مرحلة الصحوة
The Epiphany Phase — حين يتعذّر على الإنكار أن يستمر
رولو توماسي · ترجمة إبراهيم محمد المالكي

المرحلة المتأخرة من سنوات الانطلاق
على الرغم من أن المرحلة المتأخرة من سنوات الانطلاق لا تُشكّل قسما مستقلا بذاته، إلا أنها تستحق الإشارة إليها، إذ كثيرا ما تمهّد لمجموعة من المبررات العقلية التي تُرسي أرضية ما أسميه «مرحلة الصحوة». تُحدد بعض الدراسات المستندة إلى بيانات التعارف الإلكتروني ذروة القيمة السوقية للمرأة في سن الخامسة والعشرين إلى السادسة والعشرين. وعلى الرغم من تساهل هذا التقدير، أرى أنه متأخر جدا إذا ما استحضرنا أن المجتمعات السابقة كانت تُسرّع بلوغ مرحلة النضج الاجتماعي لدى الجنسين.
تُعرب أغلب النساء في سياقنا المعاصر، عن رغبتهن في الاستقرار والزواج وتأسيس أسرة في سن السابعة والعشرين إلى التاسعة والعشرين، وهو ما يتوافق مع متوسط سن الزواج الأول البالغ ثمانية وعشرين عاما وفقا لبيانات التعداد السكاني الأمريكي لعام 2013.
يُعدّ التمسك بالمسار المهني ذريعة رئيسية لتأجيل الزواج، غير أن الجدير بالملاحظة أن السنتين الأخيرتين من مرحلة الانطلاق هما المرحلة التي تبدأ فيها المرأة بالشعور بضغط متصاعد نحو الالتزام الطويل الأمد.
وفي هذه المرحلة تحديدا، تبذل المرأة الواعية جهدها لتحقيق ما يُشبه المزاوجة المثلى مع رجل يجمع في شخصه بين الجاذبية الجينية للرجل المهيمن والقدرة على الإعالة والاستثمار الأبوي — وهو ما تسعى إليه الانتقائية التزاوجية في صورتها الأمثل.
«إلى أين تسير علاقتنا؟»
هذا هو السؤال الذي يُوجَّه في الغالب إلى الرجل في هذه المرحلة، أو يجد نفسه أمام إنذار نهائي يتضمن تهديدا بسحب الحميمية أو الانفصال في حال لم يتقدم للزواج في وقت قريب.
وعلى الرغم من أن المرأة تُفضّل عموما التواصل الضمني غير المباشر، فإنه كلما اقتربت من مرحلة تراجع قدرتها التنافسية مع المنافسات الأصغر سنا، اتجهت أكثر نحو التعبير الصريح المباشر. فأساليب الغنج والتلميح والتظاهر بالبرود التي أبقت الرجال مشدودين إليها في سنوات ذروتها، تُستبدل تدريجيا بخطاب مباشر يسعى إلى انتزاع ضمانات صريحة وملزمة لأمن مستقبلي.
وتشتد حدة الحاجة إلى إرساء علاقة أحادية داعمة بشكل يتناسب طرديا مع الضغط التنافسي الذي تشعر به المرأة مع تراجع قيمتها في سوق التزاوج. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الأمن بالنسبة للمرأة لا يعني بالضرورة الأمن المادي، بل يمتد ليشمل الأمن العاطفي والأبوي والجسدي، وفوق ذلك كله، الحاجة النفسية إلى حضور الرجل المستقر والمتمكن والموجِّه في حياتها.
ومن المسائل الجوهرية هنا إدراك مسعى المرأة نحو تحقيق التوازن المثالي بين «رجل الإثارة الجينية» و«رجل الإعالة الموثوق» في شخص واحد. ففي أواخر مرحلة الانطلاق تدرك المرأة، على مستوى ما من الوعي، أن هذا الوقت ربما يكون آخر فرصها للاستفادة من قيمتها التزاوجية المتقلصة لتأمين ما تنشده من شريك مثالي — لا خشية من اقتراب الذروة النهائية لتلك القيمة تحديدا، بل لإدراكها المتنامي بتراجع قدرتها على منافسة النساء الأصغر سنا اللواتي يبلغن ذروتهن الآن.
قد تلجأ المرأة خلال هذه المرحلة، إلى محاولة إصلاح شخصية الرجل المهيمن حتى يمتثل للدور الإعالي، أو تُعيد تقييم شريكها المستقر لتتبيّن إمكانية تطوره نحو صفات أكثر هيمنة وطموحا. وجدير بالذكر أن نساء يمتلكن جاذبية استثنائية قد يُمددن مرحلة الانطلاق إلى أجل غير مسمى، ما دامت تيارات اهتمام الرجال بهن لم تنضب بعد.
مرحلة الصحوة والانتقال
تدخل المرأة بين سن الثامنة والعشرين وحتى الثلاثين، أحيانا في وقت أبكر من توقعات تبدو واعدة لنساء جميلات لا تزال مرحلتهن مستمرة، في وعي إدراكي أعمق بوضعها المتعلق بتراجع قيمتها في سوق التزاوج. وهذه هي ما أسميه «مرحلة الصحوة»: اللحظة التي يتعذر فيها على الوعي اللاواعي الذي طالما حجب إدراك المرأة لمساقط قيمتها التزاوجية أن يستمر في القمع والإنكار.
ما يُميّز هذه المرحلة ليس بلوغ الذروة النهائية للقيمة التزاوجية، بل إدراك المرأة الواعي لتراجع قدرتها على التنافس مع نظيراتها الأصغر سنا على اهتمام الرجال الذين باتت تأمل في الارتباط بأحدهم ارتباطا دائما.
ولا يعني ذلك أن المرأة تتحول فجأة إلى عجوز شمطاء تفقد كل جاذبيتها بحلول الثلاثين؛ فكثير من النساء يحتفظن بجاذبيتهن وحضورهن الأنثوي بعد هذه المرحلة وحتى أواخر الثلاثينيات والأربعينيات. غير أن ما يُحدد هذه المرحلة هو الإدراك الصريح بأن مظهرها لم يعد كما كان في أوج شبابها.
ويُضاف إلى ذلك وعيها بأنها لم تعد قادرة على المنافسة بالمستوى ذاته الذي كانت عليه مع النساء في ذروتهن على اهتمام الرجال الذين تسعى الآن إلى إرساء علاقة طويلة الأمد معهم. فمرحلة الصحوة لا تتعلق بالذروة النهائية بقدر ما تتعلق بالاستعجال في تأمين الالتزام المستقبلي لرجل ما، في مواجهة قلق تنافسي نابع من إدراكها أن عليها الآن أن تسعى لتحقيق ذلك بدلا من أن يُقدَّم لها على طبق من ذهب كما اعتادت في سنوات ذروتها.
وهنا تبدأ الآلية النفسية للتبرير الذاتي — التي يُصطلح عليها بـ«الهامستر» في الأوساط الذكورية الواعية — عملها المحموم في إعادة رسم صورة الماضي وتبرير الأسباب التي أفضت إلى عدم تأمين شريك طويل الأمد في أعلى مراحل جاذبيتها. بل إن المرأة المتزوجة مبكرا لن تُعفى من بعض صور الشك الذاتي أو الشفقة على النفس في مساءلة الاختيار الزواجي: «هل هو فعلا أفضل ما كان بمتناولي؟»
وكثيرا ما تُشكّل المرحلة المتأخرة من سنوات الانطلاق الحاضنة التي تنبثق فيها «الأرملة العاطفية من الرجل المهيمن» — وهي المرأة التي يُحفر في وجدانها النفسي نموذج شريكها المهيمن الأسبق كمثال أعلى تقيس عليه كل ما يليه. غير أنه في مرحلة الصحوة تحديدا تبرز المبررات اللازمة لتسويغ مساعي التغيير تلك.
ومن أبرز الخطابات الداخلية والخارجية الشائعة في هذه المرحلة: «لقد تغيرتُ كثيرا عما كنتُ عليه أيام الجامعة، وقد نضجتُ شخصيا»، أو «لقد تعلمتُ الدرس، وأنا لستُ من النوع الذي يسعى وراء الرجال غير الملائمين، انتهيتُ من الشخصيات المتسلطة»، وأخيرا «أين اختفى الرجال الطيبون؟»
تُبثّ هذه المبررات للرجال ذوي الإمكانات الإعالية — صراحة أو تلميحا — إشارة منها إلى استعدادها لاستقبال ما طالما عُرض عليها من حب وولاء وتفانٍ، وكانت ترفضه في مرحلة الانطلاق دون اعتبار.
وفي هذه المرحلة، تميل المرأة إلى إعادة صياغة سلّم أولوياتها في الجاذبية؛ فتتراجع الصفات الجسدية والسيطرة الذكورية أمام صفات الاستقرار والإعالة والدفء العاطفي والكفاءة والنضج — وكل ذلك يتسق مع مفهوم جديد تبنته لنضجها الأنثوي. وكثيرا ما يتجلى هذا التحول في عودة مؤقتة إلى القناعات الدينية المنسية، أو التزام ذاتي بالعفة المؤقتة، في سعي لإقناع شريك محتمل ذي إمكانات إعالية بأنها «غير ما كانت عليه من قبل».
والبنية النفسية التبريرية هنا تنهض على قناعة بأنها «تفعل الشيء الصحيح هذه المرة»، في حين أن ما تفعله في جوهره ليس سوى ترفيع حاجتها الملحّة للأمن طويل الأمد إلى مرتبة فضيلة أخلاقية تأمل في أن يقدّرها الرجال المنشودون.
وتجدر الإشارة إلى أن جاذبية الرجل لا تزال تلعب دورها في منظومة الانجذاب الأنثوي، غير أن ثقل المكانة الاجتماعية والثروة يبدأ في التقدم على حساب الأولويات الجمالية البحتة، كلما أدركت المرأة أهمية هذه المقومات لضمان مستقبلها وأبنائها.
مرحلة الانتقال
مع انتقال المرأة إلى مرحلة الانتقال (29–31 سنة)، يتزامن إعادة ترتيب أولويات الجاذبية مع تعديل صورتها الذاتية في سوق التزاوج.
وكلما باتت المرأة أشد وعيا بتراجع قدرتها على التنافس للحصول على رجل يُمثّل لها أفضل توازن تزاوجي، أصبحت مضطرة إلى مراجعة صورتها عن نفسها. وثمة موروث واسع من الأعراف الاجتماعية النسوية يُوفر لها عوامل تخفيف تحول دون مواجهة هذا الواقع بصورة مباشرة. غير أن الحس الغريزي لا يفتأ يُذكّرها بأنها — مهما بلغت من حسن المظهر — لم تعد تستأثر بالاهتمام الذكوري الذي كانت تحظى به في مرحلة الذروة.
ومن الظواهر اللافتة التي يُثيرها هذا الوعي ما يُلاحَظ من أن الشكاوى حول ضعف الرجال وهروبهم من المسؤولية تصدر دوما عن نساء تجاوزن الثلاثين، في حين أن الشابات في ذروتهن لا يجدن ما يدعوهن إلى مثل هذه الشكاوى.
وما أُسميه «مرحلة الانتقال» هو محصلة تأثير مرحلة الصحوة على المرأة التي أخفقت حتى الآن في تأمين ارتباط أحادي مع رجل قادر على ملء الدور الإعالي الذي باتت انتقائيتها التزاوجية تُقدّمه في سلّم الأولويات. وما تُعبّر عنه النساء في هذه المرحلة من مظالم عن «قصور الرجال» ليس في حقيقته سوى توق لرجل يُحقق التوازن المثالي بين الجاذبية الجينية والقدرة على الإعالة.
ويزداد الشعور بالإلحاح مع تزايد المخاوف المتعلقة بالساعة البيولوجية، إذ تكون المرأة قد تجاوزت بيولوجيا سنوات خصوبتها الأمثل، وتزداد صعوبة الحمل والإنجاب مع مرور الوقت.
الأعراف الاجتماعية في مرحلة الانتقال
في مرحلة الانتقال، يُستبدل القلق التنافسي الذي استثار مرحلة الصحوة بقلق من نوع آخر: احتمال ألا تتمكن المرأة قط من تأمين استقرار طويل الأمد. وكما هو الحال دوما، فإن الأعراف الاجتماعية النسائية جاهزة لتبديد أي مساءلة ذاتية حقيقية، فيُستدعى خطاب: «الرجال يشعرون بالتهديد من المرأة القوية»، و«الرجال هشّو الكبرياء»، و«الرجال سطحيون لا يريدون إلا الفتيات الصغيرات»، وسائر الأطروحات الرامية إلى إخضاع الرجال لمنطق الانتقائية التزاوجية النسوية دون أن تتحمل المرأة أي قسط من المسؤولية.
القاعدة الجوهرية في الاستراتيجيات التزاوجية
لكي تنجح الاستراتيجية التزاوجية لأحد الجنسين، لا بد أن يُفضي ذلك إلى تنازل الجنس الآخر عن استراتيجيته أو التخلي عنها كليا.
في لا مرحلة أخرى يكون فيها فهم هذه القاعدة بالغ الأهمية للرجل بمثل ما هي عليه في هذه المرحلة. فكل الأعراف الاجتماعية الفاعلة في هذه الحقبة تُوظَّف بقصد إقناع الرجل بأن استراتيجيته التزاوجية ينبغي أن تتوافق مع الاستراتيجية النسائية، وأن من واجبه الذكوري الخاص تحمّل تبعات انتقائيتها التزاوجية والإعفاء منها، بل والإسهام في تحقيقها.
والغاية الخفية من هذه الأعراف هي إقناعه بذلك قبل أن يدرك قيمته الفعلية في سوق التزاوج، وهو الإدراك الذي يُحوّله إلى مُختار فعلي — وهذا بالضبط ما يُهدد سيطرة المرأة على انتقائيتها التزاوجية.
ومن أبرز مواطن الضياع في فهم ديناميكيات الجنسين على مدى الستين عاما الأخيرة، الاعتقاد بضرورة توحيد الاستراتيجية التزاوجية بين الرجل والمرأة، في حين أن الطبيعة البيولوجية والدوافع الفطرية تسير في اتجاه مغاير تماما لهذا التوحيد.
والانتقائية التزاوجية النسوية في صميمها تدور حول تعظيم الاستفادة من الرجل صاحب الجينات الممتازة والرجل الراعي القادر على الإعالة، بينما يتمحور الدافع التزاوجي الذكوري — من المنظور البيولوجي — حول السعي نحو إتاحة جنسية غير محدودة.
الحالات الاستثنائية
ثمة مسارات لا حصر لها يمكن أن تتخذها المرأة في سعيها للارتباط، وهذا يفتح أمامنا بُعدا ثانيا لهذا الجدول الزمني. فمرحلة الانطلاق قد تكون قصيرة للغاية أو معدومة. وقد تتأخر مرحلة الانتقال بفعل رجل مهيمن أسهم في تضييق أفق المرأة وتقليص إدراكها لخياراتها المتاحة. ومرحلتا الصحوة والانتقال موجودتان على الأرجح لدى كل النساء، لكنهما عند المتزوجات السعيدات تبدوان أقل إثارة للهلع.
وفي حالة المرأة التي ارتبطت مبكرا قبل بلوغ هذه المراحل، قد تبدو التجربة على شكل ندم هادئ على التقدم في العمر، وإدراك متأخر — وإن شابه بعض الإكراه — للقيمة الفعلية لزوجها مع اقترابه من ذروة قيمته التزاوجية.
وهنا يكمن أحد أغراض إبقاء الرجل جاهلا باستراتيجيات المرأة التزاوجية حتى تتمكن من تأمين الارتباط أولا؛ إذ طالما ظل مُهيَّأ تهيئة مثالية للدور الإعالي المطيع، فإن شعوره بالمسؤولية الاجتماعية تجاه زوجته يُشكّل بوليصة تأمين على أمنها المستقبلي حين يُدرك في نهاية المطاف قيمته الفعلية.
وما يواجهه الرجل الذي يرتبط مبكرا بامرأة من هذا النوع من الحالات الاستثنائية هو خطر الإدانة بالشعور بالأسف والأسى الذي تمر به المرأة وهي تجتاز هذه المراحل مقيدة بالتزامات سابقة.
وفي حال كانت محاطة بشبكة اجتماعية تُسبغ قيمة ورونقا على تجربة المرأة المنطلقة المستقلة، قد تعيش بالوكالة ما فاتها من تجارب، حتى يتحول وعيها بمرحلة الصحوة إلى لحظة المقامرة بكل شيء من أجل فرصة أخيرة.
ملاحظة حول الإنذارات النهائية
يتعرض الرجل في هذه المرحلة عادة لإنذار نهائي من نوع: «اطلب الزواج أو نفترق»، أو «عليك تغيير هذه الصفة وإلا انتهى كل شيء».
والإنذار النهائي في جوهره إعلان عجز، لأن اللجوء إلى التهديد المباشر لانتزاع ما تريده هو اعتراف ضمني بضعف الموقف. ولو كانت المرأة تمتلك حقا زمام السيطرة لما احتاجت إلى الإنذار أصلا. وهذا ما ينبغي استيعابه جيدا: فالعلاقة التي تُبنى على استسلام الرجل لإنذار المرأة تُصاب في أساسها بفساد عميق يمس إطارها الديناميكي ومستقبلها برمته. فالاستجابة لإنذار تعني في آنٍ واحد تفاوضا على الرغبة، وترسيخا دائما لصورة التبعية في وعي المرأة.
ومن أبرز مبادئي في فهم ديناميكيات الجنسين أن الرغبة الحقيقية لا يمكن انتزاعها بالتفاوض. فالرغبة الطبيعية العفوية غير المُلزَمة بأي اعتبار للمصلحة أو الموارد هي الأساس الأمثل لأي علاقة بين الجنسين. وأي عامل يُدخل عناصر التبادل أو التفاوض أو الإلزام يُضعف تلك الرغبة ويُوهن العلاقة.
الانتقائية التزاوجية لا تؤمن إلا بالهيمنة التي تكتشفها المرأة في الرجل، لا بالهيمنة التي تحتاج المرأة إلى أن تصنعها فيه.
الرجل المطيع في مرحلة الصحوة
«لم أكن لأتعارف معك حين كان عمري خمسا وعشرين»
أخبرني صديق بهذه القصة. هذا ما انفلت من فم صديقته قبيل إخبارها أنه لن يتزوجها.
راحت تشرح كيف كانت في ذلك الحين منجذبة إلى الرجال الرياضيين أصحاب الأجساد المفتولة، وكيف باتت تجد في هذا النوع ما يبعث على الاشمئزاز. كان الأمر محبطا له، غير أنه تمكّن من التعامل معه بهدوء لأنه تذكّره بعد نحو ساعة فحسب.
«الحقيقة أنني أردتُ أن أبكي. أردتُ أن أبكي لا لأنني أحصل على فضلات غيري فحسب، بل لأن عقلها الأنثوي سيظل عاجزا عن الإدراك. وأيضا لأنني سأضطر قريبا إلى مغادرتها إن هي طالبت مني استثمارا يتجاوز ما تستحقه في نظري. وأردتُ أن أبكي لأنني أشعر بصدق بأنها قد تضيع دون وجودي نظرا لاضطراباتها النفسية وانعدام إرادتها. وأردتُ أن أبكي لأنني أعرف أنها ستُقيم علاقات مع رجال كثيرين بعد انفصالنا. وأردتُ أن أبكي لأنني وقعتُ في حبها رغم كل مرات نهيي نفسي عن ذلك. ما هذه اللعبة المجنونة؟»
حالته هي أكثر ما يُحبط الرجال في هذه الفئة الديموغرافية حين يواجهون نساء اجتزن مرحلتي الصحوة والانتقال — الإدراك الصادم بأن ما كان مقتنعا بأنه سيكون أفضل ما تُقدمه المرأة لزوجها لم يكن كذلك قط.
ما قبل التراجع — الادخار للأفضل
يعتقد الرجل المطيع أن دوره قادم لا محالة — فلماذا ستلتزم المرأة بعلاقة مدى الحياة مع رجل لا تراه خيارها الأمثل؟ وبما أنها أقنعت نفسها في مرحلة الصحوة بأنها «جرّبت كل شيء» و«باتت تعرف أفضل من أن تستمر في الانجذاب للنوع الخطأ»، فإن الرجل المطيع يُقنع نفسه بأنه كان دوما وسيظل الخيار الأمثل لها.
غير أنه — ما لم يتنبه لإشارات غياب الشغف — يتأخر في اكتشاف الحقيقة: أن ما تُقدمه له في علاقتهما المستقرة لا يرقى إلى ما أعطته لشركاء سابقين. وهو في الغالب يفتقر إلى أي مرجع مقارن يُمكّنه من إدراك ذلك، فيتساءل في حيرة عن أسباب برودها التدريجية ومحدودية الحميمية، ثم يبدأ في الاستشعار بقياسه على تجارب من حوله.
وبالنسبة للأرملة العاطفية من الرجل المهيمن التي تُقبل على الزواج من رجل مطيع، فإن مقارنة الأخير المستمرة بالشركاء السابقين تُعقّد حاجتها إلى الاستقرار الطويل الأمد، فتنعكس هذه المعادلة على طبيعة العلاقة الحميمة التي تُصبح مُقيَّدة ومُحجمة ومثقلة بوعي ذاتي مُعيق.
المصدر: هذا النص مقتبس من كتاب «الطب الوقائي» (The Rational Male – Preventive Medicine) لرولو توماسي — ترجمة إبراهيم محمد المالكي، ضمن مشروع الذكر العقلاني: الترجمة العربية المعتمدة.