مقال من سلسلة الذكر العقلاني

الأبوة الريدبيلية

Red Pill Parenting — الأبوة من منظور الحبة الحمراء

رولو توماسي — من كتاب «الذكر العقلاني: الذكورة الإيجابية» · ترجمة إبراهيم محمد المالكي

" قالت لنفسها: إذا لم أُنجب أطفالا، فسيكون لي عشّاق."
روبين ريناندي، مشروع الشوفان البري

أوليتُ عناية خاصة في القسم السابق لضرورة أن يستوعب الرجل ذلك الشك الجذري المتأصّل في المرأة تجاه خياراتها الهيبرغامية، لا سيّما فيما يخص تنشئة الأطفال وصحة الأسرة في مجملها. وثمة عوامل اجتماعية شتّى في بنيتنا الغربية الأنثوية المحور تُغري المرأة بتأجيل الزواج والأمومة معا، وتدفعها بعيدا عن نافذة خصوبتها الذروة.

في مقالة أسطورة الساعة البيولوجية فصّلتُ المفاهيم المغلوطة التي تحملها المرأة حيال قدرتها على الإنجاب في مراحل متأخرة من عمرها:

تُحبّ الثقافة الشعبية أن تُعلّم المرأة — وبالتبعية الرجل غير المستنير — أن في كل امرأة ساعة بيولوجية فطرية تدقّ ببطء نحو مرحلة سحرية تبلغ فيها غريزتها الأمومية ذروتها وتستيقظ أخيرا لتشتاق إلى طفل. وليس مستغربا بالمرّة أن هذا يتزامن تزامنا مثاليا مع أسطورة الذروة الجنسية للمرأة، ويقع ملائما لا عن مصادفة في الفئة العمرية التي تسبق الاصطدام بالجدار مباشرة أو تعقبه.

لن أُجادل في امتلاك المرأة لغرائز أمومية، لكنني سأُجادل في أن فهمها لتوقيت ظهور تلك الغرائز قد شُوّه عمدا بفعل تأثير ثقافي أنثوي المحور. وإذا كانت المرأة تغضب حين تكتشف عجزها عن الحمل أو صعوبته في مرحلة ما بعد الجدار، فغضبها موجّه إلى غير محله. فبدلا من أن تنزل عن منصّة الاستثمار الذاتي في نفسية التمكين الأنثوي المتعجرف، ستلوم الرجل لأنه لم يكن أبا مناسبا في الوقت الذي يلائم استراتيجيتها الجنسية تحديدا، أو لأنه يفتقر إلى الإرادة للعب "وفق القواعد" وإرضاء إملاءات الضرورة الأنثوية بينما يُضيّع وقته في سبات أفلام البورن وألعاب الفيديو.

عقلية "الحصول على كل شيء" التي روّجت لها النسوية أفضت إلى عواقب اجتماعية وخيمة على المرأة عموما. وكثير من هذه العقلية يُقدَّم في رسائل تُغري المرأة "المُمكَّنة" بالحصول على ما يظنّ أن الرجل يحظى به من ثمار الحياة المهنية، غير أن المضمون الضمني هيبرغاميا لتلك الرسائل هو رفض القبول بأي شيء دون المثالي— أي الارتباط بمن هو أفضل لا مجرد مساو.

إعلان "الحصول على كل شيء" خطاب يعد بالكمال من منظور مساواتي مُضلّل. عرضه التجاري أن بإمكان المرأة أن تتوقّع تحقيقا متكافئا أو أفضل مما تُوحي به الضرورة الأنثوية بأن الرجل يناله من الحياة. تريد المرأة أن تكون رجلا. ومن هنا نرى الدفع نحو تسجيل الإناث في الجامعات على حساب توازن تسجيل الذكور، وتخفيض المعايير الجسدية للخدمة القتالية في الجيش أو مهنة الإطفاء، وسائر الميادين التي يبدو أن الرجل يستأثر فيها بكل شيء. غير أن هذا المسار الحياتي الذي تُوجَّه إليه المرأة يُضيّق عليها في الوقت ذاته هامش تحسينها الهيبرغامي بفرض توقعات غير واقعية عليه.

تُعلَّم المرأة أنه بوسعها أن تخدم سيّدَين في آن واحد: الإنجاز المضاهي للرجل والهيبرغامي معا.

فتتأخر في الإنجاب حتى أعمار تُعرّضها وذريّتها لمخاطر صحية، أو تتخلى عن الزواج كليا وتُنجب طفلا مع علمها المسبق بأن الأب — وإن كان مُعيلا لا بأس به — لن يكون أبدا في مستوى يُسكت شكوكها في مدى مناسبته هيبرغاميا.

إذا لم تكن الأم سعيدة فلن يسعد أحد.

أُفصّل هذا الجانب من الهيبرغامي هنا لأنني أؤمن، كما في كل ما يتعلق بالمرأة، أن الفهم الشامل للهيبرغامي ضرورة حتمية في حياة الرجل، وأن تداعياته تمتد إلى أبعد بكثير من تعلّم الغايم بما يكفي لفرصة عابرة ليلة السبت حين تبلغ المرأة ذروة دورتها الإباضية.

من نتاج تبنّي المجتمع للهيبرغامي المُعلَن بلا تحفظ، الميلُ الغالب لدى المرأة إلى تأجيل الالتزام حتى ما أُسمّيه "مرحلة الإدراك"، ثم الانتقال إلى الحاجة الملحّة للأمان حين يتراجع جاذبيتها وإثارتها أمام الرجال و/أو يتعرّض لضغط التنافس الجنسي الداخلي — أي الاصطدام بالجدار. وقد فصّلتُ عملية تأجيل الإنجاب هذه في كتاب الذكر العقلاني: الطب الوقائي، حين رسمتُ مسار سنوات الحفلات مرورا بمرحلة الإدراك. غير أن المهم أن يستوعب الرجل أن هذه المرحلة نتاج في معظمها لاعتقاد المرأة بأن أمامها نافذة زمنية مماثلة لنافذة الرجل — نافذة تجمع فيها بين مسيرة مهنية والعثور على "الرجل المناسب" شريكا في الأبوة.

الخلل الجوهري في المساواتية1 متجذّر في الاعتقاد بأن الرجل والمرأة كلاهما عقلاني متكافئ وظيفيا، لا يُفرّق بينهما سوى التأثير الاجتماعي والمصالح الأنانية المنسوبة حصرا للرجل. والثمن الفادح الذي تدفعه المرأة مقابل هذا الاعتقاد هو أن قيمتها في السوق الجنسي تتراجع مع العمر — على صعيد التنافس الجنسي الداخلي والخصوبة معا.

ومن ثمّة نستمع إلى شكاوى أجيال من النساء المحبطات لأنهن عجزن عن تحقيق المثال الهيبرغامي لأنهن آمنّ بوفرة الوقت لذلك بينما يُنفّقنه في متابعة الجانب "الألفا الجنسي" من هيبرغاميتهن في سنوات خصوبتهن أثناء الذروة.

كذلك تؤمن المرأة اليوم بأن الرجال المتاحين والمستعدين لتلبية الجانب "البيتا التأميني" من الهيبرغامي لا يرقون إلى مستوى إحساسها المتضخّم والمشرَّب باجتماعيا بالاستحقاق الهيبرغامي — ولا سيّما مقارنة بمن جعلوها "أرملة ألفا" في سنوات حفلاتها.

وقد بلغ هذا الهاجس من الشدّة والوضوح لدى المرأة حدا دفعها إلى استباق احتمالات العجز عن تحسين الهيبرغامي بضمانات وقائية — كتجميد البويضات مسبقا، وتشريع إلزام الرجل بدفع تكاليف علاج العقم أثناء الزواج في تسويات النفقة.

وصل الأمر إلى حد لم تعد فيه سنّ التاسعة والعشرين إلى الحادية والثلاثين نقطة أزمة حقيقية في مسألة الإنجاب. فمع انتشار الوهم الزائف بأن تجميد البويضات يُمدّد الأفق الزمني للإنجاب، باتت حتى سنّ الخامسة والثلاثين إلى الثامنة والثلاثين توحي للمرأة بسنوات إضافية سحرية تتيح لها تأمين رجل للاستثمار الأبوي. لم يعد السؤال: ما الذي ينبغي للمرأة فعله لتكون جديرة بالاستثمار الأبوي للرجل؟ بل أصبح — في تصوّرها — رهانا على الانتظار السحري حتى يظهر الأب "المثالي هيبرغاميا" لأطفالها.

احتياطات الأبوة

أُشدّد على هذه النقاط قبل الانتقال إلى فلسفة التربية وفق الأبوة الريدبيلية، كي يستوعب الآباء والراغبون في الأبوة والأزواج والأصحاب الجادّون أهمية الدور الذي يؤدّيه الهيبرغامي في أي ترتيب عائلي يأملون في بنائه.

وقطعا لكل التحفظات المتعلقة بكون الزواج صفقة خاسرة للرجال: فلا تتزوّج. في ظل الظروف الغربية المعاصرة لا توجد للرجل ميزة واحدة من الزواج بينما تحظى المرأة بكامل المزايا. ولسوء الحظ، وكما هي بنية الأمور اليوم، سيظلّ الزواج معادلة خاسرة لأن المرأة تأبى إلا أن تجعله عقدا قانونيا من مسؤوليات الرجل وحده.

ومع ذلك، تذكّر دائما أن عالما مشبعا بالأولويات الاجتماعية الأنثوية المحور يقف بكلّ ثقله في وجه مسعاك لأن تكون أبا ذكوريا إيجابيا لأطفالك. وتبدأ تلك الجهود المناوئة للأبوة من التكييف الأنثوي الذاتي للمرأة، الذي يدفعها إلى السعي نحو تحسين هيبرغاميتها شخصيا ومجتمعيا. بيد أنها ستؤجّل ذلك التحسين حتى تستنفد كل فرصها. وإذا كنت تفكّر في الزواج وتأسيس أسرة مع امرأة بين السابعة والعشرين والحادية والثلاثين، فإحصائيا ستكون هذه على الأرجح الحالة والعقلية التي تعيشها زوجتك المرتقبة.

أطرح هذه الحقائق أمامك بوصفك أبا أو أبا محتملا، لأن الوعي بما كُيِّفت المرأة على الاعتقاد به وتوقّعه من الرجل ومن نفسها أمرٌ بالغ الأهمية. وفي الفصول القادمة سأُفصّل التكامل الذي تطوّر عليه الجنسان ليجعل نوعنا ما هو عليه اليوم، وهو تكامل تقليدي تسعى المساواتية المثالية إلى تشويهه أمام الرجل. لكن الآن، من المهم استيعاب أن المرأة قد دُفعت إلى ساعة الصفر هذه، إلى القفزة في اللحظة الأخيرة من سوق الجنس، وفق جدول زمني تعصي فيه بيولوجيتها ذاتها عليها.

الأمهات العازبات والآباء "الصالحون"

من المهم كذلك أن يُدرك الرجل أنه بينما تُعيّر الثقافة الشعبية الآباء باستمرار على قصور مشاركتهم في حياة أطفالهم، تُقدَّم في الوقت ذاته مقولة "تمكين المرأة" للاستهلاك العام. كما أشرتُ في القسم السابق، ثمة مقولة سائدة تُعلن أن مشاركة هؤلاء الآباء هامشية لا طائل منها في نضج الطفل، لأن المرأة القوية المستقلة يُزعم أنها قادرة على سدّ هذا الفراغ بالكفاءة ذاتها — وهذا هو الخطاب "المساواتي".

وفي كل حملات التوعية العامة التي تستحثّ الآباء على مزيد من الانخراط، تظلّ الرسالة دوما عن كيفية أن يكونوا آباء "أفضل"، وتضعهم بحكم ذكورتهم في موقع المذنب المسبق. فإذا كان الرجل بالغ الهزل والعنف المحتمل كما صوّرته وسائل الإعلام، فهو يبدأ رحلة الأبوة من منطقة سلبية. والحقيقة أن الأب "الصالح" بضاعة نادرة لا يُثمَّن قدرها، لأن تلك الصلاحية مشروطة دائما بمدى استيفائه المتجدّد والمتحوّل لمقياس "الصواب" الأنثوي.

تجتاح في المقابل ثقافة الأم العازبة "المُمكَّنة" كل شيء. ومن الضروري جدا توظيف عدسة الأبوة الريدبيلية هنا، لأن الرسالة في جوهرها تُعفي المرأة من مسؤولية إخفاقها في أن تجعل نفسها حظا مناسبا للاستثمار الأبوي للرجل. وفي الوقت ذاته تُحمّل الرجلَ المسؤولية الكاملة عن "نزوع الرجل المعتاد" إلى التهرب من الاستثمار الأبوي، بوصفه إخلالا بواجباته تجاه المرأة في تحسين هيبرغاميها إلى مستوى يُرضيها.

الاقتباس التالي مأخوذ من مقال بعنوان على الأرجح سأظل أما عازبة إلى الأبد لـ ليا كامبل:

الأنا بالغة الانتقائية.

في خمس عشرة سنة أو نحوها من المواعدة، خضتُ تجارب كثيرة. لا أعني هذا بمعنى سيّئ، لكن... ليس كأنني لم أُعطِ الحبّ فرصته. المشكلة؟ من بين كل الرجال الذين واعدتُهم، لم أشعر بتواصل حقيقي سوى مع واحد أو اثنين. نادر جدا أن أقابل من أتخيّل معه البقاء إلى الأبد. والمؤسف أنني لا أتذكر متى كانت آخر مرة خفق قلبي لرجل. سنوات بلا شك.

أريد الحكاية الخرافية.

قليلة جدا هي العلاقات التي رأيتها في حياتي وتمنّيت أن تكون لي. مما يطرح السؤال: ماذا أريد؟ أريد رجلا رائعا مع الأطفال ومنفتحا تماما على تبنّي مجموعة منهم معي. أريده ذكيا وطموحا ومثيرا وساحر الفكاهة. من يفهمني ويتحدّاني ويخطف عقلي. باختصار... أريد كل شيء. ولستُ متأكدة أن الصورة التي رسمتُها في ذهني عن الحب موجودة في الواقع.

ابنتي ستكون دائما أولويتي الأولى.

إذا بدت توقّعاتي لنفسي مستحيلة، فلا داعي لمناقشة توقعاتي من الرجل الذي سيؤدّي دور الأب لابنتي. بصدق، بقدر رغبتي في ذلك الأب لها، أنا في خوف بالغ من الاختيار الخاطئ، من تدمير توازن حياتنا باختيار رجل لا يستحق أن يكون أباها.

أُضيف هذا هنا لأنه يُجلّي كثيرا من الحيرة الشائعة التي تعانيها المرأة في فهم خياراتها الهيبرغامية وعواقبها. المقال بأسره قائمة مطالب تُشبه بيانا للأم العازبة القوية المستقلة دون أي اعتبار لكيفية تلقّي الرجال العازبين أو الآباء المحتملين أو الأزواج لهذا الكلام. وكما هو متوقع، يُكرّس "دين الأمومة" القاضي بتقديم الطفل على كل شيء، لكن بعد قراءة مبرراتها بوصفها أما عازبة، ومضافا إليها الاستعباد الافتراضي للرجل لصالح المستفيدات من الضرورة الأنثوية، يسهل إدراك لماذا قد يتردّد معظم الرجال بل كلّهم في الانخراط في الواجب الذي تتوقّعه منهم.

الاستعداد

ليس هدفي هنا ثني الرجال عن رغبة الأبوة، بل أن يُقدموا عليها بأعين مفتوحة على كيفية تأثير الهيبرغامي والأجندة الثقافية المبنية حوله في خيارات المرأة الحياتية اليوم.

أشرتُ آنفا إلى أن المرأة بين السابعة والعشرين والحادية والثلاثين تبدأ في مواجهة أولى التداعيات القاسية لخياراتها السابقة. وعليك أيها الرجل إدراك أن رغبتك في الاستثمار الأبوي وقدرتك عليه تضعك في موقع أعلى انتقائية مع النساء في هذه المرحلة تحديدا. لدرجة أن الضرورة الأنثوية أسّست على مدى طويل أعرافا اجتماعية راسخة بهدف إقناع الرجل بأنه لا يُلزَم فحسب بتلبية الاستراتيجية الهيبرغامية للمرأة، بل ينبغي أن يُحسّ بالامتنان على هذا الالتزام.

والحقيقة أن المرأة هي الأشدّ احتياجا للرجل في هذه المرحلة من حياتها — وهو ما يضع الرجال القادرين والراغبين في الأبوة في موقع الانتقاء الأمثل. وقد بذل التكييف الاجتماعي الأنثوي قصارى جهده لتهيئة الرجل البيتا على الصبر وغضّ الطرف عن تهوّرات المرأة في سنوات حفلاتها، لكن مع تنامي وعي الأبوة الريدبيلية في المجتمع، ستبدأ ضغوط الحفاظ على صورة الانتقاء الأول تُرهق المرأة.

وقد سألني كثير من الرجال عن الطريقة المثلى لأن يصبح أبا وفق الأبوة الريدبيلية. وعبّر كثيرون عن أن الميزة الوحيدة التي يرون للزواج تكمن في تهيئة بيئة صحية تكاملية يُربّى فيها الأطفال. لكنني لستُ متأكدا أن المرأة ذاتها ستوافق على هذا التقييم في ظل خطاب اجتماعي يُخبرها بأنها تستطيع تربية الطفل بكفاءة أي أب. بيد أنه وفق تعريف الضرورة الأنثوية، الأب "الصالح" هو من يُذيب ذكورته ويتبنّى دورا جنسانيا أنثويا خادما — مما يجعله عبئا زائدا سواء أكان حاضرا أم لا.

أُركّز عموما على ضرورة بناء الرجل إطارا ذكوريا راسخا مسيطرا وإيجابيا. وهذه هي نقطة الانطلاق الحيوية لأي علاقة طويلة الأمد يأمل الرجل في تنشئة أطفاله في كنفها.

التحدّي التالي الذي على الرجل مواجهته هو العقبات الهرقلية التي تعترضه في ثقافة غربية تُهيّن دوره أبا بينما تُلزمه في الوقت ذاته بالحضور الدائم أبا "صالحا" يُؤهّل نفسه باستمرار أمام أم أطفاله — التي عُلّمت أن تُقدّمهم على مصالحه — وأمام مجتمع كُيِّف على مطالبته بمعاييرها.

وأخيرا، يجب على الأب المرتقب أن يستوعب الظرف الذي يضعه فيه السعي الأنثوي الدائم لتسكين الشك الهيبرغامي في مختلف مراحل نضج المرأة. ويُثار كثيرا بين رجال الأبوة الريدبيلية موضوع "فحص" المرأة على الصعيد الشخصي والأخلاقي لتكون مرشّحة لأمومة أطفالهم. وهذا مهم بلا شك، لكنني لا أستطيع الإلحاح بما يكفي على أهمية مراعاة الخيارات الهيبرغامية التي أقدمت عليها المرأة قبل اعتبارها — وكذلك العواقب التي ينبغي أن تتحمّلها هي، لكنها تسعى إلى الإفلات منها بفضل تسامحه الإلزامي.

إذا كان الوعي نصف المعركة، فالأفعال نصفها الآخر.

عملية الفحص والتمحيص

“لا يعنيني إلى أيّ مدى يوجَّه هذا الخطاب أو إلى من يُلقى. فإن كنتَ تسعى إلى استبعاد امرأة من نطاق التقييم بناء على تاريخها الجنسي، فأنت في الحقيقة تُلحق الضرر بمعيارك الخاص؛ إذ إن كثيرا من النساء ذوات الجودة العالية قد مررن بتجارب جنسية متعددة تتجاوز ما يتصوره البعض. وإن لم تكن أنت، فسيكون غيرك؛ فلماذا لا تكون أنت؟”

هذا التعليق لأحد قرّاء مدوّنتي، وهو يعكس اتجاها شائعا داخل جزء من الخطاب الذكوري المعاصر في “السوق الجنسي”، مفاده أن على الرجل أن يتصالح مع الواقع الإحصائي القائل بأن المرأة، في المتوسط، تكون قد خاضت تجارب عاطفية وجنسية متعددة قبل دخولها في علاقة جادّة معه.

ومن أكثر المقالات انتشارا في مدوّنة “الذكر العقلاني” مقالٌ بعنوان تقديم الأفضل، تناولتُ فيه نمطا متكررا يظهر عند بعض الرجال بعد الزواج، حين يكتشف “البيتا” المتأخرون أن الزوجة التي تتسم بالبرود أو التحفّظ الجنسي في العلاقة الزوجية، كانت في مراحل سابقة من حياتها أكثر انفتاحا وتجربة مع رجال ذوي جاذبية أعلى، وذلك إمّا عبر دلائل رقمية أو اعترافات لاحقة. وقد صغتُ هذا التوتر في جملة لاقت رواجا واسعا:

“تزوّجتُ بامرأة منفلتة تعاملني في الفراش كعفيفة.”

وأفهم هذا الإشكال في حدوده النفسية والاجتماعية. غير أن الإفراط في الانشغال بالماضي الجنسي للمرأة — على نحو قهري أو استحواذي — غالبا ما يُعدّ مؤشرا على انخفاض في القيمة المدركة للذات لدى الرجل. في المقابل، فإن الرجال ذوي المكانة الجاذبة في الهرم الاجتماعي — أولئك الذين يُشار إليهم عادة بوصف “الألفا” — لا يُبدون عادة انشغالا مفرطا بالماضي الجنسي للشريكة، لا لأن المسألة غير ذات أهمية مطلقة، بل لأن موقعهم التفاوضي يتيح لهم مساحة أعلى من الاختيار والبدائل.

وعلى مستوى إدراكي أعمق، تدرك المرأة — في كثير من الحالات — أن الرجل الذي يتمتع بجاذبية عالية وخيارات متعددة لا يبني قراره على هاجس الماضي، بل على تقييم الحاضر وإمكانات المستقبل؛ إذ إن أي عدم توافق جوهري يدفعه ببساطة إلى الانسحاب دون تكلفة عاطفية عالية. وتتميز هذه العقلية بقدر من المباشرة والاقتصاد في التعلّق، لكنها في جوهرها ليست مجرد سلوك سطحي، بل انعكاس لوضع إدراكي قائم على وفرة البدائل.

غير أن النقاش هنا لا يتعلّق بعلاقات عابرة أو أنماط مواعدة غير حصرية، بل بقرار الاستثمار طويل الأمد في شريكة تُبنى عليها بنية الأسرة وإطارها الأبوي. وفي هذا السياق، ومع إدراك حجم الالتزامات والمخاطر المترتبة على هذا الاستثمار، يصبح من المشروع — بل ومن الحكمة التحليلية — أن يحتلّ الماضي الجنسي للمرأة موقعا أكثر مركزية في عملية التقييم، بوصفه أحد المؤشرات التي قد يكون لها أثرٌ ممتد على ديناميات العلاقة واستقرارها اللاحق.

معظم الرجال — ومنهم أنا في زمن مضى — يفتقرون إلى شروط مسبقة جدية حين يُفكّرون في اختيار امرأة للزواج أو علاقة طويلة الأمد. معظمهم ينزلق إليها بلا تدبّر. تبدأ بصاحبة ليلة أو رفيقة غير رسمية، لتصبح بحكم الأمر الواقع رفيقته ثم شريكة حياته دون أي مراجعة حقيقية أو تأمّل في مدى صلاحيتها زوجة أو أما. وحينها تكون الاستثمارات العاطفية والعائلية قد جعلت أي فحص جدي موضوعيا متحيّزا من الأساس.

ويعود هذا الغياب عن الوعي إلى قصف متواصل من التشهير والتكييف المسبق تمارسه الضرورة الأنثوية، التي تُقنع الرجل بأن أيّ شرط يضعه في امرأة للزواج هو "إصدار حكم" على شخصيتها. وعليه أن يُحسّ بأنه "محظوظ" لأن أيّ امرأة رضيت به زوجا أو "احتملته"، وأن مخاوفه منها شاهدٌ على عيوبه الشخصية كرجل.

وبناء عليه يُحكِم الرجل الأبوة الزرقاوية الرقابة على نفسه ونادرا ما يُسمح لنفسه بترف تقديم اعتباراته على اعتبارات الشريكة المحتملة.

الفحص والتمحيص

لو سألتَ امرأة إن كانت ستتوجّس من الزواج برجل في طور التعافي من إدمان الكحول أو الهيروين، لاستبعدته على الأرجح من الأساس مرشّحا للزواج.

ولو قدمت على الزواج منه على كل حال مع علمها التام بإدمانه السابق، هل سنتعاطف معها إذا انتكس وحملت وزر تداعيات ماضيه؟

افترض الآن أن تلك المرأة تزوّجت هذا الرجل في جهل بإدمانه القديم — لأنه استاء من استفساراتها عن ماضيه فأُسدل ذلك الستار. لها شكوكها، لكن المجتمع يُخبرها بأنه ليس من شأنها محاسبته على أي شيء جرى في ماضيه.

فليُنسَ ما مضى وليبدأوا من جديد، أليس كذلك؟ أي عواقب باقية لإدمانه — كسجل جنائي، أو قضية قيادة تحت التأثير، أو عجزه عن التوظيف — لا ينبغي أن تُحسب عليه، ولا أن تُحكم على شخصه، ولا أن تُدخلها في حسبانها بتاتا حين تُقيّم مدى صلاحيته للزواج الآن.

بل ينبغي أن تستحي من مجرّد التفكير في ماضيه بهذا الصدد. فحكمُها عليه لا يكشف إلا عن عيوبها الشخصية.

والسؤال: هل سنُثني تلك المرأة على "اتباعها قلبها" والزواج منه؟ هل سنُحمّلها مسؤولية قرارها إذا انتكس؟

اقلب الجنسين، وستجد أن هذا السيناريو بعينه هو السبب الذي يجعل المرأة تُبدي عدوانية شديدة حين يلمّح الرجل فحسب إلى "الحكم على" خياراتها الجنسية الماضية. ثمة عرف اجتماعي راسخ تتوحّد خلفه "الأخوّة" بلا استثناء: التشهير القاسي بكل رجل يجرؤ على الاستفسار عن الماضي الجنسي لأي امرأة. وهذا هو مقياس اليأس الذي تنتاب المرأة في مرحلة الاستبصار حين تُقرّ بأن الرجل بات يستيقظ على استراتيجيتها الجنسية طويلة الأمد.

إنها تُدرك أن الساعة في تلك المرحلة تدقّ نحو الصفر. وهذا مصدر قدر كبير من القلق. إنها تبدأ بإدراك أن مؤهّلاتها للزواج — أولوية البيتا التأميني — باتت تتعارض مع استراتيجيتها الجنسية قصيرة الأمد السابقة — أولوية الألفا الجنسي. المرأة في هذا العمر لا تستطيع أن تُمكّن ذكاءها الجنسي السابق من أن يُحسب عليها في اللحظة التي تكون فيها أشدّ احتياجا لما يوفّره البيتا من أمان طويل الأمد.

على مستوى ما من الوعي تُدرك المرأة أنه لو علم البيتا الساذج الذي قرّرت الزواج منه — أو الإنجاب معه أو تكليفه بتربية أطفال أحبّائها السابقين — بتفاصيل ماضيها الجنسي، لتوقّع هو الآخر المستوى ذاته من الأداء الجنسي. وهو أداء أعطته للرجال الذين رأت فيهم ألفا حينها بكل حرية، في حين أن ما يحظى هو به يستلزم أن يكسبه ويُؤهّل نفسه له باستمرار. لهذا تُلزَم المرأة بإبقاء تفاصيل ذلك الماضي طيّ الكتمان والغموض.

بلغ هذا القلق من الشدّة أن على الرجل أن يُعاقَب لمجرّد جرأته على الفضول في ذلك. وأهمية هذا تتجلّى في أن قدرة المرأة على الارتباط الحقيقي بالرجل تتآكل مع كل شريك جنسي جديد. وهذه ديناميكية إحصائية موثّقة: كلّما كثر عدد أحبّاء المرأة قبل الزواج، ارتفعت بشكل متناسب نسب خيانتها الزوجية وطلاقها.

وفق دراسة المسح الوطني لنمو الأسرة الأمريكية، التي جُمعت بياناتها في أعوام 2002 و2006-2010 و2011-2013، للنساء المتزوّجات منذ مطلع الألفية الثالثة:

النساء ذوات عشرة شركاء أو أكثر الأعلى احتمالا للطلاق.

النساء ذوات ثلاثة إلى تسعة شركاء أقل احتمالا للطلاق من ذوات الشريكين؛

النساء ذوات الشريك الواحد أو العفيفات الأقل احتمالا للطلاق.

هذه ظاهرة مدروسة على نطاق واسع. كل شريك جنسي جديد للمرأة هو "ألفا" محتمل ستظلّ "أرملته"، لكن الرجل الذي يتزوّجها لا بدّ أن يبقى جاهلا بأولئك الرجال وبما تركوه في نفسها، كي تضمن موارده واستثماره الأبوي. هذه حقائق جوهرية ينبغي أن يُحيط بها الرجل الساعي إلى أم لأطفاله، لأن رفاهية هؤلاء الأطفال طوال حياتهم مرهونة باستقرار الأسرة.

هذا العرف اللاتحكّمي يعمل على تبرئة الماضي الأنثوي من خلال إعادة تعريفه بوصفه "مرحلة تعلّم". كانت "رحلة اكتشاف الذات" ولم تعد "تلك الشخص". ومن الذكاء اللافت أن هذا العرف بعينه وهذه المبرّرات بعينها هي ما تستخدمه المرأة التي تطلّق زوجها في منتصف العمر لتبدأ "رحلة اكتشاف الذات" على نمط كلي، صلّي، أحبّي.

"حين تبحثين عن شريك الحياة، فنصيحتي للمرأة: واعدي الجميع. الشرير والرائع والخائف من الالتزام والمجنون. لكن لا تتزوّجي منهم. ما يجعل الشرير مثيرا لا يجعله زوجا صالحا. حين يحين وقت الاستقرار، ابحثي عن من يريد شريكة ندا. من يرى أن المرأة ينبغي أن تكون ذكية وذات رأي وطموحة. من يُقدّر العدل ويتوقّع — بل يريد — أداء نصيبه في المنزل. هؤلاء الرجال موجودون، وصدّقيني، مع الوقت لا شيء أكثر إثارة منهم."

شيريل ساندبرغ، المضيّ نحو الأمام: المرأة والعمل وإرادة القيادة

من الأهمية الحيوية كذلك أن يستحضر الرجل الاستراتيجية الجنسية المزدوجة للمرأة في كل مرحلة من مراحل نضجها. الهيبرغامي المُعلَن يُشهَر بعجرفة في أوج قيمة المرأة في السوق الجنسي، لكن حين تبلغ مرحلة الاستبصار بين الثامنة والعشرين والحادية والثلاثين — حين يعتصرها القلق إزاء تأمين إعالتها طويلة الأمد — تلجأ حينها إلى الأعراف الاجتماعية التي تُشهّر بالرجل لوعيه بالهيبرغامي المُعلَن ذاته الذي كانت تتباهى به بالأمس.

لا يُنتظر ضمن هذا العرف، من الرجل فحسب قبول ماضي المرأة الجنسي بوصفه شأنا لا يعنيه، بل يُعدّ اهتمامه به كمعيار لاختيار الزوجة دليلا على أزمة ثقته الخاصة أي علامة بيتا فاضحة. وكثير من رجال الأبوة الريدبيلية سيرون في هذا العرف مؤامرة شيطانية لاستغلال حسن نيته وموارده، لكن المهم استحضار غرضه الكامن. هذا تعارض بين الاستراتيجية الجنسية للمرأة والاستراتيجية الجنسية للرجل.

حين نفهم الغرض الكامن من هذا العرف، اسمح لي أن أقول لكل رجل يقرأ هذه السطور: فحص الماضي الجنسي للمرأة ليس مجرّد حقّك، بل ضرورة مطلقة لصحة أي علاقة مستقبلية تأمل فيها. وحين تستحضر المخاطر الجسيمة التي أنت في طريقك إلى تحمّلها — مخاطر لا تستطيع المرأة الاعتراف بها أو التعاطف معها أو تقديرها — فإن أهم شيء يمكنك فعله هو فحصها انطلاقا من ماضيها الجنسي.

لا يعني هذا أن تُطلق استفسارات ضعيفة وصريحة عن ماضيها. يعني أن تستشعر بذكاء وخفاء وتحفّظ الإشارات والمؤشرات الكثيرة التي ستكشفها عن ذلك الماضي. معظم الرجال يُؤثرون الأسلوب المباشر، وله مزاياه، لكن الأجدر أن يكون الفحص باستدراج المعلومات التي تُبديها المرأة طوعا. وهذا أصدق وأوثق. فبمجرّد اختيار الأسلوب المباشر تنكشف اللعبة وتؤدّي المرأة الدور الذي تظنّ أنك تتوقّعه منها، لا الدور الصادق الذي تحتاجه لتبني عليه حكمك.

الجنس هو المادة اللاصقة التي تتماسك بها العلاقات. ومن فرط السخرية أن تُولي المرأة من الأهمية في ذروة قيمتها الجنسية ما تُولي تجاربها الجنسية، ثم تُسقط تلك الأهمية كليا حين تُصبح عبئا عليها. من الأهمية الحيوية لك بوصفك رجلا أن تعرف: هل ستكون لها الحبيب الألفا الأسمى، أم شخصا في مكان ما بين ذلك، أم سيُقاس عبء أدائك بأشباح رجال الألفا من ماضيها — وكل ذلك بينما تتحمّل ضغوط الأبوة وبهجتها معها.

أرامل الألفا

لا بدّ من الإشارة في معرض الحديث، أنني أُدرك تماما الدراسات التي تُشير إلى أن قدرة المرأة على الارتباط الأحادي تتناسب عكسيا مع عدد شركائها الجنسيين قبل الأحادية. ولن أُجادل في جدارة هذا المفهوم، لكنني لا أظنّه يُحيط بالديناميكية في كمالها. أقول هذا لأن حتى شريكا سابقا واحدا — بل مجرّد هوس من طرف واحد — يمكن أن يكون ألفا بما يكفي لاختلال توازن الارتباط الأحادي.

هؤلاء هم "أرامل الألفا" — نساء تأثّرن تأثّرا بالغا بحبيب سابق (فعلي أو في تصوّرهن) لدرجة أنه ترك بصمة عاطفية لا يستطيع حتى أكثر أزواجهن كفاءة وتفانيا أن ينافسها. لا تحتاج المرأة إلى أن تكون نموذجا للتفلّت الجنسي كي تعاني في الارتباط الأحادي.

فكم من الشركاء السابقين يُعدّ كثيرا؟ واحد يكفي بالنسبة لأرملة الألفا. أرى أن مفارقة التفلّت ليست لعبة أرقام بقدر ما هي لعبة أثر الألفا. ماذا لو أن شريكتك الجديدة لم تمرّ قبلك إلا برجلين، لكنها خاضت معهما علاقات مكثّفة وأقدمت معهما على تجارب جنسية بلغت فيها مستوى تخجل من إعادته معك؟ هل هي متفلّتة؟

حين يتعلق الأمر بفحص المرأة لقرار أحادية طويلة الأمد، يقع معظم الرجال في أحد معسكرين: من يأخذ هذه العملية إلى حد وهمي أناني مبالغ فيه، ومن يُحجم عن منح نفسه إذنا بالحكم على شخصية امرأة ما لتقييم صلاحيتها زوجة أو شريكة.

وثمة تحفّظات عدة ينبغي استحضارها: أوّلها ضرورة إدراك الرجل لمخاطر الزواج منذ البداية. في هذا العصر لا توجد مزايا تُذكر للرجل في الزواج حتى من أكثر النساء مثالية. بل على العكس، الزواج خسارة محضة للرجل من كل المناظير. قانونيا وماليا واجتماعيا وتطوّريا، يُجسّد الزواج رهانا محفوفا بالمخاطر من جميع جهاته.

أول حوار ينبغي أن تخوضه مع نفسك هو: هل تربية الأطفال تستحق هذه المجازفة الشبه المحض؟ ومن الأهمية أيضا أن يدرك الرجل أنه حتى في أفضل الأحوال، فهو في خطر دائم من أن يُسلَب أطفاله وتأثيره عليهم أبا في أي لحظة.

فتحتُ هذا القسم — وهذا هو لبّ الكتاب — بنيّة تثقيف الرجال على الحقائق المعاصرة التي ستجعل دوره أبا وفق الأبوة الريدبيلية عسيرا. لن يؤثّر في حياتك قرار أكثر من القرار الذي تتّخذه في اختيار من ستكون أم أطفالك. قلّة من الرجال تنظر إلى فتاة جذّابة في ناد ليلي وتفكّر: "واو، لا بدّ أنها ستكون أما رائعة." همّهم فوري: الحصول على الفرصة وخوض التجربة معها.

لكن هذا بالضبط هو السبب في أن معظم الرجال يجدون هذا القرار يُصنَع لهم بلا بصيرة حقيقية في كون المرأة مرشّحة ممتازة أو كارثية للإنجاب. كانت الحمل "عرضيا" أو ربّما ثمرة لجنس المصالحة الذي جرى بعد أن عقدتَ العزم على مغادرتها لأنها كانت خيارا سيئا. وبحسب ما هو موثّق حين كتابة هذه السطور، نسبة المواليد خارج إطار الزواج بلغت 40.2%.

ضع هذا الرقم في سياقه. الغالبية العظمى من هذه الولادات خارج الزواج سببها أولوية كيفية تعامل الرجل والمرأة مع عادات التزاوج وفق إملاءات الهيبرغامي، لا علاقات طويلة الأمد مُخطَّطة مسبقا. وبذلك لدينا أربعة من كل عشرة أطفال بلا أب أو بتأثير أبوي منقوص جدا. والعواقب التي تُفضي إليها الأولوية الاجتماعية الأنثوية وتقديمها لتحسين الهيبرغامي قد تبلغ من التعقيد حدا بعيدا.

كما أشرتُ، فمعظم الرجال يتّبعون أحد موقفين متباينين تجاه فحص النساء. الأول: الرجل الذي يأخذ نفسه وهذا القرار بجدية تتعارض مع قيمته الذاتية الحقيقية وقيمته في السوق الجنسي. يسهل التعرّف على هذا الرجل لأن متطلّباته من المرأة أشبه بمطالب لا يستحقّها ولا يستطيع فرضها. عادة ما يكون الرجل الذي — شأنه شأن معظم النساء — يحتفظ بقائمة ذهنية من الصفات المطلوبة في شريكته، تلك القائمة التي يحلو له تعدادها لأي أحد يُصغي أملا أن تسمعه المرأة المناسبة وتتقدّم لاعتباره. وأُضيف أن هذا الرجل في الغالب ميّال إلى المبررات الروحية والمثالية.

أما الرجل الآخر فأكثر شيوعا. هذا هو البيتا الأبوة الزرقاوية المُدرَّب جيدا الذي لا يستطيع أن يتخيّل أن تقديره الذاتي يُبيح له الانتقائية مع المرأة. يخشى أن يُعدّ "حكميا"، وهذا يتوازى تماما مع لعبته البيتا في محاولة التماهي مع الأنثوي قدر الإمكان. هذا الرجل لا يمنح نفسه إذنا بفحص المرأة، وينساق مع معظم الأعراف الاجتماعية الأنثوية الراسخة التي تُشهّر بالرجل لمجرّد جرأته على الاعتقاد بأن على المرأة أن تُهيّئ نفسها لأي رجل. وبالنسبة لغرضنا، أظنّ أن الموقف البيتا في الفحص هو الأكثر شيوعا الذي سيواجهه معظم الرجال.

إذا كان الأطفال أولويتك وأردت أن تكون أكثر تأثير إيجابيا ذكوريا وفق الأبوة الريدبيلية لهم، فمن الأهمية الحيوية أن تفحص أيّ امرأة تراها مرشّحة لأمومة أطفالك بعقل بارد وتجرّد تام. كما قلتُ، معظم الرجال لا يفعلون هذا ويقعون في فخ السماح للأمور بأن تحدث عوضا عن تصميمها وتدبيرها. وجزء كبير من ذلك التصميم هو استيعاب أن مخاطرك أبا وزوجا — إن اخترت ذلك — بالغة الخطورة حدا يُوجب عليك فحص النساء لتحديد الصالحة.

الخطوة الأولى في هذا الفحص هي نزع الفكرة التي تقول إن فعله خطأ أو هذا حكم على المرأة. هذه عقلية تكييف الأبوة الزرقاوية موضوعة بغرض وحيد: إفادة المرأة في تحقيق استراتيجيتها الجنسية طويلة الأمد على حساب الاستثمار الأبوي للرجل.

فإذا كان من الخطأ أن يفحص الرجل شخصية المرأة وقيمتها، فهذا يجعل المرأة المرجعية الوحيدة لتعريف الأم "الصالحة". وبوصفك رجلا ذكوريا إيجابيا واعيا بالأبوة الريدبيلية، فحصُ النساء ومعرفة مدى صلاحيتهن على المدى البعيد حقٌّ خالص لك.

الأبوة الريدبيلية العملية

ترك لي أحد أكثر قرّائي تفاعلا هذا التعليق عن تجربة الأبوة:

"الأبوة ليست على ما يرام في كثير من جوانبها هذه الأيام. في أفضل أحوالها هي عمل لا يُشكر عليه أحد، لكن معظم الرجال يُربّون أبناءهم في ظل ثقافة تحتقرهم وتسخر منهم وتُقدّس الأمهات والأمومة. إذا ظننت أن هذا لن يؤثر في نظرة أطفالك إليك أبا، فأنت لا توظّف وعيك بالأبوة الريدبيلية.

اعتدت أن أركب القطار ذهابا وإيابا إلى المدينة — أغادر بيتي في السادسة والنصف صباحا وأعود في السابعة والنصف مساء أو بعدها — متساءلا: هل ستُدرك ابنتي يوما كل ما ضحّيتُ به لأُعيلها وأُعيل أمها؟ هل ستفهم أنني ضحّيتُ بقربي منها لصالح قربها من أمها خدمة لمستقبلها؟ هل ستعلم أن تلك القربى التي نشأت بينها وبين أمها بفضل بقاء أمها في البيت حتى بلوغها الخامسة كانت ثمرة جهدي أنا، لا جهد أمها؟

الجواب: لا أحد يريد سماع هذا. لا أحد يبالي بتضحياتك في سبيل أن تكون أبا صالحا ومُعيلا — كل شيء يدور حول الأم. كل شيء يدور حول الأطفال. الأب في أفضل أحواله يُنظر إليه باعتباره نسخة أدنى من الأم. وحتى حين نكون "المسؤولين"، يمكن تهميشنا وإقصاؤنا بألف طريقة وطريقة.

كثير من الرجال يتكيّفون بأن يصيروا أمهات ثانيات وزوجات في البيت — والثقافة كلّها تُشجّع على ذلك. جرّب أن تكون رجلا تقليديا في ليلة الأولياء والمعلمين، أو في الروضة، أو حتى في فرقة الكشافة... الأبوة والأسرة لم تعد ما كانت عليه. صدّقني، تعلّم من تجربتي. أطفالك على الأرجح لن يُقدّروا كل ما فعلته لهم."

تماما كما يعيش الرجال في صراع بين دفتَي حسابين — قواعد اجتماعية قديمة وجديدة متناقضة — أرى أن تصوّراتنا عن الزواج تقع في التناقض ذاته. حين كان الزواج عقدا اجتماعيا لا قانونيا تُشرف عليه الدولة، كانت القواعد القديمة تُناسب تلك المؤسسة تماما. وقد أدّى ذلك الدفتر القديم دوره في الزواج والأبوة أداء رائعا في إطار تكاملي، من أيام "بيت البراري الصغير" حتى مرحلة ما بعد الحرب. برز بعد الثورة الجنسية الدفتر الثاني ليأخذ الصدارة. تحسين الهيبرغامي وكل المنظومات الاجتماعية والقانونية التي جعلته أساس نظامنا الاجتماعي الراهن نالت الأولوية. غير أن الرجل والمرأة — في الظاهر — ما زالا يتشبّثان بالنظام القديم والقواعد الأولى فيما يخص دور الرجل زوجا وأبا، بينما يتوقّعان منه في الوقت ذاته تبنّي الأولويات الأنثوية المحور للنظام الجديد والترويج لها.

يُنتظر من الآباء الالتزام بإملاءات الذكورة التقليدية في الإعالة وتحمّل عواقب الإخلال بها، لكنهم يُنتظر منهم في الوقت ذاته تبنّي دورهم الشعبي كعبء زائد سخيف أو مشبوه مقاوم بعدوانية للقواعد الثانية — تلك التي تُقدّم الضرورة الأنثوية على ما سواها. بعبارة أوضح: يُنتظر من الرجل أن يجد سعادته في دوره التضحوي مُعيلا، وأن يكون مرتاحا لعدم تقدير أحد لهذا الدور، ومرتاحا لأن تُربّي "القرية" المجتمعية أطفاله ليكونوا الجيل القادم من الرجال المضطربين المحبطين بينما هو غارق في الإعالة. وعليه أن يكون مرتاحا لتهميش حضوره، بينما يُحمَّل مسؤولية غيابه الذي تفرضه عليه تضحياته. بل يُنتظر منه أن يشعر بكبرياء ضمني حين يرى رجلا آخر يُسحق بسبب ذلك الغياب ذاته.

القرية2 الملعونة

أعلم أن كل هذا يبدو أبعد من أن يُحتمل لمعظم الرجال. نعم، احتمال الأبوة مُحبِط، وأفهم كيف يُقنط الرجل العادي من هذه الحقائق إزاء فكرة أن يُصبح أبا. غير أنني أرى أنه من الواجب عليّ أن أكون صادقا مع الرجال في حجم ما ينتظرهم قبل أن أدعو إلى أبوة واعية بالأبوة الريدبيلية.

لن يُقدَّر ما تُقدّمه من تضحيات أبدا، وبالتأكيد ليس في أثناء تقديمك إياها. لكن حضورك لن يكون هامشيا إلا بقدر ما تسمح له بالهامشية. وبينما لن يُقدَّر في أي معيار يُقاس، سيُحاسَب عليه، لذا نصيحتي هي أن تجعل منه أقصى ما يمكن في إطار الأبوة الريدبيلية.

مكافأتك على أن تكون أبا وفق الأبوة الريدبيلية ونموذجا للذكورة الإيجابية في حياة أطفالك يجب أن تنبع من الداخل، لأن نظاما اجتماعيا أنثوي المحور لن يُكافئك عليها من الخارج.

إن كنت تشكّ في أن الأبوة ستكون ذات قيمة جوهرية لك، فتوقّف الآن لأنها لن تكون ذات قيمة عرضية أبدا. وافهم جيدا: الضرورة الأنثوية تريدك يائسا من دورك.

وافهم كذلك أن حضورك وتأثيرك لن يكونا ذوَي قيمة أو تقدير إلا بقدر ما أنت مستعد لأن تجعلهما كذلك في نظر نفسك. تماما كما تجعل من نفسك مرجعيتك الذهنية الأولى، فإن تأثيرك الواعي بالأبوة الريدبيلية في حياة أطفالك ينبغي أن يهمّك أنت قبل أي شيء، لأنه لن يُقدَّر في زمانك، بل سيُقاوَم في عالم مُشبَع بأولوية الأنوثة.

كون الأم ووالدة الطفل موقف يُشادُ به باستمرار اليوم. المرأة تنال الثناء والاحترام الاجتماعي بمجرّد أن تكون أما. أما الرجل فعليه أن يُضيف الأبوة إلى عبء أدائه المستمر، وذلك فقط ليتجنّب الوضع الافتراضي الذي يُشيطنه فيه المجتمع.

تريدك الضرورة الأنثوية أن تستسلم وتترك "القرية" تُربّي أبناءك وبناتك ليُديموا دوّامة القواعد الثانية. إنها تريدك أن تشعر بهامشيّتك؛ استمرار الضرورة الأنثوية يتوقف على إحساسك بعدمية قيمتك. والسبب في انتحار الرجال بمعدل خمسة أضعاف معدل النساء يعود جزئيا إلى هذا الإحساس المُصنَّع بعدمية القيمة الذكورية الذي تُغرسه الضرورة الأنثوية.

في كتاب الطب الوقائي فصّلتُ جزءا من تكييفنا الاجتماعي الأنثوي المحور وكيف تُربّي الضرورة الأنثوية الصبيان ليكونوا بيتا والبنات ليكنّ كاريكاتيرات لرواية المرأة القوية المستقلة. وكل هذا يبدأ من سن مبكرة جدا. الحقيقة الأولى والجوهرية التي عليك كأب قبولها هي: إن لم تُعلّم أطفالك حقائق الأبوة الريدبيلية، فثمة عالم غربي كامل — آخذ في التغريب — مُعدٌّ سلفا لتربيتهم في غيابك.

ستُربّي القرية أطفالك إذا لم تفعل. ستواجه المقاومة، ستواجه السخرية، ستُتّهم بكل جريمة فكرية يمكن تخيّلها حتى يُسحَب منك أطفالك جرّاء تلقينهم وعي الأبوة الريدبيلية — وأتوقع في المستقبل أن يُعادل ذلك إساءة الأطفال. القرية ستُعلّم أبناءك من أشدّ الأعمار قابلية للتشكّل — الخامسة — كره ذكورتهم، والخجل من كونهم أدنى "كمالا" من البنات، والرغبة في إعادة تشكيل هويتهم الجندرية لتشبه البنات — إلى حد جعل الانتقال الجنسي للأنوثة سلوكا معياريا.

ستُربّي القرية بناتك ليُدمن الدوّامة ذاتها التي تُهين الذكورة التقليدية، الدوّامة التي تعدّ حضور الرجل هامشيا وتضحياته التزامات مفروغا منها. وستُربّيهن على تضخيم إحساسهن بقيمتهن بثقة لا تستند إلى استحقاق حقيقي، على حساب الأولاد الذين يُصيرون خلفية لبروزهن. وستُعلّمهن الانخراط في الهيبرغامي باعتباره أعلى سلطة شخصية — علنا وسرا — وازدراء كل ما يُشبه الذكورة إلا أن يكون أثرا رجعيا مثيرا للسخرية، أو ردّها إلى مجرد تعبير عن انعدام أمان الرجل.

والخبر الطيب أنه على الرغم من كل هذا الجهد في الهندسة الاجتماعية، تظل الضرورة الأنثوية عاجزة أمام البيولوجيا الجذرية وبرنامجنا النفسي التطوّري الثابت. وتلك الحقيقة الجوهرية هي ميزتك الكبرى أبا. إذا كان ثمة أساس وحيد تبني عليه تربيتك، فهو هذا: الأطفال ما زالوا يستجيبون لمؤثرات يمكن التنبّؤ بها نسبيا. انطلق من الحقيقة الجذرية القائلة إن نفسيتنا وسلوكياتنا نشأت من التكامل بين الجنسين الذي جعلنا النوع الأسمى على هذا الكوكب. يحتاج تشويه هذه الحقيقة إلى قرية كاملة تُلقّن مفاهيم المساواتية الفاشلة.

تربية الأبناء

كثيرا ما يسألني الرجال متى أرى الوقت المناسب لتعريف الصبي بحقائق الأبوة الريدبيلية. كثير من آباء المراهقين يريدون وضع نسخة من الذكر العقلاني في يد أبنائهم قبل بلوغ الثامنة عشرة، أو ربّما الخامسة عشرة، وبعضهم يقول إن الثانية عشرة وقت مناسب. ورغم ما يُسعدني سماعه من آباء يُخبرونني بأنهم أهدوا أبناءهم المراهقين نسخة من كتابي، فأنا أرى في قرارة نفسي أن هذا متأخّر جدا.

كنت أبا لابنة مراهقة منذ سنوات، كنت مرشدا في عشرينياتي— شبيها بالأخ الأكبر — لشاب شاهدته ينمو مع صبي في العاشرة إلى رجل في منتصف الثلاثينيات اليوم. وشيء واحد تعلّمته من تعاملي مع الأطفال هو أن الضرورة الأنثوية تُكيّف الأطفال منذ اللحظة التي يستطيعون فيها فهم ما يُعرض على الشاشة. وحين يبلغ الطفل العاشرة تكون قد رسخت فيه عقيدة أيديولوجية كاملة نتاج عقد من الرسائل والمفاهيم التي لقّنته إياها المدارس وديزني وقناة نيكيلوديون والموسيقى الشعبية والتربية الأبوية الأنثوية المحور لدى أبوَي أصدقائه، بل وأفراد عائلتك الممتدة أنت نفسك.

وحين يبلغ العاشرة يكون قد استوعب بعمق الصور النمطية وتكييف الأبوة الزرقاوية، وسيبدأ في ترديد تلك المفاهيم والسلوك والتصرف وفقها. وحين يقترب من مرحلة المراهقة ويبدأ في التفاعل الاجتماعي مع الجنس الآخر، سيكون تكييف الأبوة الزرقاوية الأنثوية المحور جليا لأي رجل ذي عدسة لوح أحمر يرى ويسمع. ستلاحظ "مؤشرات" تكييفهم بحدّة أكثر لأنهم يُبالغون فيها بسهولة بوصفها شكلا استنتاجيا مراهقا من الغايم. ويجب على الرجال الواعين بالأبوة الريدبيلية أن يأخذوا في الاعتبار أنه في السنوات الخمس التي تُشكّل قدرة الصبي في العاشرة على التفكير المجرّد، يكون قد تعلّم مصطلحات الأبوة الزرقاوية وبنى هويته حولها. وتلك الأيديولوجيا المستبطنة ستبدو له طبيعية ومنطقية، رغم أنه لن يستطيع إخبارك كيف وصل إلى قناعاته التكوينية. والقرية ستُعزّز هذا القبول بمكافأته على كونه أكثر "نضجا" من أقرانه.

يبدأ وقت تجسيد وعي الأبوة الريدبيلية في القدرة الأبوية قبل أن ترزق بأطفال أصلا. كما فصّلتُ في البداية، الغايم المستبطَن الناتج عن الوعي القوي بالأبوة الريدبيلية وسيطرة الإطار الذكوري المهيمن الإيجابي أمران لازمان قبل أن تُفكّر حتى في الأحادية. وهذا الإطار يصبح أساس تربيتك حين يأتي أطفالك.

أدرك أن هذا ليس مفيدا تماما للرجال الذين أدركوا وعي الأبوة الريدبيلية بعد أن صار أطفالهم في المراهقة، لكنه يجب أن يُقال للرجال الذين يفكّرون في الأبوة. والمثالي أن تُلقّن ذلك الوعي للصبي في سنواته التكوينية. الأطفال يفتقرون كليا إلى القدرة على التفكير المجرّد حتى تكتمل أدمغتهم ويتعلّموا من التجربة تطويرها. سنّ الخامسة هي حين يكون الأطفال في ذروة قابليتهم للتشكّل وتعلّمهم، لكنهم يفعلون ذلك بمراقبة السلوك. لذا من الضرورة الحيوية للأب الواعي بالأبوة الريدبيلية تجسيد الذكورة التقليدية الإيجابية في هذه السنوات.

أَشرِك ابنك في فضاء ذكوري حصري، حيث لا يُسمح بمشاركة سوى الرجال والصبيان. حتى لو كان يجلس ويلعب فحسب، من المهم أن يفهم القبلية الذكورية الحصرية (تفصيل ذلك لاحقا). وبالتدريج، مع نموّه، سيشعر أكثر أنه جزء من ذلك المجتمع. في عالم أنثوي المحور مُصمَّم على تهوينه بوصفه ذكرا، من المهم أن يشعر بقيمته في الفضاء الذكوري وأن يُنشئ فضاءاته الذكورية الخاصة مع نموّه.

ضمن هذا الفضاء الذكوري يجب أن يتعلّم ابنك عبء الأداء الذي ينتظره. وأنصح كذلك بإنشاء طقس انتقال من الصبا إلى الرجولة. ينبغي أن يكون هذا الطقس ذا طابع ذكوري حصري لا يستحقه سوى الصبيان. وينبغي أن يُكسَب، وأن يستحقّ مكافآت واحتراما حصريَّين بالذكور، فضلا عن مسؤوليات ومحاسبات. يجب أن تكون نقطة فاصلة تُؤشّر على بلوغ رجولته. هذا مهم لأنه لا يُعلّمه تقدير ذكورته فحسب، بل يجعله يقبل مسؤوليات عبء أدائه.

معظم الرجال البيتا مُكيَّفون على كره الجنس في ثوب المساواتية الطبيعية المعيارية. فيُصبحون غير مرتاحين حتى لتسمية أنفسهم "رجالا"، لذا كلما أدرك الصبي هذا مبكرا كان أقدر على قبول رجولته. الضرورة الأنثوية جاهزة دائما لتُعلّمه أن ذكورته قناع يرتديه، شيء يلبسه لا يُمثّل "هويته الحقيقية"، ساترا لانعدام أمانه المزعوم بسبب كونه ذكرا. يحتاج ابنك إلى رفض هذه الفكرة القائلة إن ذكورته مجرّد أداء — بلا اعتذار ولا تردّد.

يجب أن يتعلّم أن الرجل والمرأة مختلفان وأن الاحترام يُكسَب لا يُمنح افتراضيا للجنس الأنثوي. وفي نهاية المطاف يحتاج إلى قبول هيمنته وتميّزه في عالم سيُخبره بأن جنسه والذكورة التقليدية البنّاءة وباءٌ سُمّي "الذكورة السامّة".

حضورك في حياته ضرورة مطلقة إذا أردت إحباط مساعي الجينوسنترية. لذا من المهم أن تفعل أشياء مع ابنك. حتى لو كانت شيئا لا تُحبّه، فكونك الرجل ونموذجه للذكورة أمر بالغ الأهمية، وإيصاله إليه يستلزم غرضا مشتركا. كما كتبتُ من قبل: المرأة تتكلّم، والرجل يفعل. يتجمّع الرجال اجتماعيا لغرض وفعل وهواية ورياضة وإبداع ومشكلة يحلّونها، ثم يتواصلون في أثناء السعي نحو ذلك الغرض.

يجب على ابنك تعلّم هذا من سن مبكرة جدا، ولا سيّما حين سيُكرَه على دخول بنى اجتماعية أنثوية المحور وتُكيَّف فيها طريقة تواصله في المدرسة ووسائل الإعلام لتكون كطريقة البنات. ومن مآسي عصرنا أن جيلا من المعلمين والمعلمات من الأبوة الزرقاوية يُربّون أبناءهم على تفضيل أساليب التواصل الأنثوية لأنهم أنفسهم لم يختبروا الذكورة التقليدية. لا يُعلّمون ما لا يفهمون.

أظهر ولا تُفسّر — قاعدة صحيحة في التعامل مع المرأة وضرورة حتمية في التربية وفق الأبوة الريدبيلية أيضا. يحتاج ابنك — وابنتك — إلى رؤية انصياع أمّه لإطارك الذكوري المهيمن وسلطتك الخيّرة. يجب أن يفهم على مستوى جذري أن أمّه تستجيب لإطارك الذكوري الإيجابي. وهذا ضروري إذ سيرى رواية مختلفة في الثقافة الشعبية ومدرسته.

أظهر له كيف يُقدّم الرجل نفسه، وكيف يتعامل مع التهديد، وكيف يأمر كلبا، وكيف يتفاعل ويُساعد الرجال الذين يُقدّرهم، وكيف يتجنّب الرجال والمواقف التي لا يُقدّرها.

لا تقع في خطأ الاعتقاد بأنك ستبدأ في تعليمه وعي الأبوة الريدبيلية حين يكبر ويستوعبه. بحلول ذلك الوقت سيكون متأخرا جدا، وتكييفه سيجعله مقاوما له ومقتنعا بأن لعبته البيتا أكثر ملاءمة.

سيسير ابنك على خطاك، لكن هذا يجب أن يبدأ من اليوم الأول لا من سنّ الثانية عشرة. لديّ صديق الآن يسير ابنه البالغ ستة عشر عاما حرفيا على درب أبيه البيتا. انتقل الصبي للسكن مع أمه المنفصلة ليكون أقرب من فتاة يُغرم بها غراما لا يطفئه ريب المنون. ثم تركته الفتاة وها هو عالق في كنف أمه العصابية.

تبدأ عواقب العقلية المُكيَّفة بالأبوة الزرقاوية مبكرا هي أيضا. رأيتُ صبيانا في العاشرة يعتصرهم الحزن لأنهم لا يجدون صديقة. وأرشدتُ فتاة كان صديقها المراهق طعن صديقها الجديد اثنتين وثلاثين طعنة لأنها كانت روحه التوأم في نظره. إنهم يقعون في فريسة أسطورة الروح التوأم لأنهم عُلّموا الاستعداد الفطري لها.

مع دخول ابنك مرحلة المراهقة ينبغي أن يتعمّق ذلك الارتباط الذي أرسيتَه في سنواته التكوينية. يمكنك البدء في تعريفه بوعي الأبوة الريدبيلية، لكنك على الأرجح ستلاحظه يستخدم عدسته الخاصة بالأبوة الريدبيلية ليس فحسب في تعامله مع البنات اللواتي يُعجبنه، بل مع أخته وأمّه و"صديقاته" اللواتي يُردن أن يُصبحن أكثر. تأكّد من أنك تُثني عليه لذلك. استيعابه لأسس الاستراتيجية الجنسية المزدوجة للمرأة والهيبرغامي وكيف سيُستخدم ضده مستقبلا أمر لا غنى عنه في مرحلة لاحقة.

سنوات شبابه الناضج هي الوقت المناسب لتعزيز تلك الحساسية تجاه الأبوة الريدبيلية والبناء على وعيه الخاص — ذلك الوعي الذي زرعتَ بذوره في سنواته التكوينية — بتعريفه بأفكار الأبوة الريدبيلية التي لم يكن يعيها بعد. إعلان حقائق الأبوة الريدبيلية صراحة ومباشرة في سنواته المراهقة قد يبدو منطقيا لك، لكن انتزاع شظايا من ملاحظاته الخاصة في الأبوة الريدبيلية والثناء عليها والتوسّع فيها في سنوات المراهقة سيُستقبَل على الأرجح بشكل أفضل وأكثر طبيعية. ينبغي أن يأتيه وعي الأبوة الريدبيلية نتاجا لفضوله الخاص ووصل نقاط وضعتَها أنت أمامه في سنواته التكوينية.

شيء أعرفه عن المراهقين صبيانا وبنات: إن حاولت أن تُخبرهم شيئا عميقا فسيرفعون أعينهم ويتجاهلونك، لكن إن انتظرت اللحظة المناسبة وتركتهم يصلون بأنفسهم إلى ما تريدهم تعلّمه كانوا متقبّلين له. تجسيدك لوعي الأبوة الريدبيلية لا يتوقّف حين يُصبحون مراهقين. بقدر حماسك لمشاركة حقائق الأبوة الريدبيلية وأفضل سُبل تطبيقها مع ابنك، افهم أنه سيكون عرضة لارتكاب الأخطاء ذاتها التي ارتكبتَها حين لم تكن تفهم طبيعة المرأة وكيف للرجل أن يتفادى أسوأ ما فيها.

تربية البنات

كثير مما رسمتُه لتربية الأبناء ينطبق على تربية البنت، غير أن ثمة اختلافات في المقاربة. تجسيد المثال الذكوري الإيجابي والمهيمن وضبط الإطار لا يزالان الأولوية القصوى، لكن الأكثر أهمية هو السلوك المُستنسَخ لأم البنت في تعاملها معك وإقرارها بإطارك. إذا قاومت زوجتك إطارك أو سخرت منه أو أهانته أو تظاهرت بقبوله، فالدرس الذي ستتلقّاه ابنتك هو تهوين الذكورة. عليك أن ترسم تصوّراتها عن الذكورة وتشكّلها بينما تنسج زوجتك جوانب الأنوثة — خيرا كان أم شرا.

كثير من مقاربتك في تربية ابنتك يمكن بناؤه على فهمك بالأبوة الريدبيلية لكيفية التعامل مع المرأة وعلى الأسس الجندرية التكاملية الجوهرية ذاتها. نفس مبادئ الغايم التي تتعامل بها مع المرأة مؤسَّسة في الواقع على منظومات سلوكية تتعلّمها البنات وتستمتع بها في طفولتها. والتمكّن الساحر مثال رئيسي على ذلك. الفكرة هي أن تكون نموذجا للرجل الذي ستكون سعيدا بضمّه إلى عائلتك زوجا لها. وهذا ينعكس أيضا في كيفية تفاعلك مع ابنك.

ستلاحظ أن الهيبرغامي الجذري يُجلّي نفسه في البنات من سن صغيرة جدا. في كتابه لماذا الرجال ما هم عليه، يُشير الدكتور وارن فارل إلى أن البنات في سنّ السابعة يمتلكن بالفعل تعريفا للأولاد (المشاهير) الذين يُريدن تقبيلهم وأولئك الذين يُريدن الزواج منهم. لا شك أن تنشئتهن الثقافية تؤثر في تفضيلاتهن، لكن نموذجَي "الألفا الجنسي" و"البيتا التأميني" جزء من برنامجهن الثابت. والثقافة الشعبية مستعدة لاستغلال هذه الطبيعة، وبفعل ذلك تُثير شهوة البنات من سن مبكرة جدا، لكنها تستغل طبيعة جوهرية كامنة في المرأة.

سيكون دورك الأساسي بوصفك أبا، في نمذجة الجانب التأميني من معادلة الهيبرغامي. وبينما تلك الطمأنينة والسيطرة ضروريتان، تميلان إلى أن تكونا مصيدة لمعظم الآباء البيتا. والتحدّي الذي يُخفق فيه معظم الآباء البيتا هو تبنّي الدور الألفا المهيمن الضروري الذي يُشكّل الجانب الآخر من تلك المعادلة والاضطلاع به. لا يعني هذا أنك تتبنّى مباشرة دور "الألفا الجنسي" الذي يستلزمه الهيبرغامي، بل أن تتبنّى هيمنة الألفا التي تجعل ذلك الجانب مثيرا في الرجال الآخرين وتمتلكها.

التحدّي هنا تجسيد التمكّن الساحر مع ابنتك، لكن بطريقة توازن بين هيمنة الألفا وسيطرته من جهة، والألفة والأمان والطمأنينة من جهة أخرى. في مقال أسطورة الرجل الطيب طرحتُ الحجة القائلة إن المرأة البالغة لا تبحث فعليا عن هذا التوازن الهيبرغامي في رجل واحد. الألفا للجنس، البيتا للأمان طويل الأمد، والرجل الذي يظنّ أنه يجسّد الاثنين معا لا تسعى إليه المرأة مباشرة ولا تُصدّق وجوده. وجذر هذا الفصل الذهني للرجال ذوي الأغراض الهيبرغامية المحدّدة يمكن تتبّعه إلى الانطباع الذي رسمه والد المرأة في سنواتها التكوينية.

إذا انحزت بشدّة نحو هيمنة الألفا أصبحتَ الوغد المستبدّ الذي طغى على الأم في طفولتها. وإذا انحزت بشدّة نحو البيتا المتساهل السلبي الأنثوي في طيف آخر، وسيُرسّخ في تصورها للرجال نموذجا مشبعا بخضوعك للأنوثة — مما يضعها في موقف من عليها خلق الأمان الذي لا تتوقّع أن يمتلك الرجال السيطرة الحقيقية عليه.

تحدّي تربية الصبي هو نمذجة الدور الذكوري المهيمن الإيجابي وتجسيده وتمكينه من احتضانه بجرأة رغم العالم الأنثوي المحور ذاته المصطفّ ضدّك. وتحدّي تربية البنت هو أن تجسّد الرجل الذكوري المهيمن الذي ستعتزّ يوما بتسميته صهرك. ابنتك تحتاج إلى القدرة على التعرّف على ذلك الرجل بمقارنته تلقائيا بالنموذج الذكوري الذي أرسيتَه لها.

يُلاحظ أن غالبية الرجال المعاصرين—وخاصة الذين يمكن وصفهم ضمن طيف “البيتا”—يميلون إلى تجنّب إظهار أي قدر من الحزم أو الهيمنة في تعاملهم مع بناتهم، خشية أن يُفسَّر ذلك بوصفه عداء للنساء، وذلك بفعل تنشئة ثقافية تميل إلى مركزية الحساسية الأنثوية في الحكم على السلوك الأبوي.

ويغلب على أنماط التربية الحديثة للبنات قدرٌ من الحذر المفرط، يتمثل في “المشي على قشر البيض” في التعامل معهن، أو في محاولات معاملتهن على نحو يساوي بينهن وبين الذكور في كل الجوانب دون تمييز تربوي وظيفي. ويستند هذا التوجه إلى خشية مستمرة من كبح استقلاليتهن أو الحد من فرصهن المستقبلية، مما يفضي إلى سياسة تربوية قائمة على الإتاحة المطلقة والتساهل العام.

ويُعلَّق الأمل على أن هذا “الامتثال للمعايير الجندرية السائدة” سيقود لاحقا إلى مستقبل مهني ناجح يتمثل في صعودهن إلى مجالات كالطب والعلوم. غير أن هذا النمط من التدليل والتساهل لا يوفّر بالضرورة الأسس النفسية والسلوكية الصلبة التي تُعين على النجاح والاستقرار على المدى البعيد.

ومن هذا المنظور، فإن الأب ذو النزعة المساواتية المعاصرة ينظر إلى أي تصور يضع بناته في مرتبة غير مساوية للذكور—أو يسمح للآخرين بتبنّي هذا التصور—بوصفه خطأ أخلاقيا بالغا لا يُغتفر.

إذا كنت غير مرتاح لتجريب مفاهيم الأبوة الريدبيلية حين كنت عازبا، فستكون أكثر قلقا في تربية ابنة. أهم انطباع عليك تركه فيها هو أن الرجل والمرأة مختلفان لكنهما متكاملان. تحتاج إلى معرفة أن هيمنتك الذكورية نافعة وحامية وصحيحة لها ولأمها، وأن تمكّنك من ظروفك وبيئتك عون لها وللأسرة.

تحتاج إلى فهم أن البنات والنساء يُستثنَين أحيانا من الفضاءات الذكورية، ولا سيّما إذا كان لديك ابن أيضا. بل إن امتلاكك ابنا تُعلّمه أمامها نعمة حقيقية، إذ ستُبصر تنشئته نموذجا للذكورة الإيجابية.

دروس لابني

ربّيتُ مع السيدة توماسي كما يعلم كثير من قرّائي، ابنتنا على مدى تسعة عشر عاما. أنجبنا طفلا واحدا بقرار مدروس، وبكل صدق أنا مرتاح جدا لأنها كانت بنتا. قل في هذا ما تشاء، لكنني أعتقد أن تربية بنت منحتني بصيرة أعمق في كيفية نمو المرأة ونضجها، وقد استقيتُ من هذه التجربة أكثر من نظرية.

لديّ أخ أصغر، لذا لم أكن ألمّ بمسيرة النمو الأنثوي حتى التسعة عشر عاما الماضية. أظنّ أنني قد أتمكّن في مرحلة ما من نقل حكمة الأبوة الريدبيلية إلى حفيد مستقبلي، وبالتأكيد إلى ابن أخي وكثير من الأقارب الذكور الأكبر سنا، لكنني لا أشعر بأي ندم، إذ جاءني "الأبناء" الذين لم أُنجبهم عبر رسائل خاصة لا تُحصى وطلبات الاستشارة.

من أجمل المجامل التي يُسديها لي الآباء الواعون بالأبوة الريدبيلية أن يُراسلوني مُخبرين بأنهم اشتروا نسخة إضافية من الذكر العقلاني يعزمون إهداءها لأبنائهم أو قريبهم من الذكران. ولا شيء يشجّعني على مواصلة الكتابة كالقصص التي تصلني من هذا القبيل.

عثرتُ بشيء من الرضا الذي لا يخلو من اعتراف ضمني، على منشور في أحد منتديات “الأبوة الريدبيلية” على منصة ريديت، يستعرض جملة من الدروس التي يتمنى أبٌ واع بهذا المنظور أن ينقلها إلى ابنه الذي لم يولد بعد. ويشير المنشور إلى أن هذا الأب قد تعرّف إلى هذا التصور التربوي في مرحلة متأخرة من حياته.

ثمة رغبة حقيقية في "عالم الرجولة" في إعانة الرجال الآخرين — ولا سيّما الأجيال القادمة من شبابها — على الاستيقاظ وتجنّب ما يجب تجنّبه والمضيّ قُدُما بوعي سليم. معظم هؤلاء لم يحظ آباؤهم بما يُقدّمونه من نصيحة سوى: "لا يهمّني مع من تُمارس الجنس، المهم لا تمارس تحت سقفي." أو أنهم تربّوا على مثالية الأبوة الزرقاوية والافتراضات المُضلَّلة للمساواتية من آباء مُؤنَّثين تماما.

لذلك لا يُستغرب أن يرى أنصار “الأبوة الريدبيلية” اليوم أن تهيئة الأبناء لمفهوم الرجولة تمثل أهم ما يمكن للأب القيام به في مسار التربية.

فيما يلي قائمة جمعتُها من اقتراحات رجال الأبوة الريدبيلية حول متى — وأحيانا كيف — يُستحسن تعريف الابن بمفاهيم الأبوة الريدبيلية:

١. (13 فما فوق) — عدم الحصر

مهما فعلت، لا تُقيّد نفسك بفتاة واحدة (الغرام الأعمى) حتى مرحلة متأخرة جدا من حياتك. ارتَد الميدان، وأدِر علاقات متعددة، وواعد بنات كثيرات. هذا الطريق الوحيد لفرز الغث من السمين وإدراك ما تريده فعلا في علاقة طويلة الأمد إذا ومتى أردت أسرة.

٢. (١٣+) — الجسد وشخصية الألفا

سماتك الجسدية مهمة — مظهرك وبنيتك وما إلى ذلك. غير أن الموقف الألفا أشد أهمية.

٣. (١٣+) — لا تطاردها

ميّز نفسك. دَع البنات يأتين إليك. وإن سعيتَ، فبأسلوب محسوب ومُدروس: تقدّم وتراجع. ادفع واجذب.

٤. (١٣+) — قيمة الغموض

أبقِها في حالة تخمين دائمة. ألمح دوما إلى امتلاكك عدة خيارات.

٥. (١٣+) — قُل أقل مما يلزم — تجنّب الحواجز الاجتماعية

الرسائل والمكالمات وما شابهها — كُن منضبطا في ردّك. الزم نسبة واحد إلى ثلاثة في الرد على رسائلها ومكالماتها. رسالة أو مكالمة قصيرة واحدة مقابل كل ثلاث تُرسلها هي.

٦. (١٣+) — البنات تكملة حياتك لا محورها

حدّد مهمّتك وتابعها بشغف — لا البنات. وإن كانت هذه المهمة غير محدّدة ومتغيّرة في مرحلة المراهقة، سواء كانت رياضة أو دراسة أو نشاطا خارجيا، فاجعلها أولويتك الأولى.

٧. (١٣+) — الصفقة الأكبر والأفضل

طوّر فهما عميقا للطبيعة النفسية والبيولوجية للمرأة. افهم كيف تُفكّر البنات. إنهن دائما في بحث عن الترقّي. إذا لم تكن دائما "الأبهى عرضا"، فستخونك لتجد من هو كذلك.

٨. (١٣+) — الطيّبون يصلون في المؤخرة

ثمة سبب لكون البنات يُحببن الصبي الذي يُغازلهن بخبث. لا داعي لأن تكون وغدا، لكن عليك أن تتمثّل طاقة الوغد.

٩. (١٧+) — اللطف لن يوصلك إلى الفراش

إذا رأت فيك صديقا فسيظل انطباعها الدائم. حتى إذا اعتقدت في حياتك أنها وجدتك جذّابا، فانطباعها عن شخصيتك سيظل انطباع البيتا الذي رفضته في البداية.

١٠. (١٧+) — إرساء الإطار — كُن القائد في كل علاقة

إذا كنت في موعد، تأكّد أنك تفعل ما تريده أنت. دعها ترافقك في رحلتك.

١١. (١٧+) — الرفض أفضل من الندم

أن تجرؤ على شيء عظيم وتتحدّى الصعاب وتتقدّم إلى تلك الفتاة، خير من أن تحيا مع ندم على عدم المحاولة.

١٢. (١٧+) — اختبارات الغيرة

افهم اختبارات الغيرة وتعلّم إتقانها. ستُقيّمك البنات دائما للتحقق من امتلاكك العقلية الألفا التي تشتاق إليها. إذا واجهتَ كثيرا من هذه الاختبارات فأعِد تقييم إطارك — أنت على الأرجح تبدو محتاجا جدا.

١٣. (١٧+) — اعرف التشريح

افهم فيزيولوجيا المرأة وكيف توصلها إلى الذروة.

١٤. (١٧+) — افهم اللعبة طويلة الأمد

ذروة قيمة المرأة في السوق الجنسي حوالي الثانية والعشرين إلى الرابعة والعشرين. قيمة الرجل لا تبلغ ذروتها حتى مطلع الثلاثينيات إلى منتصفها. لا تنكسر بسبب رفضها لك الآن، فبعد ثماني إلى عشر سنوات ستكون أنت من يرفض. تذكّر كيف كانت في هذه المرحلة من حياتها، فهذا سيمنحك حكمة أعمق في اختيار المرأة لاحقا حين تكون أنت من يختار.

١٥. (١٧+) — الرجل والمرأة يتصوّران الحب بشكل مختلف

لا تُصدّق وهم أن الرجل والمرأة يتشاركان مفهوما مثاليا متبادلا للحب بذاته. ستُحبّك البنات، لكن بشكل انتهازي فحسب. إذا أظهرتَ قيمة أدنى تبخّر حبّهن.

١٦. (١٧+) — الهشاشة ليست قوة

ينبغي أن يكون طابعك الألفوي هو الواجهة التي تُعرِّفك، بحيث يتكوّن انطباع المرأة عنك من هذه الصورة وحدها تقريبا. أمّا سمات “البيتا” فلا مكان لها في العرض العام، ولا تُمنح إلا بقدر محسوب وتحت سيطرة صارمة. المرأة لا تختبر الرجل في ضعفه، بل في صلابته واستقلاله؛ فهي تنجذب إلى الرجل الذي يقوم على ذاته ولا يحتاج إلى سند عاطفي دائم. وإن احتجت إلى تفريغ ضعفك أو البحث عن احتواء، فلا تجعل ذلك جزءا من ديناميكية العلاقة مع النساء. اجعل الطمأنينة “البيتا” مكافأة مشروطة تُمنح فقط عند السلوك الصحيح، لا حالة تُعرض أو تُستهلك بلا ضبط.

١٧. (١٧+) — الوسيلة هي الرسالة

المرأة لا ترسل للرجال "رسائل مختلطة"، سلوكها هو رسالتها. الطريقة العملية الوحيدة لقياس الدوافع والنوايا هي مراقبة سلوك المرأة. صدّق ما تفعله لا ما تقوله.

١٨. (١٧+) — ابتسم أقل، تبسّم أكثر

الانسجام والفضيلة والكرم واللطف صفات تُشكّل الرجل النبيل، لكنها لا تُشعل جذوة رغبة المرأة قط.

١٩. (١٧+) — الفتنة في معاملة المرأة كطفلة

غازِل بلا هوادة. تجد المرأة الراحة في رجال يمتلكون من السيطرة على إطارهم ما يجعلهم يتعاملون مع النساء كما كان أشقاؤهم الأكبر يتعاملون معهن في الطفولة.

٢٠. (١٧+) — جرّب الغايم

اكتشف الأسلوب الذي يلائمك: هل أنت النوع الانبساطي "الواثق الظريف"؟ أم الانطوائي "المنعزل الساحر"؟ أم أسلوب الوغد؟

٢١. (١٣+ فما فوق) — ابتعد عن الإباحية الإلكترونية

تعلّم مخاطر الإشباع الفوري. أدرك أن تراكم التستوستيرون هو ما يمنحك طاقتك الذكورية لا تجعل الاستمناء عصاك التي تتوكأ عليها هربا من مواجهة الواقع مع النساء. ذلك الذي يقضي ساعات طويلة في عزلته، غارقا في استهلاك الإباحية أمام الشاشة، لا يُنتج في وعي المرأة سوى نفور غريزي، إذ تُقرأ حالته بوصفها استنزافا لطاقة الرجولة وانطفاء لقدرة التوجيه الفعلي نحو العالم الواقعي.

وفي سنوات المراهقة، حيث تتكثف الدوافع الجنسية وتتصاعد، يصبح التحدي الحقيقي هو ضبط هذه الطاقة لا كبتها، وتوجيهها نحو الخارج في صورة حضور وتفاعل واقعي، بدل تفريغها في فضاء الخيال الداخلي والانغلاق الذهني.٢٢. (١٥+) — أعظم مخاطرة هي عدم المخاطرة

ينبغي ألا يكون خوف الرجل الكبير من أن يصبو عاليا ويفشل، بل من أن يصبو منخفضا وينجح. ينطبق هذا على كل جوانب الحياة.

٢٣. (١٧+) — لا تعتذر عن طبيعتك الجنسية

احتضن حقيقة أن الرجال يمتلكون شهوة جنسية جبارة. لا تخجل من هذا قط واحتضن ذكوريتك الجنسية كاملة.

٢٤. (١٧+) — التحوّل الإباضي — الدورة الشهرية صديقتك

افهم سلوكيات الدورة الإباضية للمرأة ووظائفها التطوّرية وما تعنيه لها ولك أنت أولا (مثلا: رفع منسوب الألفا في مرحلة الإباضة، وإضافة قدر من الألفة في مرحلة التراجع).

٢٥. (١٧+) — افهم العملية المعرفية للإثارة الأنثوية

افهم أن الإثارة الجنسية للمرأة تنشأ في الغالب في العقل، وأنها أقل إثارة بصريا منك. التواصل غير اللفظي للرجل وأثره العاطفي (إيجابيا كان أم سلبيا) جانبان محوريان في الإثارة الأنثوية.

٢٦. (١٧+) — انتبه لتوازن قيمتك في السوق الجنسي

تأكّد أن مرتبتك في السوق الجنسي تتجاوز مرتبتها بنقطة إلى نقطتين على الدوام. يمكن تحقيق هذا بالموقف أو اللياقة البدنية أو شغفك الحياتي أو مزيج منها. لا تكن سجين فكرة "الدرجات"، لكن افهم كيف تؤثر قيمة السوق الجنسي في ارتباط المرأة بك.

٢٧. (١٧+) — الممارسة تصنع الثقة

تقدّم وافتح المحادثة كثيرا. كلما تحدّثت إلى فتيات أكثر، صقلتَ أسلوبك الخاص وما يُجدي معك. نجاحك في الغايم يتناسب مباشرة مع تدريبك.

٢٨. (١٣+) — لا تُفاوض على الرغبة الحقيقية

لا تظنّ أن الأفعال الطيبة تجاه البنات — إهداؤهن الزهور والهدايا وحمل حقائبهن — ستجعلهن يُحببنك أكثر. لن يحدث. لن تقع المرأة عقليا في حبّك لأنك قدّمت لها قيمة مادية. الالتزام ليس رغبة.

٢٩. (١٣+) — المراهقة عذاب

ستعصرك انعدامات الثقة، وستشعر بالوعي الزائد بنفسك، وستظنّ أن مظهرك مضحك، وستقول كلاما أحمق أمام البنات وستنشغل في التفكير فيه. كل هذا مؤقت... أنت تتعلّم وتتدرّب على مهارات الرجولة وستكون ثمة إخفاقات وأخطاء. تذكّر دائما أن كل أقرانك يمرّون بالشيء ذاته تماما، لكنك تحظى بميزة أب واع بالأبوة الريدبيلية.

٣٠. (١٧+) — الحياة مخاطرة

تحدَّ الحدود، وخاطر، وكن مثيرا... حتى حين يُرجف قلبك. لا شيء يُثير المرأة كرجل لا يهاب مواجهة التحدّيات.

٣١. (١٥+) — الاحترام يُكتسَب، لكن الاحترام هو كلّ شيء مع المرأة

في اللحظة التي تُهينك فيها فتاة يجب أن تخبرها بذلك. وإذا أصرّت على الإهانة "اقطع" الأمر فورا مهما كان مؤلما. هذا بالغ الأهمية لبناء احترامك الذاتي وثقتك بنفسك على المدى البعيد.

هذه بالطبع ليست قائمة شاملة لكنها بداية قابلة للتطبيق.

إذا لم تستطع تعليم ابنك ذكورية إيجابية من منظور الأبوة الريدبيلية، فكُن واثقا أن الضرورة الأنثوية والعالم الأنثوي المتحور سيُعلّمانه نسختهما من الذكورة. وهي نسخة ستُقنعه بأن أيّ جانب من الذكورة لا يخدم الضرورة الأنثوية مباشرة هو "ذكورة سامّة"، وستُعلّمه أن أي تعريف للذكورة يُفيده هو أو يُقدّم مصالحه على مصالح المرأة ضرر على المجتمع.

تكييف الأبوة الزرقاوية سيُعلّمه احتقار كونه ذكرا والسخرية من الذكورة التقليدية بوصفها قناعا يخفي الإحساس الحقيقي بانعدام الأمان لدى الرجل. وحقيقة أن الأيديولوجيا المساواتية روّجت هذا المفهوم للصبيان الأصغر سنا ليست المشكلة الحقيقية — بل المشكلة هي لماذا وكيف ينبغي لهذا المفهوم المُسكَّن والمُؤنَّث والمُصوَّب ذكوريا أن يُكرَّس تعريفا حقيقيا وأصيلا للذكورة عند الصبيان.

لم تعرف المرأة في المجتمعات الغربية الحديثة ظرفا أكثر مواتاة لها مما تعرفه اليوم. وقد لفتت الكاتبة هانا روزين الانتباه إلى هذا التحول في كتابها نهاية الرجل، حيث تناولت ما رأت أنه تغيّر في الأدوار والمكانة النسبية بين الجنسين. وتُورَد هذه الإشارة هنا لإبراز حجم التحول الثقافي والاجتماعي الذي مال بصورة متزايدة إلى ترجيح كفة النساء والفتيات، بالتزامن مع تنامي التوقعات المجتمعية التي تدفع الرجال والفتيان إلى تبنّي مزيد من السمات المرتبطة تقليديا بالأنوثة منذ حقبة الثورة الجنسية.

ومنذ تلك الحقبة، لم يقتصر مشروع الهندسة الاجتماعية على دفع الصبيان والرجال نحو مزيد من التأنيث، بل امتد إلى إعادة تعريف مفهوم «الرجولة الحقيقية» ذاته تعريفا جذريا، وتقديم هذا التعريف الجديد تدريجيا بوصفه النموذج المشروع والمقبول للذكورة. وفي ظاهر الأمر، رفعت المساواتية شعار الحياد بين الجنسين وتكافؤ الفرص، متجاهلة ما تفرضه الفروق البيولوجية والنفسية والتطورية من تباينات راسخة بين الرجال والنساء. غير أن الضرورة الأنثوية اتخذت من المساواتية ستارا لها، وسعت إلى تجريد الذكورة التقليدية من مشروعيتها، عبر إعادة تصنيف كل سمة ذكورية تُعدّ مزعجة أو غير مرغوبة بوصفها مظهرا من مظاهر «الذكورة السامة».

هل هو مجرد تزامن أن الرجال شُجِّعوا على "التواصل مع جانبهم الأنثوي"، والتماهي أكثر مع المرأة؟ وأن تُعدَّل طرق تواصلهم لتلائم الأنثى، وأن تُعاد تسمية الذكورة التقليدية "سامّة" مع ترسيخ تعريف جديد مصوَّب ذكوريا للذكورة للرجال؟

هل هو مجرد تزامن أن تسعين بالمئة من أطفال تغيير الجنس هم صبيان تُشجّعهم عائلاتهم ومعلّموهم على التحوّل إلى بنات؟ وكل هذا في عصر يُوفّر فيه الواقع الاجتماعي مزايا وامتيازات للبنات، وينحاز فيه المعلّمون نحو أساليب تعليم مصوَّبة ذكوريا؟ بالطبع هذا كلّه تأمّلي، لكنها ملاحظات لا يمكن تجاهلها في نظامنا الاجتماعي الأنثوي المحور. وأعتقد أن رجال الأبوة الريدبيلية اليوم في الوضع المثالي لاستثمار هذا أو لتنوير الأجيال القادمة من الرجال على كيفية توظيف هذا التحوّل لصالحهم.

يترك الصبيان المدارس في الوقت الراهن ، ويُشخَّصون على أنهم مضطربون عاطفيا، وينتحرون بمعدل أربعة أضعاف البنات. يدخلون في مشاجرات ضعف ما تدخل فيه البنات، ويرتكبون الجرائم بمعدل عشرة أضعاف، وهم أكثر عرضة بخمسة عشر ضعفا لأن يكونوا ضحايا الجرائم العنيفة. يُشخَّص الصبيان باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة بمعدل ستة أضعاف البنات. يحصلون على درجات أدنى في الاختبارات المعيارية للقراءة والكتابة، ويحتلون مراتب أدنى في الفصول وألقابا أقل شرفا.

باتت النساء في الجامعات يُشكّلن أغلبية الطلاب بعد أن تجاوزن الرجال عام 1982. وخلال السنوات الثماني القادمة يُتوقّع أن تنال المرأة قرابة ستين بالمئة من درجات البكالوريوس في الجامعات الأمريكية. تتفوّق النساء الآن على الرجال في العلوم الاجتماعية والسلوكية بنسبة ثلاثة إلى واحد، وتقتحمن الميادين الذكورية التقليدية كالهندسة (بنسبة عشرين بالمئة من الطلاب) والأحياء وإدارة الأعمال.

صارت المدارس الابتدائية "معادية للصبيان" منذ عقود، تُشدّد على القراءة وأساليب التعلّم التواصلية الأنثوية، وتُقيّد حركة الصبيان الصغار. إنها تُؤنّث الصبيان وتُجبر الصبيان النشيطين الأصحاء المتفجّرين بالطاقة الطبيعية على الخضوع لنظام من الطاعة المصوَّبة ذكوريا، وتُمرِّض ما هو طبيعي بالنسبة للصبيان. وكما يُجادل عالم النفس مايكل جوريان في عجائب الأولاد، على الرغم من التستوستيرون الهادر في أوصالهم نطالب الصبيان بالجلوس ساكنين ورفع أيديهم وأخذ قيلولة. نُرسل إليهم رسالة مفادها أن "الصبيانية عيب".

تناولتُ في الذكر العقلاني: الطب الوقائي بالتفصيل مؤسسة حصص التنشئة الاجتماعية التي طُلب فيها من صبيان في التاسعة سرد أسباب كره كونهم صبيانا:

عدم القدرة على الأمومة

المفروض ألا تبكي

غير مسموح لك بأن تكون مُشجّعا

المفروض أن تتحمّل كل الأعباء

المفروض أن تُحبّ العنف

المفروض أن تلعب كرة القدم

الصبيان تفوح منهم روائح كريهة

التمتّع بسمعة سيئة تلقائيا

الشعر ينمو في كل مكان

اعتدت أن يُدهشني مدى إتقان الصبيان الصغار للمصطلحات المصوَّبة ذكوريا حين يُسألون عن كيفية التعامل مع البنات. لم أعد أندهش. صبيان في العاشرة أطلقوا على مسمعي كلمات رائجة وعبارات جاهزة لا أتوقّعها إلا من طالب دراسات نسائية كلما سألتهم عن رأيهم في البنات أو موقف يخص التفاعل بين الجنسين. كل هؤلاء الصبيان كان يتولّاهم الحماس للإثبات أمام أيّ بنت في متناول أسماعهم، بترديد مبادئ الضرورة الأنثوية التي تعلّموها في المدرسة.

غير أن ذلك الحماس يظل مشوبا دائما بظل من الخوف؛ الخوف من أن تصدر عن الصبي، حتى في سن العاشرة، ملاحظةٌ أو قناعةٌ تتعلق بالنساء تُفسَّر فورا على أنها تعبير عن كراهية لهن. وذلك هو الوصف الجاهز الذي يُلصق به دون تردد. ومن هنا يبدأ تكييف الصبيان على عقلية الأبوة الزرقاوية منذ سنواتهم الأولى، حيث يتعلمون مبكرا أن ثمة أفكارا وتساؤلات بعينها لا يجوز الاقتراب منها. وكثيرا ما يُسأل: ما الذي يُشكّل تحديدا هذه العقلية المكيَّفة بالأبوة الزرقاوية؟ وتكمن صعوبة الإجابة في أن هذا التكييف لا يُقدَّم بوصفه منظومة صريحة، بل يُغرس تدريجيا في صورة افتراضات ومخاوف اجتماعية تصبح مع الزمن جزءا من طريقة التفكير ذاتها.

يُنظر إلى جزء من مشروع إعادة الهندسة الاجتماعية ذات النزعة الأنثوية المحورية، كما تشهده الثقافات الغربية منذ أكثر من ستين عاما، على أنه يتضمن تنشئة أجيال من الصبيان على قدر من النفور من الذكورة التقليدية. وفي الوقت ذاته، تبنّت المنظومات التعليمية في تلك السياقات توجها عاما يميل إلى تعزيز تمكين الفتيات على نحو غير متكافئ مع الصبيان. ونتيجة لذلك، برزت أجيال من المربين والمعلمين الذين يتبنون قيما موجهة أنثويا أو يتماهَون مع هذه القيم، بما يسهم في تشكيل وعي الصبيان بطريقة تدفعهم إلى التقليل من شأن ذكورتهم أو التعامل معها بوصفها مصدر تهديد محتمل، وفي الوقت نفسه إلى التكيف مع معايير سلوكية تُعلي من الاستجابة للأنثوي والانضباط له.

هذه هي الرواية الثقافية التي عليك أيها الأب أن تظل يقظا لها في تربية أبنائك. هذا الوعي يجب أن يُلوّن كل تفاعل وكل لحظة تعليمية تجمعك به. لا أستطيع التشديد على هذا بما يكفي. ورغم أهمية تجسيدك لنموذج الأبوة الريدبيلية وتمثّله والعيش به أمامه، يجب أن تدرك دائما أن نموذجك سيكون النقيض التام لما يُعلَّم في المدرسة على أنه النموذج الصحيح ذكوريا، لا من معلّميه فحسب، بل من أقرانه ذوي الهوية الأنثوية.

ضبط العاطفة

تقوم منظومة إعادة الهندسة الاجتماعية ذات النزعة الأنثوية المحورية، كما تشهدها الثقافات الغربية منذ عقود في جوهرها، على إعادة تشكيل وعي الصبيان عبر ترسيخ النفور من الذكورة التقليدية. وفي المقابل، تتبنى الأنظمة التعليمية توجها عاما يميل إلى تمكين الفتيات بصورة تفوق الصبيان. ونتيجة لذلك، نشأت بيئات تربوية يهيمن عليها مربون ذوو تصورات مؤنثة أو متماهية مع هذه التصورات، بما ينعكس على تشكيل وعي الأجيال الذكورية بطريقة تدفعهم إلى التقليل من شأن هويتهم الذكورية، والتعامل معها بوصفها مصدر تهديد أو عيب يجب ضبطه، في مقابل تعزيز قيم الامتثال والانضباط للأنماط السلوكية الأنثوية السائدة.

ويُقدَّم الردّ على ذلك، في نظر كثير من الآباء، بوصفه خطوة ضرورية تتمثل في تعليم الأبناء ضبط انفعالاتهم والتحكم في عواطفهم. غير أن المفارقة تكمن في أن الأب الذي يلقّن ابنه كبح الانفعال يمثّل، في الوقت نفسه، جزءا من منظومة الرسائل المتناقضة التي يُعاد عبرها تشكيل وعي الصبيان ليُدركوا أن طبيعتهم الذكورية تمثل خللا ينبغي تهذيبه أو ضبطه.

وفي هذا السياق، يُعاد تهدئة الصبيان عبر وسائل متعددة، من بينها التدخلات الدوائية والتعديلات السلوكية، للحد من طاقاتهم الذكورية الطبيعية، بينما تُروَّج في المقابل أيديولوجيا تميل إلى تمجيد الإفصاح العاطفي المفرط، والبكاء، والخضوع، والهشاشة بوصفها مؤشرات قوة ونضج. وهكذا تُصاغ صورة جديدة للذكورة، لا بوصفها تعبيرا عن طبيعتها الذاتية، بل بوصفها تعريفا تُنتجه الأنوثة وتعيد تشكيله وفق مقاييسها.

يتمثل دور الأب، وفق منظور الأبوة الريدبيلية، في غرس فهم واضح لدى أبنائه بأن الهشاشة العاطفية، أو الإفراط في إظهار انعدام الأمان والضعف، لا تُعد مصدر قوة كما يُروَّج له في بعض الخطابات المعاصرة. وبدلا من ذلك، يُفترض به أن يوجّه أبناءه نحو بناء قوة داخلية متماسكة، تجمع بين الصلابة الذهنية والكفاءة الجسدية، وأن يعينهم على إدراك هذا المسار رغم بيئة اجتماعية قد لا تدعمه.

كما ينبغي أن يتعلموا أن ضبط الانفعالات والتحفّظ في التعبير العاطفي ليس كبتا بقدر ما هو شكل من أشكال التنظيم الذاتي، مثّل عبر التاريخ أحد آليات التكيّف التي ساهمت في استمرارية الرجل وقدرته على مواجهة التحديات. ومن هذا المنظور، تُفهم الذكورة التقليدية بوصفها نتاجا لقوة داخلية قائمة على العزيمة والانضباط الذاتي، لا مجرد استجابة عاطفية آنية أو تعبير مفتوح عن الانفعال.

ينبغي على الآباء الواعين بمنظور “الأبوة الريدبيلية” أن يظلوا على دراية مستمرة بما يُنتجه الإعلام من صور وتمثيلات، وكيف يُعاد تقديم الرجال والصبيان في كثير من السياقات بوصفهم عناصر سلبية أو موضع سخرية، في مقابل تمجيد المرأة والأنوثة بوصفهما المرجعية الأخلاقية العليا. وفي المقابل، تُعدّ مساعدة الأبناء على تطوير عدستهم الريدبيلية الخاصة ضرورة أساسية، بحيث يصبح بإمكانهم تصفية الخطاب الإعلامي تلقائيا وفهم ما ينطوي عليه من انحيازات سردية.

وعند مشاهدة الصبي لإعلانات أو برامج تلفزيونية تتضمن صورا نمطية سلبية عن الذكورة، ينبغي للأب أن يلفت انتباهه إلى ذلك ويشرحه له في سياقه. وبالمثل، عندما يتعرض لمحتوى إعلامي يُقدّم الرواية الأنثوية بوصفها الحقيقة الوحيدة أو النموذج المعياري، يجب الإشارة إلى ذلك أيضا، بما يساعده على بناء قراءة نقدية واعية للخطاب الإعلامي بدل استقباله بصورة تلقائية.

علّمهم أن في الرجل ما هو أعمق مما تريد الرواية الأنثوية إقناعه بأنه. علّمه أن كل ما يراه من حوله من صنع وإبداع وتصميم وبناء رجال بمواهب فكرية وخلّاقة وقوى جسدية. ناقش معه الرجال المشهورين الذين أنجزوا ما أنجزوا وما زالوا ينجزون — وليشمل ذلك الإنجازات الرياضية فضلا عن الرجال الذين هم نماذج للإنجاز الفكري والاستراتيجي والخلّاق.

انخرط معه في أسئلة حول الفوارق بين الصبيان والبنات والرجال والنساء. أظهر له أمثلة على كيف يتباين الرجل والمرأة في التفكير وأسلوب حلّ المشكلات وكيف تتلاعب البنات بالصبيان ليقضوا مصالحهن. تأكّد من أن ابنك يعلم عواقب جعل البنات أولويته العليا. علّمه أن الاحترام يُكتسَب ولا يُمنح بلا استحقاق — سواء للرجل أو المرأة — فلا احترام افتراضي للجنس الأنثوي.

علّم ابنك القتال ومتى يصحّ توظيف القوة للدفاع عن نفسه. وهذا صعب على كثير من الآباء البيتا الساعين إلى تربية أبنائهم في نموذج الأبوة الريدبيلية. معظم الرجال البيتا مُكيَّفون على الاعتقاد بأن الذكورة تُرادف استعدادا لعنف غير مُستدعى. وأغلبهم يتجنّبون المواجهة. إذا كنت لا تعرف القتال، تعلّم فنا قتاليا مع ابنك. مثال ممتاز لفعل شيء ذكوري الطابع وتتعلّمان معا. وهذا يُجسّد استعداد الرجل للخضوع لتجربة السيّد كي يُصبح سيّدا بنفسه.

المرجعية الذهنية

علم ابنك أن يجعل من نفسه مرجعيته الذهنية الأولى. هذا أهم درس يمكنك نقله لصبي في عصر يُحطُّ فيه من شأنه لمجرّد كونه ذكرا. تزويده بالقدرة على وضع نفسه في المقام الأول هو من أثمن ما يمكنك تركه لابنك.

قد يبدو لبعض الآباء أنه من الحكمة عزل ابنهم عن عالم مُصمَّم لتكييفه وفق ما ستصنع منه الضرورة الأنثوية، لكن الأصحّ بكثير هو تسليحه بمصلحته الذاتية المستنيرة. سيبذل عالمه الأنثوي المحور كل جهد لإقناعه بتقديم احتياجات "الآخرين" — وهم فعليا المرأة والمصالح الأنثوية — على نفسه، لكنه يجب أن يعلم أنه لا يستطيع إعانة أحد قبل أن يُعين نفسه.

هذا الانصياع للآخرين ركيزة محورية في التكييف الذي تريد القرية أن يستوعبه. وهي الجوهر في دفع التأنيث لجعل مرجعيته الذهنية خارجية، إن كان له أن يُعطي اهتماما لرفاهيته أصلا. لكن الأهم أنه مُصمَّم لجعله يستوعب داخله فكرة أن التعبير العاطفي كالأنثى وتقديم احتياجات البنات على احتياجاته هو الفكرة الصحيحة المُكافأ عليها التي يجب أن تبادر ذهنه في أي تبادل جنسي.

لا يعني هذا أن الأب الواعي بالأبوة الريدبيلية يُشجّع على الاعتلال الاجتماعي في ابنه، بل أن يكون رفاهيته ومصالحه الخاصة الفكرة الأولى التي تنبثق في عقله. العقلية الزرقاء تُقفز دائما إلى الأطراف الثنائية، فالخشية الانتقادية أن تشجيع المصلحة الذاتية المستنيرة عند الصبي ستُفضي إلى سمات شخصية من "الثلاثي الداكن" لاحقا. لكنه يجب أن يعلم أن الفريق والتعاون، رغم قيمتهما في عالمه الذكوري، يجب أن يمرّا عبر مصفاة مرجعيته الذهنية المتمركزة في الذات.

الرجال يواجهون التحدّيات ليشعروا أن الرجال الذين يحترمونهم يحترمونهم بالمثل. يحدث هذا دون كلام. الإحساس بما يُنتظر منا في تلك المواقف وبما تعنيه خياراتنا يبرز تلقائيا. كثير من الرجال الذين يُعاصرون العار يفعلون ذلك لأنهم يعلمون أنهم رسبوا في تلك الاختبارات أكثر مما نجحوا.

هذه الديناميكية غائبة عن معظم الناس. النسوية والثقافة التي نشأت بتأثيرها تصوّر عادة هذا الجانب من الطبيعة الذكورية على أنه حمق محض؛ محاولة سخيفة لأولاد كبار على "التباهي بالذكورة". الحاجة الذكورية لمواجهة التحدّيات والشعور بالقبول في رابطة أخوية قبلية واجه أفرادها التحدّيات بشجاعة تُسخَر منها في الثقافة الشعبية والمدارس وعلم النفس الشعبي.

كثير من الصبيان يُحيَّرون بسبب هذه الرسائل. يُعانون دون داع لأن رغباتهم الداخلية في الاحترام والشعور بالغرض تتعارض مع تكييفهم الاجتماعي. طبيعة الصبي تميل نحو الشجاعة والمخاطرة والرغبة في السيطرة على محيطه، لكن معلّمه يُثني على الضعف ويُسمّي الجُبن فضيلة. معلّمه المُصوَّب ذكوريا يسعى إلى ما تسعى إليه المرأة أساسا على المدى البعيد: الأمان والاستقرار والثبات القابل للتنظيم. وهذا ما يأملون تكييف ابنك نحوه — كبت الميل الطبيعي لإتقان المخاطرة واستبداله بالترضية لتزويد المرأة بإحساس مستدام من الأمان.

النتيجة شبّان إما يتهرّبون من كل تحد ويلجؤون إلى العزلة خلف ألعاب الفيديو والوجبات السريعة والإباحية، أو أولئك الذين يُنفّسون ميولهم الطبيعية عبر أشكال شتّى من الإسراف والإشباع الغريزي الأدنى. ننتهي بمجتمع رجاله مُقسَّمون إما إلى خراف خانعة متذلّلة، وإما أولاد-رجال قساة غير مُهذَّبين تقودهم الهرمونات وسعي لا ينتهي لجعل عبء أدائهم بأكمله أداء أمام رضا المرأة.

بلا ثقافة ناضجة من الذكورة التقليدية تُروّض الغرائز الفطرية للصبيان، تنهار الأمور. هذه طريقة أخرى يجرّ بها انعدام الأبوة المؤسَّس أنثويا الحضارة نحو انهيارها. وهو عملية تغذّي نفسها بنفسها — الصبيان المُكيَّفون بالأبوة الزرقاوية يُصبحون الآباء الممتثلين للوح الأزرق الذين استُلبت منهم الحقوق بسبب الأدوار الاستغلالية التي رُبّوا لتصديقها. ثم يُصبح انعدام الأب مأمورا اجتماعيا من نظام مجتمعي يرى الآباء عبئا زائدا.

مجتمع يملك فرصة البقاء يدعم منظمات كالكشافة بدلا من استهدافها للتدمير. تُروّض مثل هذه المجموعات رغبات الصبيان في الاحترام والتقدير بوضعهم تحت عين الرجال الناضجين الذين يقيهم الأخطار غير اللازمة ويُقدّمون لهم نموذجا يتطلّعون إليه وكتيبة من الأخوة.

لكن هذا "سامّ" الآن. تجمّع الرجال في قبائل حصرية ذكورية محفوف بالمخاطر على نظام اجتماعي أنثوي. تلك التجمّعات القديمة اندثرت في معظمها. أو أعيد تعريف نزاهة تلك الفضاءات الذكورية. في محلّها لدينا مخيّمات النوع الجنسي المتحوّل للصبيان، وملايين قصص سناب شات والحمّامات المحايدة جنسيا. وقد صارت الكشافة مثالا حيا على كيف تُعيد الضرورة الأنثوية تعريف الفضاء الذكوري لإضعاف الذكورة التقليدية أجدى إضعاف. لقد أقررنا أن المبادلة تستحقّ.

تبقّى لنا وهم الحرية وإحساس منتشر بتراجع لا مفرّ منه. نرتجف جميعا أمام هؤلاء الصبيان الذين صنعنا — صبيان تعمّد تشويش رؤيتهم لطبيعتهم، قلقون على الانتماء، عاجزون عن الانضمام إلى تلك الجماعة من الرجال التقليديين وعن فهمها حتى، وهي الجماعة التي يعتمد عليها المستقبل اعتمادا يائسا.

رغم كل هذا التكييف الاجتماعي، رغم كل المصالح التي ستُدينك حتى على مجرّد التفكير في تربية ابنك بأسلوب الأبوة الريدبيلية، تذكّر هذا: بعد كل ما مضى، في الأعماق تجوع الروح إلى أب ذكوري إيجابي.

من أوائل الافتراضات التي نُكوّنها عن الراقصات أو النساء "المُتضرّرات" هي أن لديهن "مشكلات مع الأب". نفترض أن جذر مشكلات المرأة الشخصية جوع عميق لأب لم يتطابق قط مع النموذج الذهني الذي أرادته فطرة عقلها اللاواعي لحياتها. والشبّان "العديمو الأب" يحملون "ضررا" مشابها.

حين يتجذّر الاشتياق العميق إلى الأب، لا يتبدّد. عوضا عن الاختفاء يذهب إلى الأعماق، وعادة في عمق يجعلنا لا نتعرّف عليه بما هو. الرغبة في الأب، في حضور ذكوري ثابت يُرشد الصبيان والبنات ويُرسيّهم، تتنكّر في أيامنا هذه في صور أمراض شتّى: القلق الاجتماعي، والغضب، وانعدام الغاية، والفراغ الداخلي.

لكن ثقافتنا تُيسّر الحديث عن القلق أكثر مما تُيسّر الحديث عن جوع الأب. يُعدّ الآباء استهلاكيين أو ثانويين في عملية التربية. الاعتراف بمعاناتنا من غيابهم يعني تحدّي الرواية الثقافية للمساواتية وتعريض النفس للوسم بالخيانة للإجماع. فنصمت ونُضاعف مخاوفنا الكئيبة بعار علمنا في أعماق قلوبنا أننا نشتاق إلى النموذج الأصيل للأب التقليدي.

خُذ آثار جوع الأب على المستوى الفردي: الضياع والضعف في الرجال وفي المرأة اليأس والخوف والبحث الرثّ اللانهائي عن التأكيد، ثم اضرب ذلك في الملايين. هذا هو واقعنا الآن.

المواقف الثقافية العامة من الآباء تتأرجح بين اللامبالاة والعدائية الصريحة. هذا يُضخّم المشكلات الفردية ويجعلها تهديدات ثقافية منتشرة. انعدام الأب فريسة سهلة لتعليق الأمراض الاجتماعية عليها، لكن الذكورة وتأثير الرجل الفريد دائما موضع شكّ. دائما على بُعد درجة واحدة من "السُمّية".

حين يخسر طفل بعينه أباه يُعاني، قد تُعاني زوجته، قد يُعاني أطفاله هم في المستقبل. لكن إذا كان يعيش في ثقافة تُدرك صلاح الأبوة الفطري والإسهام الضروري للأب في نموّه، فقد يجد بديلا — مرشدا.

لكن ليس الآن. جوع الأب وعواقبه باتا منتشرَين لدرجة صرنا نعدّهما طبيعيين. في قاع كثير من أمراضنا الاجتماعية جوع لأب حلّت محلّه الدولة أو وكيل القرية. ذلك الأب أُزيح بالهجمات التي شنّها عليه ألف نسوي باسم الضرورة الأنثوية ضخّمها كل إنتاج إعلامي في الخمسين عاما الأخيرة، والقرار بجعل الطلاق يسيرا ومتوقّعا ومجحفا فادحا للأم.

كل هذا يجعل أهمية ما يفعله الآباء أكبر مما كانت قط. لمن لا يزال منّا يُربّي أطفالا صغارا، علينا ألا تقنعنا ثقافة القرية بالتشكيك في أهميتنا. بل علينا مضاعفة التزامنا بأداء واجبنا. علينا الحضور بعلم أننا لسنا هامشيين وأن مجرّد وجودنا يُشبع.

إذا لم تكن أبا، فإرشادك الواعي بالأبوة الريدبيلية للشبّان الصغار ذو قيمة بالغة ومطلوب أشدّ الطلب. ابحث عن فرص لتعليم الشبّان. الإرشاد المتعمّد للشبّان في وعي الأبوة الريدبيلية أمر يستحقّ الثناء، لكن حتى الانخراط العارض يقطع شوطا طويلا. لا يتوقّف تكييف الشبّان بالأبوة الزرقاوية إلا بانخراطك.

لا نستطيع أن نكون آباء عالم بأكمله. الأذى وقع. أجيال عديمة الأب باتت في الصعود وجوعها إلى الذكورة الإيجابية التقليدية سيجرّ الحضارة نحو الانحطاط إذا أهملنا الفعل. أقصى ما نستطيع هو ضرب المثال ورفض المساومة والمضيّ في ما يفعله الآباء دائما: الإعالة والتعليم والحماية في عالم آيل للانهيار.

ثمة كثيرٌ مما ينبغي أن يُصان مَن هم في عهدتنا منه. إن العالم حين يُنتزع منه حضور الأب يصبح أكثر هشاشة واضطرابا، وكأن توازناته الداخلية تميل نحو الفراغ. ومع ذلك، وفي قلب هذا المشهد المائل إلى التفكك والاندثار، يمكن — بل ينبغي — أن تتشكّل مساحات صغيرة من التعافي والمقاومة؛ جزرٌ من المعنى تحفظ ما تبقّى من تماسك إنسانيّ في بيئة تتآكل فيها المرجعيات.

وهذا في جوهره، جزءٌ من النهج القاعدي الذي يتطلبه وعي الأبوة الريدبيلية على المستوى الاجتماعي؛ أي ذلك الحضور الذي لا يكتفي بالتشخيص، بل يسعى إلى إعادة بناء دوائر التأثير الممكنة داخل الواقع نفسه.

وحين تسمح الظروف، نمدّ اليد لا كمن يمنّ أو يتعالى، بل كمرشد داخل هذا الفهم، وكصديق يشارك التجربة لا يعلّق عليها من بعيد. وفي الحدّ الأدنى، يمكننا أن نعيد الاعتبار لفكرة بديهية تمّ تهميشها: أن وجود الآباء ليس هامشيا، وأن الحاجة إليهم ليست ضعفا عابرا، بل جوعٌ إنسانيٌّ عميق.

وعلى هذا الأساس، يمكن أن نكون بمثابة حجر يُلقى في سكون البنية الاجتماعية المائلة نحو مركزية أنثوية صلبة، لا بغرض الهدم، بل لإحداث اضطراب واع يعيد فتح الأسئلة. لن يكون في مقدورنا إنقاذ الجميع، غير أنّ بعضهم — ممن تصادفهم هذه الشرارة في الوقت المناسب — يمكن إنقاذه، أو على الأقل إعادة توجيهه نحو مسار أكثر اتزانا ووضوحا.

المصدر: رولو توماسي — «الذكر العقلاني: الذكورة الإيجابية» · الترجمة العربية الرسمية: إبراهيم محمد المالكي.