← الرئيسية
غلاف كتاب الذكر العقلاني 2013

الكتاب الأول · 2013

الذكر العقلاني

الكتاب المؤسس للسلسلة — المقاربة العقلانية البراغماتية لديناميكيات العلاقة بين الجنسين.

مقدمة المترجم

"إن أشد أنواع العبودية خطورة تلك التي لا يشعر بها العبد"

حين يضع المرء قلمه في خدمة فكرة يؤمن بها إيمانا راسخا، فإنه لا يترجم حروفا مجردة، بل يحمل رسالة ويؤدي أمانة. وهذا بالضبط ما دفعني إلى الشروع في هذا المشروع الطموح الذي استغرق مني ما يزيد على ثلاث سنوات ونصف من العمل المتواصل والمضني - مراجعة وتدقيقا وتأملا عميقا في كل مصطلح وكل فكرة - حتى أخرجت للقارئ العربي السلسلة الكاملة لـرولو توماسي: سلسلة الذكر العقلاني مترجمة كاملة بجميع أجزائها وامتداداتها.

هذه السلسلة التي بين يديك لم تكتب في فراغ، ولم تترجَم في فراغ. إنها تأتي في لحظة فارقة من تاريخ الرجل في الحضارة الإنسانية المعاصرة؛ لحظة تتراكم فيها الأزمات وتتشابك، وتتعالى فيها الأصوات التي تعيد تعريف الرجولة وفق أجندات لا علاقة لها بمصلحة الرجل ذاته. وفي مثل هذه اللحظات بالذات تكون الحاجة إلى الوعي - وعي الرجل بنفسه، بطبيعته، بعلاقاته، وبالقوى الاجتماعية المحيطة به - حاجة وجودية لا ترفا فكريا.

كتب رولو توماسي ستة أعمال في إطار سلسلة الذكر العقلاني، تشكل مجتمعة منظومة فكرية متكاملة لا يمكن الاكتفاء ببعضها دون بعض. وقد حرصت على ترجمة كل هذه الأعمال ترجمة كاملة:

الكتاب 1: الذكر العقلاني (The Rational Male – 2013)

هذا هو الكتاب الذي بين يديك هنا: هو مقاربة عقلانية وبراغماتية لديناميكيات العلاقة بين الجنسين والأسس النفسية والاجتماعية التي تحكمها. يرسي هذا الكتاب المفاهيم التأسيسية للفكر الريد بيل ومنظومة الوعي الذكوري.

الكتاب 2: الطب الوقائي (Preventive Medicine – 2015)

يستعرض الديناميكيات المتعلقة بمراحل نضج المرأة ويقدم فهما عمليا للرجل في كيفية التعامل مع المرأة في كل مرحلة من مراحل حياتها. يصف الكتاب ما يتمنى كل رجل لو عَلِمه في وقت مبكر من حياته.

الكتاب 3: الذكورة الإيجابية (Positive Masculinity – 2017)

يفحص هذا الكتاب كيف أعادت الحركات النسوية ومنظومة الأولوية الأنثوية تشكيل مجتمعاتنا، مع تقديم رؤية للرجل حول كيفية تعريف ذكورته من منظور عقلاني وإيجابي بعيدا عن الوصاية الثقافية السائدة.

الكتاب 4: الدين (Religion – 2021)

وهو استكشاف عميق للعلاقة بين الديناميكيات الجنسية البينية وتأثيرها على المعتقد الديني والقيم الاجتماعية، يخاطب المؤمن والعلماني معا بأسلوب تحليلي لا يجامل.

الكتاب 5: الذكر العقلاني: دليل اللاعبين (The Player's Handbook – 2022)

صدر ليكون مرجعا تطبيقيا جامعا للمفاهيم التي أرسى توماسي أسسها في الأعمال السابقة، ويقدم دليلا عمليا للرجل الساعي إلى تحقيق أهدافه في علاقاته وحياته.

الكتاب 6: الذكر العقلاني إعادة الاشتعال (Regnite – 2025)

صدر عام 2025 يقدم هذا الكتاب الدليل التطبيقي الذي كان الرجال ينتظرونه، إذ يحول النظريات المعقدة التي أرساها توماسي في أعماله السابقة إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ في عالم اليوم المتغير. يجمع الكتاب المفاهيم المحورية للسلسلة - من نقطة الانطلاق الذهنية، وسيادة الإطار الشخصي، ومقاومة التخدير الاجتماعي، وعبء الأداء الذكوري - في دليل ميداني متكامل يجيب على السؤال الأهم: ما الذي ينبغي للرجل أن يفعله بعد ذلك كله؟ كل مفهوم مقرون بتطبيقات واقعية وسيناريوهات معاصرة وحالات دراسية، مصمَمة للرجل المستعد للتحرر من القناعات المقيِدة والبرمجة الثقافية.

من هو رولو توماسي؟

رولو توماسي أحد أبرز الأصوات في الاتحاد الذكوري الرقمي المتنامي عالميا المعروف بـ"المانوسفير"، وهو مجتمع فكري واسع يعنى بقضايا الرجل وتحدياته في العالم المعاصر. يعد توماسي أحد "آباء" وعي الريد بيل في مجال العلاقات البينية بين الجنسين، وهو صاحب مدونة The Rational Male التي باتت ركيزة أساسية في مجتمع الريد بيل حول العالم.

جميع كتب توماسي هي في جوهرها تجميع وتعمق للمقالات التي نشرها على مدونته الشهيرة therationalmale.com على مدار سنوات طويلة، مما يجعل هذه الكتب نتاج تراكم فكري حقيقي وليست مجرد عمل كتابي آني.

أدعو القارئ الكريم بعد الانتهاء من أي كتاب من هذه السلسلة إلى زيارة الموقع الرسمي لرولو توماسي على الإنترنت:

therationalmale.com — الموقع الرسمي والمدونة

كما يمكن متابعة كتاباته المستمرة على منصة Substack عبر حساب @rationalmale، حيث يواصل نشر مقالاته وتحليلاته في شكل دوريات منتظمة، وهي امتداد طبيعي للسلسلة ومكملة لمفاهيمها.

قصة الترجمة: ثلاث سنوات ونصف من الأمانة

تعود بداية هذه الرحلة إلى لحظة إدراك حادة: المكتبة العربية - على ثرائها التاريخي وعمق إرثها - تكاد تخلو تماما من الأدبيات التي تتناول الوعي الذكوري بالمعنى التحليلي العميق. ما توفر منها إما يقتصر على الخطاب الديني التقليدي، أو ينزلق نحو نقيضه في تبني خطاب نسوي مستورد. أما الرؤية التحليلية النقدية التي تضع الرجل أمام نفسه بصدق وتمنحه أدوات الفهم لا وصفات الانصياع فتلك كانت الغائب الأكبر.

حين تواصلتُ مع رولو توماسي مباشرة في 5 أغسطس 2023، كان ذلك بعد تنسيق مع الكوتش كريم الأردني، أحد رواد حركة الريد بيل في العالم العربي. يدير الكوتش كريم موقع redpillarabic.com، وينشط على يوتيوب في نشر وتأسيس مبادئ الحبة الحمراء، ومساعدة الرجال على فهم الواقع الجنسي والاجتماعي. وهو من أبرز الشخصيات في المجتمع العربي المهتم بفلسفة رولو توماسي. وعندما أطلعته على نيتي في ترجمة السلسلة كاملة، لم يكتفِ بمنحي موافقته، بل أشار علي صراحة بترجمة السلسلة بأجزائها الخمسة كلها دون انتقاء ولا اختزال، مؤكدا أن الأثر الكامل لا يتحقق إلا بالمنظومة مجتمعة. بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين أبدى استعداده لدعم هذا العمل بوضع الترجمات العربية ضمن صفحته الرسمية على منصة أمازون - وهو اعتراف رسمي بهذا الجهد، وشهادة ثقة أعتز بها وأعتبرها مسؤولية مضافة لا مجرد شرف. انطلقت إذا بثقل هذه المسؤولية كاملا على عاتقي. ثلاث سنوات ونصف لم تكن سنوات ترجمة فحسب، بل سنوات استيعاب وتفكير وعيش في هذا الفكر حتى تشربته نوعا ما قبل أن أصبه في قالب عربي.

المنهجية في الترجمة: معضلة المصطلح

واجهتني خلال هذا العمل تحديات جوهرية، أبرزها إشكالية نقل المصطلحات الأصيلة. فمنظومة الريد بيل محملة بمفردات تقنية اصطلح عليها في السياق الإنجليزي وتحمل دلالات محددة دقيقة، من أبرزها:

  • Hypergamy ← الاستصعاد الاجتماعي الأنثوي
  • The Feminine Imperative ← الضرورة الأنثوية / الإملاء الأنثوي
  • Frame ← الإطار / السيادة الإدراكية
  • Red Pill / Blue Pill ← الحبة الحمراء / الحبة الزرقاء
  • Alpha / Beta ← الذكر الألفا / الذكر البيتا
  • Plate Theory ← نظرية الأطباق
  • AWALT ← كل النساء على هذا النحو

اخترت في تعاملي مع هذه الإشكالية مسارا وسطا جامعا: التعريب حيث أمكن الحفاظ على الدلالة، والاستبقاء حيث اقتضت الضرورة، مع تقديم شرح موازٍ يضمن للقارئ الاستيعاب الكامل. وقد حرصت على توحيد هذه المصطلحات عبر الأجزاء الخمسة كلها بحيث يشعر القارئ بأنه يقرأ منظومة متماسكة لا ترجمات متفرقة.

كما حرصت على أن تكون اللغة فصيحة دون تكلف، وعلمية دون جفاء - إذ إن الجمهور المستهدف من الشباب العربي المثقف يستحق نصا يرقى إلى تطلعاته الفكرية.

الأزمة التي يعالجها هذا الفكر: أرقام وحقائق

ليس الحديث عن أزمة الرجل ضربا من التهويل؛ إنه وصف لواقع موثق بالأرقام والدراسات. ولعل أبرز ما رصدته الأبحاث المعاصرة في هذا الشأن:

على صعيد الصحة النفسية:

يعاني رجل من كل خمسة حالة نفسية سنويا، غير أن أقل من نصفهم (41.6%) يسعون للعلاج، مقارنة بـ56.9% من النساء. هذه الفجوة ليست قصورا في الوعي الصحي فحسب، بل هي انعكاس مباشر لغياب منظومة فكرية تساعد الرجل على فهم نفسه.

في الولايات المتحدة وحدها، تبلغ نسبة وفيات الرجال بالانتحار أربعة أضعاف نظيراتها من النساء، وهو رقم يشير إلى أزمة هوية وغياب وعي أعمق بكثير من مجرد اضطراب نفسي.

على صعيد العزلة والوحدة:

دراسة Gitnux لعام 2024 كشفت أن 40% من الرجال يعانون الوحدة على الأقل مرة في الأسبوع، وأن رجلا من كل أربعة يفتقر إلى أصدقاء مقربين. بل إن دراسة مركز بيو للأبحاث عام 2025 وجدت أن 74% من الرجال يلجؤون أولا إلى الشريك أو الزوجة حين يحتاجون للدعم العاطفي، ما يجعل أي اضطراب في هذه العلاقة كارثة نفسية كاملة بلا شبكة أمان.

على صعيد الأزمة المركبة:

تظهر البيانات المتراكمة بين عامَي 2024 و2025 صورة رجل يقف عند مفترق طرق: يواجه أزمات صحية متراكمة، في حين تتصاعد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والعاطفية من حوله.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة؛ إنها تصف بدقة الرجل الذي لم يعطَ أدوات فهم نفسه. والفكر الذي تحمله هذه السلسلة يقدم تحديدا هذه الأدوات.

لماذا أصبح الريد بيل ضرورة؟

ثمة من يتعامل مع مصطلح "الريد بيل" باستخفاف أو تحفظ، إما لأنه يختزل أحيانا في سياقات رقمية سطحية، أو لأن المصطلح نفسه يستدعي ردود فعل انفعالية مسبقة. وأنا أطلب من القارئ الكريم تعليق حكمه حتى يقرأ، لأن ما يقدمه توماسي بمعناه العميق ليس دعوة إلى كراهية أو عداء، بل هو في جوهره دعوة إلى الوضوح - وضوح الرؤية في مواجهة الضباب الذي تصنعه الأوهام الاجتماعية الموروثة.

الريد بيل - في أرقى تجلياته - هو مقاربة عقلانية براغماتية لديناميكيات العلاقة بين الجنسين والأسس النفسية والاجتماعية التي تحكمها. إنه يدعو الرجل إلى:

أولا: معرفة الطبيعة البشرية كما هي - لا كما يتمنى أن تكون، ولا كما أخبر أنها ينبغي أن تكون. وهذا التمييز هو الفارق بين رجل يتعامل مع الواقع ورجل يتعامل مع خياله عن الواقع.

ثانيا: استعادة السيادة على حياته - لا بمعنى الهيمنة على الآخرين، بل بمعنى التوقف عن تفويض قراراته المصيرية لأجندات لم يختَرها.

ثالثا: بناء الهوية من الداخل - في عالم يضخ تعريفات متضاربة للرجولة يوميا، يقدم الفكر الريد بيل أدوات للرجل كي يصنع تعريفه الخاص من منطلق الوعي لا من منطلق رد الفعل.

وفي السياق العربي تحديدا، تتضاعف أهمية هذا الفكر. فالرجل العربي يجد نفسه اليوم في مواجهة ضغوط متراكمة: ضغط التوقعات الاجتماعية التقليدية من جهة، وضغط الثقافة العولمية المستوردة من جهة أخرى، وضغط التحولات الاقتصادية السريعة التي أعادت رسم أدوار الأسرة والزواج من جهة ثالثة. والرجل الذي يقف بين هذه الضغوط المتعارضة بلا أدوات فكرية واضحة يكون عرضة للانجراف نحو أحد طرفين: إما الاستسلام الكامل لإملاءات الحشد، وإما رد الفعل الانفعالي العنيف. وكلا الطرفين يعبران عن غياب الوعي لا عن حضوره.

الأمانة: مبدأ ومنهج

أختم بما كان أساس هذا العمل من يومه الأول: الأمانة. وهي عندي ليست مجرد فضيلة أخلاقية، بل هي منهج عمل يتجلى في ثلاثة مستويات:

أمانة نحو المؤلف: لقد سعيت جهدي ألا أسقط على النص آراء شخصية، وألا أحور فكرة لإرضاء ذائقة، وألا أحذف ما استثقلته ولا أضيف ما لم يقله توماسي. ما بين يديك هو توماسي كما كتب.

أمانة نحو القارئ: الترجمة الجيدة لا تخفي صعوبات النص وراء تمليس لغوي، بل تنقل إلى القارئ الأثر الكامل - بما فيه الأثر الذي يزعزع القناعات ويدفع إلى المراجعة الذاتية. وهذا بالضبط ما ينبغي أن تفعله كتب توماسي.

أمانة نحو اللغة العربية: هذه اللغة الجليلة قادرة تماما على استيعاب هذا الفكر والتعبير عنه بعمق وجمال، وقد حرصت على إثبات ذلك في كل صفحة.

وإن كان ثمة قصور فمن طبيعة البشر وحدودهم، وإن كان ثمة توفيق فلله الحمد والمنة.

د. إبراهيم محمد المالكي

ROLLO TOMASSI

مقدمة المؤلف

بقلم رولو توماسي — الترجمة العربية الرسمية

مقدّمة المؤلِّف

التمهيد

في يناير من عام 2001، وطئت أروقة جامعةٍ حكومية للمرة الأولى في حياتي، وقد بلغت آنذاك الثانية والثلاثين من العمر. وكان هذا الالتحاق المتأخر نسبيا ثمرة ما كنت أعدّه، في تلك المرحلة، سنواتٍ ضائعة من شبابي؛ وكأنني أسدد دَينا متأخرا عن تجاوزات ما أسميه اليوم "عشرينيات نجم الروك" التي عشتها بكل ما فيها من اندفاعٍ وطيش.

كان أمامي الكثير مما ينبغي استدراكه؛ حصيلة قراراتٍ اتخذتها في مطلع الرشد ووسط العشرينيات، إلى جانب شعورٍ دفينٍ ظل يلازمني بأن ثمة شيئا لم يكتمل، وأن جزءا من رحلتي ما يزال ينتظر أن ينجز.

واليوم أحمد تلك العودة إلى مقاعد الدراسة؛ فالتأخر خيرٌ من الانقطاع، والعودة خيرٌ من الارتهان للندم. لقد بدأت أكتشف آنذاك القيمة الحقيقية للتعليم من حيث هو غايةٌ في ذاته، لا مجرد وسيلةٍ إلى وظيفة. وما زلت أذكر تذمر زملائي في القاعات الدراسية، وكان معظمهم يصغرني بعقدٍ كامل، وهم يتساءلون: "ولماذا نحتاج إلى تعلم هذا الهراء؟ لن يفيدنا في المهنة التي نستعد لها." ولعلني كنت سأشاركهم هذا الضيق لو كنت في الثانية والعشرين من عمري؛ ففي تلك السن لم يكن يشغلني أكثر من موعد الحفلة الموسيقية التالية مع الفرقة التالية في إحدى ليالي هوليوود الصاخبة. لم أكن قد بلغت بعد من النضج ما يجعلني أقدّر معنى أن يكون المرء مثقفا بحق. فالحصول على وظيفةٍ جيدة هدفٌ مشروع وملموس للارتقاء بالحياة، أما أن يمتلك الإنسان أفقا واسعا من المعرفة، وأن يتعلم كيف يتعلم، فذلك في ذاته مكافأةٌ لا تقاس بثمن.

وعلى الرغم من أنني لم ألتحق بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمعناها التقليدي، فإن تخصصي كان في الفنون الجميلة. غير أن سنوات عملي في التصميم والإعلان والتسويق وبناء الهويات التجارية كانت قد أقنعتني بأن تخصصي الفرعي ــ الذي تحول لاحقا إلى تخصصٍ مزدوج ــ ينبغي أن يكون علم النفس. وقد بدأ اهتمامي بهذا الحقل من رغبةٍ صادقة في فهم الشخصيات المعقدة التي اضطررت إلى التعامل معها على امتداد مسيرتي المهنية؛ لذلك بدا لي علم الشخصية والسلوك امتدادا طبيعيا لميولي واهتماماتي. والحقيقة أن جانبا كبيرا مما يضمه هذا الكتاب هو ثمرة مباشرة لأكثر من عقدٍ من الزمن قضيته في تطبيق تلك المدارس النفسية على ديناميكيات العلاقة بين الجنسين، مستندا في ذلك إلى خبرتي الشخصية وإلى التجارب المتراكمة لملايين الرجال حول العالم.

ربط النقاط

خلال دراستي لعلم النفس، وجدت نفسي منجذبا بطبيعتي إلى المدرسة السلوكية. وكحال كثيرين، كانت معرفتي الأولى بعلم النفس تنحصر في فروعه الأكثر شيوعا وارتباطا بالعاطفة؛ كالتحليل النفسي وتلك الصورة النمطية التي تختزل العلاج النفسي في "الجلوس على الأريكة والحديث عن المشاعر". أما السلوكية فقد بدت لي شيئا مختلفا تماما: منهجا أكثر صرامة وموضوعية، ينصرف إلى الأفعال وما يكمن وراءها من دوافع، لا إلى الروايات التي ينسجها الناس حول أنفسهم.

ومن المفارقات أن أحد المرتكزات الأساسية لما يعرف بـ"وعي اللعبة" يقوم على المبدأ ذاته؛ أي الحكم على المرأة من خلال أفعالها وسلوكها، لا من خلال أقوالها أو نواياها المعلنة. وهذا ليس سوى امتدادٍ للقاعدة الذهبية في السلوكية: السلوك هو الشاهد الأكثر موثوقية على الدافع. بل إن الدوافع اللاواعية قادرة على توجيه سلوك الإنسان بمعزلٍ عن التفسيرات التي يقدمها لنفسه أو للآخرين. وبعبارة أبسط: لسنا دائما على وعيٍ حقيقي بالأسباب التي تدفعنا إلى الصدق أو النفاق، أو إلى أي سلوكٍ بين هذين الطرفين.

وكان إدراكي لهذه الحقيقة السلوكية أول خيطٍ ربط بين علم النفس بوصفه علما تجريبيا صارما، وبين ديناميكيات العلاقة بين الجنسين. وقبل التحاقي بالجامعة بعامٍ أو عامين، كنت أشارك بانتظام في عددٍ من المنتديات الإلكترونية، محاولا مساعدة بعض الشبان على فهم ما كانوا يسمونه "مشكلاتهم مع الفتيات".

ولم تكن تلك المنتديات مرتبطة بما سيعرف لاحقا بـ"المجتمع" أو بثقافة "اللعبة". صحيح أنني كنت قد سمعت بأسماء بعض فناني الإغواء الأوائل، مثل "ميستري" وغيره، غير أن معظم ما كانوا يطرحونه لم يكن جديدا عليّ؛ فقد عرفت جانبا كبيرا منه من خلال تجاربي الشخصية خلال عشرينياتي الصاخبة. وكان اهتمامي الحقيقي منصبا على مساعدة أولئك الشبان في تجنب الأخطاء ذاتها التي وقعت فيها مع النساء.

ومع ذلك، ظل يراودني شعورٌ متزايد بأن ثمة رابطا عميقا يجمع بين المشكلات التي كان يعانيها هؤلاء الشبان، وبين المبادئ التي كان فنانو الإغواء يبنون عليها تقنياتهم، وبين علم النفس السلوكي الذي كنت أغوص في دراسته يوما بعد يوم. فقد بدا لي أن معاناة الرجل العادي في علاقاته، والأسس التي تقوم عليها تقنيات الإغواء، تنبع في جوهرها من منبعٍ نفسي واحد.

وفي تلك المرحلة انضممت إلى منتدى SoSuave.com، الذي أصبح لاحقا المختبر الفكري الذي بدأت فيه تجميع تلك الخيوط المتفرقة وربطها ببعضها بعضا.

وأود هنا أن أشير إلى أنني بذلت جهدا حقيقيا في محاولة عرض هذه الأفكار على زملائي وأساتذتي؛ خاصة فكرة أن العلاقات بين الجنسين تخضع، في كثيرٍ من جوانبها، لاعتبارات سلوكية صارمة لا تنسجم دائما مع تصوراتنا المثالية عنها. غير أن ما كان يثير دهشتي باستمرار هو أن الأساتذة أنفسهم الذين كانوا يدافعون عن السلوكية بوصفها علما دقيقا وموضوعيا، كانوا غالبا أشد المعترضين على الاستنتاجات التي كنت أصل إليها من تطبيق مبادئها على العلاقات بين الرجل والمرأة.

لم أكن أفهم في ذلك الوقت ما الذي يمنعهم من ربط هذه الخيوط والانتهاء إلى النتائج ذاتها، مهما بدت غير مريحة. أما اليوم فأعرف السبب، وستعرفه أنت أيضا مع نهاية هذا الكتاب. لكنني آنذاك لم أكن قد أدركت بعد مدى التأثير الذي تمارسه الضرورة الأنثوية والمثالية الرومانسية في تشكيل استعداد الناس لتقبّل هذه الأفكار أو رفضها، حتى عندما يزعمون التزامهم بالموضوعية والسلوكية الصارمة.

سيتعين علي إذن أن أتقصى نظرياتي وأفكاري وأناقشها في منتدى يتيح لي البحث عن آراء إضافية، وربما أجد فيه رجالا يطرحون مفاهيم لم أفطن إليها، في فضاء يجمع أفكارا متقاربة. كان SoSuave هذا المنتدى على مدى أكثر من اثني عشر عاما. ومعظم المفاهيم التي ستطلع عليها في هذا الكتاب هي ثمرة أكثر من عقد من الجدل والصقل والتمحيص النقدي. ومع ذلك، أحث في أغلب الأحيان على مواصلة التساؤل حولها، فلا شيء منها منيع عن التعديل أو فوق مزيد من الصقل.

ما أنت مقبلٌ على قراءته هو خلاصةٌ منقَّحة ومحكَمة للأفكار والمفاهيم الأساسية التي نشرتها على مدونتي «الذكر العقلاني». وقد جاءت فكرة إنشاء هذه المدونة استجابة لطلبات متكررة من قرّائي في عددٍ من المنتديات الإلكترونية وتعليقات المدونات المنضوية تحت ما يعرف بـ«عالم الرجولة» عام 2011. ولم يمضِ سوى أقل من عام حتى اتسع انتشار المدونة على نحوٍ لافت، وأصبح من الواضح أن المبادئ المؤسسة التي تقوم عليها تحتاج إلى إطارٍ أكثر انتظاما وشمولا يستوعب القرّاء الجدد، في الوقت الذي كنت فيه أمضي نحو استكشاف موضوعاتٍ أعمق وأبعد مدى.

ولهذا أعدت كتابة معظم مقالات العام الأول من المدونة، وراجعتها وحررتها لتناسب قالب الكتاب. كما أبقيت على كثيرٍ من المصطلحات الخاصة والاختصارات المتداولة في المدونة وفي أوساط «عالم الرجولة» عموما مثل SMV اختصارا لـ«قيمة السوق الجنسية» مع الحرص على تعريفها وشرحها كلما اقتضى السياق ذلك.

وفوق هذا، فإن عددا غير قليل من المفاهيم التي أتناولها في هذا الكتاب لم ينشأ في فراغ، بل كان ثمرة أسئلةٍ أثارها القرّاء أنفسهم. وكما هي الحال في معظم المجتمعات الإلكترونية، فضّل كثيرٌ منهم الكتابة بأسماءٍ مستعارة وحجب هوياتهم الحقيقية. غير أن ذلك لم يكن ذا أهمية تذكر؛ فالقيمة الحقيقية تكمن في الفكرة المطروحة للنقاش، لا في هوية من طرحها أو في اسم من اعترض عليها.

قبل أن تبدأ القراءة

كان الدافع الأبرز الذي حملني على تحويل محتوى «الذكر العقلاني» إلى كتابٍ قارئة تدعى جاكي. لم تكن جاكي من النمط المعتاد لقرّاء المدونة؛ فقد كانت امرأة متزوجة ومتقدمة في العمر، لكنها وجدت فيما أطرحه عن ديناميكيات العلاقة بين الجنسين ما استحق اهتمامها وتأملها. وقد تواصلت معي طلبا للعون في فهم بعض المفاهيم التي أتناولها، رغبة منها في مساعدة ابنها، الذي كان على وشك الارتباط بامرأة رأت فيها خطرا حقيقيا على مستقبله ومسار حياته.

ولا تزال كلماتها عالقة في ذهني حتى اليوم حين قالت: «ليت لديك كتابا يجمع هذه الأفكار كلها في مكانٍ واحد، فأضعه بين يديه. إنه شخص سهل التأثر والانقياد، لكنني أعلم أنه سيقرأ كتابا إن وجدته بين يديه.»

ومن أجل أبناء جاكي، وأمثالهم، قررت أن أكتب هذا الكتاب.

ولهذا السبب تحديدا أطلب منك، أيها القارئ، قبل أن تمضي في الصفحات التالية، أن تترك جانبا لبعض الوقت ما قد تحمله من تصوراتٍ مسبقة أو مسلماتٍ راسخة، وأن تمنح الأفكار القادمة فرصة عادلة للفهم والنظر.

لقد بلغ انتشار «الذكر العقلاني» ملايين القرّاء حول العالم، ومن المحتمل أنك اقتنيت هذا الكتاب لتحتفظ به في مكتبتك أو لتقدمه إلى صديق، لأن كثيرا من مفاهيمه مألوفة لديك أصلا. ومع ذلك، تظل للكلمة المطبوعة سلطةٌ خاصة وشرعيةٌ لا تمنحها المدونات ولا المقالات الإلكترونية بالقدر نفسه. لذلك، إن كنت من قرّاء «الذكر العقلاني» بالفعل، فأعر هذا الكتاب لمن تثق بحكمه، أو ادع أولئك الذين ما زالوا أسرى تصوراتهم القديمة إلى قراءته ومناقشة أفكاره بعقلٍ مفتوح.

أما إن كنتَ تلتقط هذا الكتاب للمرة الأولى، أو سلمه إليك صديق أو أحد أفراد أسرتك، ولم تسمع قط بـ"الذكر العقلاني" أو "عالم الرجولة" أو لم تتعرض لأيٍ من الأفكار التي أطرحها هنا - فسأطلب منك بتواضع أن تقرأ بعقل مفتوح.

أعلم أن هذا يبدو هروبا سهلا - "افتح عقلك" - يبدو كأنه ما تصدر به طائفة دينية أدبياتها. كلنا نظن أننا أصحاب عقول منفتحة، وعقلانيون تماما، وقادرون تماما على التفكير النقدي.

لكنني أطلب منك، قبل كل شيء، أن تعلّق أحكامك المسبقة عن الرجال والنساء عند عتبة هذه الصفحات. فما أنت مقبلٌ على قراءته ليس مجموعة من الآراء المألوفة أو الحقائق المريحة، بل منظومة من الأفكار الجذرية التي قد تعيد تشكيل فهمك لطبيعة العلاقة بين الجنسين، وللكيفية التي نشأت بها البنى الاجتماعية وتطورت حول تلك العلاقة.

ستجد بين هذه الصفحات أفكارا ستقاومها بشدة، وأخرى ستمنحك تلك اللحظة النادرة التي تتبدد فيها الضبابية فجأة، فتقول في نفسك: "الآن فهمت". بعض هذه الأفكار سيصطدم بمعتقداتٍ طالما استثمرت فيها قناعاتك وكبرياؤك، وبعضها الآخر سيجد صداه في تجارب عشتها ولم تجد لها تفسيرا من قبل. وستبدو لك بعض الحقائق قاسية، وربما منفّرة، لأن الحقيقة ليست ملزمة بأن تكون جميلة حتى تظل حقيقة.

بعضها ليس منصفا للنساء، وبعضها ليس منصفا للرجال. ستظنني في الوهلة الأولى مسوجينا - أي كارها للمرأة - لأن هذا هو رد الفعل المبرمَج الذي ربيتَ عليه. وبعضكم قد يشعر بنوع من الانتصار إزاء ما اكتوى به من علاقات ماضية، حين يدرك ما كان يجري خلف الكواليس. أعلم أن ما أطلبه ثقيل، لكن اجتهد ألا تدع مشاعرك الشخصية تلون ما أضعه أمامك هنا.

ستحبني وستبغضني. ستفكر: "حسنا، لكن في حالتي يختلف الأمر، وإليك السبب..." أو ستفكر: "واو، هذا حقا فكر رائد ثوري." لست طبيبا نفسيا، ولا فنان إغواء، ولا ناشطا في حقوق الرجل، ولا متحدثا تحفيزيا. أنا مجرد رجل ربط بعض النقاط.

تابع القراءة

بقية أجزاء السلسلة

تعليقات القراء على الذكر العقلاني

شارك رأيك بشكل مباشر — يكفي كتابة اسمك (أو اسم مستعار) والتعليق.

0/1500

جارٍ تحميل التعليقات...