك القائمة التي بات عليّ تغطيتها لو أردتُ أن أكون شاملا في تقييماتي. وأصبح واضحا لي أنّني لو حاولتُ تضمين كلّ دين في هذه الرسالة، لانتهى بي الأمر بكتاب ضخم جدّا! لذا، دعوني أعتذر الآن عن عدم تطرّقي مباشرة لنسختكم الخاصّة جدّا من "الشيعية الأرثوذكسية القبطية الكريشناوية الحسيدية". ورغم أنّني سأخوض في بعض الطوائف المحدّدة، فإنّ المحور الرئيسي لتشريحي لـ"الحبة الحمراء" للدين يركّز على الأديان الكبرى المُنظَّمة والسائدة. وكان هذا ضروريا لاعتبارات البساطة، لكن أيضا لأنّ أساسيات معظم الأديان لا تتغيّر كثيرا فيما يتعلّق بالديناميكيات بين الجنسين.

المفارقة الأرثوذكسية

أستطيع سماع التذمّر الآن، "لم يُؤكِّد معتقدي الحقيقي في [أدرج اسم الدين هنا]، فكيف يكون هذا حبّة حمراء؟" وهذا يقودنا إلى ما أُسمّيه "المفارقة الأرثوذكسية" ما لم تكن تؤمن بدين توحيدي تلفيقي ما، فمن المرجّح أنّك تعتقد أنّ طريقتك في عبادة الله هي الطريقة الوحيدة لعبادة الله. لا توجد أديان حقيقية أخرى مثل دينك، وأيّ شخص منتسب إلى دينك يُلقي عليه ضوءا سيّئا، حسنا، فهو ليس [دينا] حقيقيا أصلا. وبمصطلحات المغالطة المنطقية، هذه هي النسخة الدينية من مغالطة "الإسكتلندي الحقيقي".

تختزل "المفارقة الأرثوذكسية" نفسها في عبارة "لا يمكنك مجادلة الله". لذا دعونا نُوضّح هذا أيضا الآن: على الأرجح سأُخطئ في فهم دينك تماما، لأنّه لا يوجد مؤمن حقيقي يفعل ما ألاحظه يفعله أتباع ذلك الدين. الخبر السارّ أنّني أدركتُ هذا منذ بداية هذه الكتابة، وحرصتُ قدر استطاعتي على مراعاة افتراض الأرثوذكسية هذا في ذهني خلال كتابة كلّ فصل من فصول هذا الكتاب. أمّا الخبر السيّئ، فهو أنّ معظم من يتمسّكون بـ"المفارقة الأرثوذكسية" يميلون لأن يكونوا أكثر الحرفيّين الثنائيّين تشدّدا ممّن قد تعرفهم. وكما ذكرتُ، حين تستثمر غرورك في معتقد ما، يُفسَّر أيّ هجوم على ذلك المعتقد كهجوم على شخصك. وليس بوسعي فعل الكثير حيال هذا، عدا أن أطلب منك، أيّها القارئ الحرفي العزيز، أن تتحمّلني بينما أصل إلى النقاط الأكبر المُستنتَجة عن دين ما، وأن تعلم أنّني بذلتُ قصارى جهدي للنظر في التفسير الأرثوذكسي لذلك النقد في كلّ مرّة.

في شأن النصّ المقدّس

قبل أن تُكمل.. إن اقتنيتَ هذا الكتاب وأنتَ تظنّ أنّني عالم لاهوتي أو خبير في الترجمات القديمة للقرآن أو "البهاغافاد غيتا"، فستُصاب أيضا بخيبة أمل كبيرة. خلفيتي الأكاديمية تقتصر على علم النفس السلوكي، واهتمام شديد بعلم النفس التطوّري. وإن أردتَ الحديث عن تاريخ الفنّ الجميل، فأنا مؤهَّل أكاديميّا في هذا الجانب أيضا. لستُ عالم دين خارج ما بحثتُه لأجل هذا الكتاب، واهتماماتي الشخصية، ولا أحمل درجة دكتوراه في أيّ شيء. وبصراحة، أعتقد أنّ منظور العامّة يُساعد أكثر بكثير فيما يخصّ مواضيع هذا الكتاب، لكنّني أعلم أنّ آخرين سيستاؤون لأنّني اقتبستُ شيئا من نصّ مقدّس وتفسيري له لا يجتاز اختبار "المفارقة الأرثوذكسية". وحين لا يعني نصّ مقدّس ما تظنّ أنّه يعنيه، فعادة ما يكون ذلك لأنّه لا يتّسق مع ما يعرفه المؤمن الحقيقي أنّه يعنيه. وأحيانا يكون النصّ المقدّس غير مُلائم لتفسير علماني له أيضا.

باستثناء إشارتي إلى دالروك أو حفنة من الرجال الآخرين الذين طلبتُ إرشادهم في هذه الكتابة، فإنّ أيّ تفسير للنصّ المقدّس في هذا الكتاب هو رأيي الخاصّ. وبالمثل، سأُخطئ على الأرجح في كلّ شيء وفق معيار أرثوذكسي، لكنّني سأقتبسه رغم ذلك. ولا أعتقد بأيّ شكل أنّ رأيي هو الرأي الوحيد، أو حتى الرأي الصحيح، لتلك الفقرة المقدّسة. لكن، ضع في اعتبارك أنّ تفسيري هو تفسير شخص عادي واع بـ"الحبة الحمراء"، صادف هذه الآيات في نقاشاته مرّات عديدة. وفي معظم الحالات، لا أستخدم هذه الاقتباسات لإضفاء شرعية على أيّ شيء، بل أُشير إلى استخدامها الشائع من قِبَل المؤمنين أنفسهم لإضفاء شرعية على شيء ما.

في شأن البنية

يتألّف هذا الكتاب من قسمَين رئيسيَّين. الأوّل مُخصَّص لمبادئ "الحبة الحمراء" وكيفية تماشيها (أو عدم تماشيها) مع المعتقدات الدينية الشائعة. وفي هذه الفصول، يُمثِّل هذا القسم تمهيدا ضروريا لاستيعاب الأقسام اللاحقة من الكتاب استيعابا كاملا. سأتعمّق في الأغراض الكامنة للعقيدة والتقاليد والممارسات في معظم الأديان، وكيف ترتبط بالديناميكيات بين الجنسين الواعية بـ"الحبة الحمراء". وفي القسم الثاني، أتوسّع في قضايا اجتماعية أكبر، وكيف يُعيد نفوذ علماني داخل الدين تشكيل فهم النظام القديم للإيمان جذريا في مجتمع مُعولَم. ومن المواضيع التي أتناولها: النظرة الدينية للزواج، والطلاق، والجنس، وتربية الأبناء، والفيمنستية، و"الضرورة الأنثوية". والأهمّ، كيفية دخولنا إلى هذه الأديان الجديدة، وإلى أين يمكننا أن نتوقّع أن تتّجه، سمة محورية في هذا القسم.

قرّرتُ أخيرا، أن أفعل شيئا مختلفا قليلا في عرض هذا الكتاب. فمن أوّل ما يسألني عادة في المقابلات هو كيف توصّلتُ إلى طريقة تفكيري حول المرأة والرجل والجنس وما إلى ذلك. وعادة ما لا يكون هذا التمهيد مدفوعا برغبة صادقة في التعرّف عليّ؛ بل غايته إثبات عيب شخصي ما، فرويدي أو يونغي أو من نوع يُقرّه برنامج "أوبرا"، يفترضون أنّني لا بدّ أحمله. فالمحاورون من خارج "الحبة الحمراء" يبدؤون دوما من افتراض أنّني لا بدّ أحمل صدمة ماضية ("من آذاك؟") جعلتني، على المدى الطويل، حانقا على الديناميكيات بين الجنسين. وفي سياق الدين، هذا التكتيك نفسه مفيد بالقدر ذاته للنقّاد الذين لا يرغبون في التفكير في الملاحظات التي أطرحها. لذا، على مخاطرة جعل نفسي عرضة للرفض بذات الزيف، قرّرتُ أن أمنح قرّائي لمحة عن ماضيّ الخاصّ وتجاربي الشخصية مع الإيمان والدين. وفي مراحل متفرّقة من هذه القراءة، سأروي لكم بعض القصص الشخصية عمّا أظنّه ذا صلة بموضوع بعينه. وكلّ من يألف عملي يعلم أنّني أتردّد في استخدام حياتي (وزواجي) كـ"دليل" قصصي على أيّ مفهوم. فأنا لستُ أنتَ. ونجاحي الماضي (أو فشلي) لا يدلّ بأيّ شكل على نجاحك المستقبلي. وأُدرج هذه المقتطفات الشخصية القصيرة على طول الطريق لأمنح القرّاء بعض التباين حول أين نقف الآن من هذه الأفكار، ومن أين أتت. وغايتي أن أجعل هذا الكتاب أكثر شخصية بقليل من كتبي الثلاثة السابقة. آمل أن تتفهّموا منطلقي.

رولو توماسي، 2020 الأخلاق في "المانوسفير" مدوّنة "الذكر العقلاني"، 23 مارس 2012

وضع أجنحة الملائكة أو أجنحة الشياطين على الملاحظات يُعيق الفهم الحقيقي.

لا أقول هذا لأنّني أعتقد أنّ الأخلاق غير مهمّة في التجربة الإنسانية، بل لأنّ تفسيراتنا للأخلاق والعدالة تتأثّر بشكل جوهري بالجوانب الحيوانية من طبائعنا غالبا أكثر ممّا نحن مستعدّون للاعتراف به لأنفسنا. فالانفصال عن ردّة فعل عاطفية صعبٌ بما يكفي، لكنّ إضافة طبقات من الأخلاقوية إلى قضية ما لا يزيد الأمر إلّا تعقيدا، يُربك فهمنا لها وتفكيكها إلى مكوّناتها. فالانفعال، وبدرجة ما، الإحساس الأخلاقوي، سمة من سمات التجربة الإنسانية أيضا، لذا لا بدّ من مراعاة هذا في تفسير قضايا معقّدة كتلك التي تُناقَش اليوم فيما نُسمّيه "المانوسفير".

أُدرك أنّ مراقبة عملية ما تُغيِّر تلك العملية، لكنّ ممارستي كانت دوما ألّا أستخلص استنتاجات أخلاقية في أيّ تحليل أُجريه، لأنّ ذلك يُضيف تحيّزا حيث لا حاجة له. والمشكلة أنّ ما أطرحه أنا (وآخرون في هذا الفلك) خامٌ لدرجة أنّه يُهين حساسيات استثمرت أنويّا في معتقدات بعينها. والإهانة ليست غايتي، لكنّها غالبا ما تكون نتيجة تشريح معتقدات عزيزة يبدو أنّها تُسهم في رفاهية الفرد.

يودّ منتقدو "الحبة الحمراء" أن يُقنعوكم أنّ ما أطرحه عدمي وساخر وتآمري لأنّني تحليلي دون طلاء الأخلاق. فمثلا، حين كتبتُ مقالي "عرائس الحرب" (في كتابي الأوّل)، كان ذلك ردّا على شكوى شائعة بين الرجال حول مدى براعة المرأة، وبرود أعصابها نسبيا، في الانتقال إلى علاقة جديدة بعد أن تُهجَر من صديق أو زوج. أردتُ استكشاف الأسباب وكيفية عمل هذا، لكن، من منظور أخلاقوي، يبدو الأمر قاسيا جدّا. فقد انتخبت "الهايبرغامي" نساء يملكن قدرة فطرية على الشعور بندم ضئيل حيال الانفصال العاطفي عن رجل والانتقال بسلاسة إلى آخر. ثمّة جوانب قبيحة كثيرة في طبائعنا المُتطوِّرة، لكن لو تناولتُ الموضوع بطريقة تبدأ بـ"أليس من الظلم أو اللاأخلاقية أن تنتقل المرأة بسهولة أكبر من الرجل؟"، فلن تكون فرضيتي متحيّزة وحسب، بل سأكون أُحلِّل التبعات الأخلاقية للديناميكية لا الديناميكية نفسها.

وأُخاطر دوما بأن أبدو قاسيا، لأنّ ممارستي في التحليل تقوم دوما على نزع ذلك الطلاء الأخلاقي. فهذا يتحدّى الاستثمارات الأنويّة، وحين يحدث ذلك، يُفسِّره الناس كهجوم شخصي، لأنّ تلك الاستثمارات الأنويّة مُرتبطة ارتباطا فريدا بشخصياتهم وبرفاهيتهم الذاتية. ورغم وجود منتقدين كثر من "فريق المرأة" يقذفون السمّ من الخصر حول ما يظنّون أنّ تركيزي على الأنثوية "يعنيه فعلا"، فلا تظنّ أنّ التحطيم محصور بالجانب النسائي من الميدان. فأنا أتلقّى قدرا مساويا أو أكبر من الكراهية من "المانوسفير" حين أنشر شيئا عن كون "المظهر" مهمّا بالفعل للرجل، أو كيف أنّ الأهمّية التي تُوليها المرأة لبنية جسد الرجل أكثر صرامة وثباتا من أيّ معايير جمال يحملها الرجل تجاه المرأة.

إن اخترتَ أن تستمدّ قيمتك الشخصية من إحساس ما بما "ينبغي" أن يعنيه الجنس، فلتفعل وحظّا موفّقا. لكنّني أجد أنّ موقفا أكثر صحّة بكثير هو تقبّل توازن بين طبائعنا الجسدية وتطلّعاتنا الأسمى. فليس الأمر إمّا هذا أو ذاك بالنسبة لي. لا بأس في الرغبة بممارسة الجنس لمجرّد المتعة فلا يتحتّم أن يكون الجنس مصدرا لمعنى وجودي. وإن كنتَ تظنّ أنّه يعني شيئا أكبر، فهذا رأيك الذاتي الخاصّ فحتى داخل الزواج، ثمّة "جنس الواجب"، وثمّة جنس لا يُنسى، مُهمّ، ذو معنى لكنّه خطأ أن نظنّ أنّ مجمل الفعل الجسدي يجب أن يحمل دلالة كونية كجزء من فهمنا الأخلاقي الوجودي.

ومن غير الصحّي بالقدر ذاته أن يُقنع المرء نفسه بأنّ كبت الذات فضيلة، كما أنّه من غير الصحّي أن يظنّ أنّ الانغماس بلا قيود حرّية.

ثمّة توازن.

تعليقات القراء على كتاب الدين

شارك رأيك بشكل مباشر — يكفي كتابة اسمك (أو اسم مستعار) والتعليق.

0/1500

جارٍ تحميل التعليقات...